26 شهر 10
استفاق يوسافير ويوراي على رائحة الخبز الشهية القادمة من النافذة، ما فتح شهيتهما فوراً للفطور.
وقف يوسافير من سريره رافعاً يديه إلى السماء وعيناه مغمضتان وكأن النوم يأبى أن يذهب.
– «يبدو أن النوم لم يرغب بتركك»، قال يوراي وهو جالس في مقعده.
– «لقد سهرت ليلة في دراسة ذلك الكتاب»، قال يوسافير وهو يحك عينيه بينما فمه نصف مفتوح.
ارتدى يوراي ردائه الفضي وسأل: «ألم تنتهِ بعد من ذلك الكتاب؟»
– «لقد انتهيت منه، لكن تلك اللغة صعبة قليلاً لهذا أقوم بمراجعتها».
– «إذاً لقد انتهيت من جميع الكتب التي تركها لك العجوز».
كان الكتاب الذي يقرأ فيه يوسافير قديما جدا، جلده أسود.
الغلاف الخارجي كان مزينا برسم لسيف، هذا السيف كان يحمله أسد يقف على قدمين وليس إنسان.
– «نعم، جميع اللغات أعرفها الآن، لقد لحقت بك أخيراً».
– «من الآن فصاعداً حان وقت نبش التاريخ والاطلاع على العالم قديماً».
«هذا العالم يمتلك؛ لغة واحدة موحّدة، وهي التي يتكلمها معظم سكان العالم، لكن هناك نسبة صغيرة من السكان احتفظوا بهذه اللغات سراً»
«طاق.. طاق.. طاق»
وبينما كانا يتكلمان، سمعا طرقاً على الباب.
فتح يوراي الباب فإذا بنادل وفي يده صينية كبيرة من الفخار مملوءة بالطعام.
– «صباح الخير ضيوفنا الكرام، هذا هو فطوركم».
بعد أن فتح يوراي الباب دخل النادل ووضع الطعام فوق الطاولة ثم استأذنهم وخرج.
كانت الطاولة مليئة بكأسين من الشاي الذي يرتفع منه دخان باهت، وطبقين من البيض المقلي بالزيت، وطبقين من عسل النحل، وطبقين من الزبدة الطرية، ورغيفي خبز على شكل دائرة.
جلس الاثنان يأكلان ويتكلمان عن الأمور التي سيقومان بها.
وبسرعة انتهيا من أكلهم. أمسك يوسافير بالكتاب الذي كان يدرسه وخبّأه مع أمتعته، ثم نظر إلى يوراي:
– «هيا بنا».
– «إلى أين سنتجه الآن؟» سأل يوراي.
حدق يوسافير في الأرض مطولاً ثم قال:
– «سنتجول فقط وننتظر المهرجان. كما قال ذلك الشخص، علينا فقط أن نسلمه الصندوق الوحيد الذي لا يزال لدينا».
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه يوراي:
– «إذاً ليس هناك شيء لفعله».
أدار يوسافير وجهه نحو النافذة بعد سماع صياح في الخارج:
– «أنت تعرف، حتى لو بحثنا فلن نجد شيئاً. فلقد بحث هو لمدة طويلة ولم يجد شيئاً. علينا انتظار تسليم إرث المملكة وبعدها سنتحرك».
يوم المهرجان، كما ذكر معظم الناس، لن يكون مجرد مهرجان عادي كباقي المهرجانات التي مرت من قبل.
بل سيعلن فيه الملك وريثه، ومع إعلان الوريث سيتم تسليم الإرث، هذه هي قوانين هذه البلاد.
خرج الاثنان من النزل بعد ليلة من الراحة، وبدأ تجولهما وتعرفهما على المكان.
في شارع كبير تحرك يوسافير ويوراي بجانب المتاجر المكتظة بالناس، وبجوانبهما مرا عدة حلقات من الناس، ووسط كل حلقة هناك إما مهرج أو لاعب خفة يؤدي مهنته.
وبينما كانت تلك الحلقات مكتظة بالناس، كانت العربات التي تجرها الخيول تمشي ببطء، ما أدى إلى تدخل فرسان المملكة أو جنود الجيش لتوسيع الطريق.
في شارع موازٍ للشارع الذي يتمشى فيه الاثنان، كانت هناك مجموعة من الأشخاص يمشون بين الناس وهم يراقبون كل شيء بعيونهم الحادة. كان هؤلاء الأشخاص أول من التقى بهم يوسافير ويوراي في البحر: الملازم رون ونائبه داروم والجنود الآخرون.
وكما من قبل، ارتدى الجنود ملابس رمادية باهتة، بينما كانت ملابس رون باللون الرمادي الداكن.
عبس رون وهو يتمتم بصوت خافت:
– «يبدو أن هذا الوغد قد غادر هذا المكان».
قبض داروم على قبضته وقال: – «هذا الشيطان… وكأنه يستشعر الخطر».
تجهم وجه رون: – «شيطان البشر… عندما أمسك به لن أهتم بمكافأته، سأقتله فوراً».
– «إلى أين تظن ذهب هذا الوغد؟» سأل داروم.
رد رون بصرامة:
– «كيف لي أن أعرف تحركات ذلك الشيطان؟ فالعالم واسع، إن غادر هذه القارة قد لا نراه لسنوات عديدة أو قد لا نراه أبداً».
أدار داروم عينيه بعيداً:
– «الثائرون النذلاء يهربون مثل الصراصير».
