يوراي وقف منتصبا يشير مبتسماً نحو الفتاة، بينما هي مصدومة كما مصدوم من في المدرجات.
«يوراي!!»
هذا ما كان يدور في عقلها.
ليلار كان مندهشًا من جرأة الشاب، ما الذي يفعله؟ يبدو أن هناك شيء يفكر فيه هذا الفتى لاقتحامه الساحة أمام الملك.
رايفن وأتباعه بدت أيضًا على وجوههم صدمة وفضول.
«ما الذي يفعله باقتحامه القتال؟» تساءل جاك بارتباك، وشمس ترسم على وجهه ظل شعره.
رد بريلي: «هل تظن أنه يعرف الفتاة؟»
بدى رايفن يفكر، لكنه لم يقل شيئًا، وكتفى بالنظر نحو الفتاة ويوراي.
لم تخلو ملامح الصدمة أيضًا على وجه كل من رون وداروم، بالإضافة إلى أتباعه الذين كانوا في السفينة يوم التقوا به في عرض البحر.
عينيه المغمضتين وشعره الأبيض وجلده الذي بدا أبيض أكثر من الأشخاص العاديين جعله كل من يراه يتذكره.
ارتفع حاجب داروم: «إذا هؤلاء الأشخاص هنا في المدينة، ياترى مالذي يحاول فعله باقتحام الساحة؟»
بهدوء قال رون: «أظنه يعرف الفتاة، لهذا تدخل في هذا الموقف المميت.
لكن تدخله رغم وجود الفرسان والجنود، بالإضافة إلى الأسرة الحاكمة، لابد أنه يجني على نفسه.»
بما أنه هنا، صديقه لا بد أنه أيضًا هنا. وقف داروم وهو يبحث بعينيه في المدرج.
الرجل الضخم توقف ونظر إلى يوراي، وشاب أيضًا، أما العجوزان توقفا قليلاً، لكن سرعان ما واصلا قتالهما.
الشاب الذي يحمل السوط الشائك حدق في يوراي باهتمام خاص.
تساؤلات طرحت وارتفع الفضول في صدور الأغلبية.
«مالذي يفعله؟»
نظر ناطق إلى يوراي: «تريد القتال من أجلها؟ ألم تسمع قبل قليل عندما قلت إن هؤلاء مجرمون، وسبب وجودهم هنا هو القتال من أجل حياتهم؟
وأنت من تظن نفسك باقتحام القتال بوجود جلالته هنا، ألا تعرف القانون؟»
أجاب يوراي بصوت خافت وهادئ، لكن الجميع يمكن سماعه: «إذا سأستبدل حياتي بحياتها، هل أنتم راضون؟ أنتم هنا لمشاهدة القتال، وكما ترى هي لا ترغب في القتال، ألن ينقص هذا من متعة المعركة إن ماتت منذ البداية؟»
كانت الفتاة تحدق في يوراي. بعد سماع كلامه أخيرًا، تغيرت تعابيرها قليلًا، رفعت حاجبها الرقيق عاليًا، وكأنها لم يعجبها كلام يوراي.
كان ناطق ينظر إلى يوراي، فعلاً ما قاله صحيح، إن ماتت من البداية، هذا سيجعل الناس يغضبون.
لقد رأى وسمع بعض الكلمات التي خرجت من أفواههم قبل قليل.
نظر ناطق إلى الملك الذي أومأ برأسه موافقًا.
«حسنًا، يمكنك ذلك، لكن أنت تعرف، لن يغادر سوى شخص واحد حي من هذه الساحة.»
خطى يوراي بخطوات لا تُسمع نحو الفتاة وهو يبتسم، وهي أيضًا تقدمت نحوه مع ابتسامة على وجهها، لكنها كانت خافتة.
«مرحبا أيتها الخرساء، لم نرك منذ مدة، كيف الحال؟ هل أنت بخير؟» كانت هذه الكلمات يريد يوراي قولها، لكن ليس وقتها.
ما إن وصل أمامها قال: «أيتها الخرساء، يوسافير خلفك في المدرجات قرب العمود المرتفع بلون أسود، انتظروني هناك ريثما ينتهي العرض.»
هزت الخرساء حاجبها الأيسر، ثم استدارت وألقت بنظراتها اتجاه العمود الأسود. فجأة توسعت عينيها العسليتين وابتسمت ابتسامة عريضة وبدأت بالمشي.
يوسافير حدق فيها بابتسامة ورفع يده نحوها.
ما إن غادرت الفتاة حتى انهالت على يوراي العديد من الكلمات البذيئة:
ثرثرة… ثرثرة…
«أيها العاشق المجنون، أرجو ألا تموت بسرعة!»