توقف رون في مكانه محدقاً في الأرض:
– «إلى أين ذهب هذا الفأر؟ لماذا لا يمكننا إيجاده؟ مهما بحثنا… هل غادر هذه المملكة حقاً؟ هل ذهب إلى المملكة المجاورة؟ أم هو مختبئ في مكان ما هنا؟ لعنة عليك… لعنة عليك… أقسم إن وجدتك لن أتركك حياً أبداً!»
– «ما بك رون؟ هل هناك شيء؟» سأل داروم.
– «لا، ليس هناك شيء… فقط كنت أفكر في شيء ما».
ــــــ
في هذه اللحظة، وبجانب البوابة الرئيسية، كان فليكس واقفاً يحدق في مجموعة آتية من بعيد.
وضع فليكس يده على ذقنه وبدأ يفكر:
– «كيف لسيدة نبيلة مثلها أن تأتي لهذه المملكة؟ هذا غريب نوعاً ما…»
أمام تلك المجموعة كانت فتاة تبدو صغيرة قليلاً، في منتصف العشرينات، وكانت جميلة جداً بشعرها الأشقر وعيونها الخضراء مثل الكريستال وحاجبيها المقوسين.
كانت ملابسها عبارة عن فستان قطني ناعم وفضفاض راقٍ أخضر اللون مع خيوط ذهبية غطت جميع أنحاء جسدها.
أما بقية مجموعتها فكانت تتكون من خمسة رجال بمعاطف سوداء وسراويل جلدية وقبعات خفيفة. أخفى معطفهم الطويل حزاماً مرفوقاً بسيف طويل نزل بشكل عمودي بجانبهم.
وفتاتين بملابس تشبه ملابس الرجال الخمسة، إلا أن القبعات كانت مختلفة مع ريشة بنية داكنة تزينها.
تقدم فليكس نحوهم وابتسامة لا تفارق وجهه:
– «مرحباً بسيدة دورانا، إنه لشرف عظيم أن تأتي من قارة مختلفة لحضور حفلنا السنوي. بالمناسبة اسمي فليكس، تشرفت بمعرفتك».
– «مرحباً سيد فليكس»، قالت دورانا مبتسمة.
لكن خلفها، كان الرجال والنساء لا تظهر أي مشاعر على وجوههم، فقط نظرات ثاقبة تجاه فليكس.
قال فليكس:
– «سيدتي، أنت تبدين مختلفة عن صورك… فرؤيتك مباشرة أكدت لي أن صورك لا يمكن أن تقارن بجمالك الحقيقي».
تغير تعبير أحد أتباع دورانا، وظهرت لمحة ازدراء على وجهه.
لاحظ فليكس ذلك ثم مال بوجهه كأنه لم يره.
ردت دورانا:
– «أقدر مجاملتك».
ثم نظرت بعيداً:
– «يبدو أن المملكة مكتظة بالناس».
– «نعم كما ترين، هكذا تجري الأمور دائماً عندما يقترب المهرجان. لكن لا يزال هناك وقت، ستمتلئ أكثر من هذا اليوم».
– «هل هذه أول زيارة لك لهذه القارة؟» سأل فليكس.
أجابت دورانا:
– «نعم، لكن كنت قبل أيام في المملكة المجاورة عندما تلقيت دعوة من ملككم».
– «أي مملكة؟» سأل فليكس.
– «وما دخلك أنت؟» قال أحد الأشخاص وراء دورانا متقدماً جانبها.
كان هذا الشخص يبدو صارماً، بملامح وجه خشنة، لكن كان هناك شيء مختلف فيه: عيناه… واحدة بنية والأخرى سوداء.
التفتت دورانا نحو تابعها:
– «لا عليك كريسمور، هو فقط سأل… لم يقصد الأذية».
أومأ كريسمور برأسه ولم يقل شيئاً.
بعد أن تكلموا قليلاً، قاد فليكس الطريق، وتبعته دورانا وأتباعها.
وبينما كانوا يمشون، حدق فليكس في كريسمور مطولاً حتى بدأ حاجب لاخير يهتز.
امتلأت شوارع المدينة يوماً بعد يوم، وكانت تزدهر بكثرة الناس. قضى يوسافير ويوراي أيامهم الأخيرة في التجوال، ذهاباً من هنا إلى هناك، أكل… نوم.
يوسافير قضى اليومين الأخيرين في المنزل يراجع الكتب الخمسة، أما يوراي فكان يخرج قليلاً للتجول وحده.
في غرفتهما التي قاما باستئجارها، جلس الاثنان مقابل بعضهما.
تقوس فم يوسافير مثل طفل يبتسم:
– «غداً… الليلة التي طال انتظارها… غداً سيبدأ كل شيء».
– «أنا متحمس جداً»، قال يوراي. «بعد تأكيد ما يوجد في إرث راندور، فغداً ستبدأ رحلتنا أخيراً».
قال يوراي:
– «رغم العقبات التي ستواجهنا غداً، لكن كل شيء سيمر على ما يرام».
رفع يوسافير صوته فجأة:
– «ستكون مهمة صعبة كما قال لنا، فهناك العديد من الأشخاص الأقوياء الذين سيكونون هناك. لكن الأدرينالين مرتفع للغاية… سنستمتع كثيراً».
«طاق… طاق»
وبينما يتكلمان سمعا طرقاً على الباب.
نظر يوسافير إلى يوراي، ورتفت ابتسامة على وجه الاثنين.
– «لقد جاء أخيراً».
نهاية الفصل
شخص غامض يطرق الباب… يا ترى من هو؟ وما سبب ابتسامة الاثنين؟