قال آخر: «أنت تبدو مثل الهيكل أيها الوغد، كيف ستقاتل؟»
وما بال تلك العينين المغمضتين؟
ترثرة آخر «كيف ستقاتل أيها الفاسق وأنت لا ترى؟»
تلقى يوراي هذه الكلمات البذيئة، لكنه لم يهتم بها. يمكن للناس قول ما يريدون، فهذه ألسنتهم.
«يا لسخافة هذه الحياة، هناك حياة ستزهق بينما هم يراهنون ويفرحون أمام أطفالهم. هم يدركون ما يحصل، لكن لا يهتمون.
هذا العالم يريد…» لم يكمل يوراي، واكتفى بتنهّد بأقصى قوة.
«هذا الفتى خطير للغاية.» قال لورين.
«يبدو أن رهاننا هذا أيضًا لن يكتمل.» سخر لبران وهو يحدق في يوراي.
«دورانا، كنت أعينها على الخرساء. هناك شيء لم ينتبه له الأغلبية، ربما لا يعرفون، لكن كيف يخفى عليها أمر جلد الخرساء المائل للأحمر؟ ذكرها بشيء ما، هي وحدها تعرفه.»
وصلت الخرساء إلى يوسافير، بعد أن صعدت الدرجات، وجدته لا يزال يلوح بيده نحوها وابتسامة فضيعة على وجهه.
هذا ما جعلها تبتسم، وكل ما كان داخلها كأنه انتهى، الأمواج هدأت والمد صار جزرا.
استأنف القتال بين الرجل الضخم والشاب الصغير، بدأوا من جديد المطاردة، وكأنهما القط والفأر.
في هذه اللحظة يمكن أن ترى دماء تتدفق من كتف أحد العجوزان، ما حوّل الأنظار نحوهم.
لقد قطعت يد أحدهما، بينما الجروح تغطي الآخر.
يوراي اكتفى بالوقوف، لم يتحرك. أما الشاب فكان ينظر إليه بتمعن وقال: «هل نبدأ؟»
أجاب يوراي: «متى ما أردت.»
ضرب الشاب بسوطه الهواء كتحدير ليوراي، ثم قال: «لابد أنك قد سئمت من الحياة لدخولك في هذه المعركة.»
بكل هدوء أجاب يوراي: «يمكنك البدء، لا تضيع وقتي بالكلام.»
كلمات يوراي لم تعجب الشاب، شد مقبض السوط بقوة، واندفع ولوح به.
اتجه السوط الشائك نحو رأس يوراي، الذي انحنى لأسفل، بينما رأسه مرفوع باتجاه الشاب.
اتجه بخطوات سريعة نحوه، بينما الشاب جر نحوه السوط الشائك، لكن خطوات يوراي تسارعت فجأة، ظهر خلف الشاب ابتسامة خفيفة مع شد قبضته، ثم:
«برراق!»
قبضة حطّت على ظهر الشاب، الذي انطلق كالقذيفة نحو الجدار.
«بوم!»
سقط الشاب وهو وسوطه، حتى أن بعض الأشواك غرست في يده.
«هاااا..»
هذا ما جعله يصرخ من الألم، بينما الدماء تقطر منه.
تلك ضربة كسرت أحد أضلاعه، وهذا جعله يصرخ أكثر.
تحرك يوراي وجذب الكثير من النظرات، لكن هناك من كان يلقي لهذا القتال بالًا منذ البداية، أحدهم ليلار، وآخر رون وداروم، بالإضافة إلى رايفن.
وقف الشاب محمرّ العينين، بيده السوط واليد الأخرى يمسك بها جانبه الأيسر.
رغم كسر أحد أضلاعه، إلا أنه وقف. كيف لا يقف والموت ينتظره؟
هذه المرة لم يتسرع، بل اندفع نحو يوراي ببطء، ينتظر الفرصة ليهاجم.
شبك يوراي يده أمام صدره، لم يكن يرغب في إيذاء الشاب أكثر.
كانت تلك ضربة مجرد تحدير، كان يعرف الموقف الذي فيه شاب لم يعرف الجريمة التي ارتكبها أو لماذا هو هنا.
لكن إن أراد شخص أمامه قتله، فلن يهتم ويقتله دون ندم.
اقترب الشاب أكثر وتوقف فجأة بعد أن رأى يوراي متصمّرًا في مكانه، لا يتحرك.
وجد هذه فرصة، ثم فتح فمه قائلاً وهو يتقدم ببطء: «لماذا أردت مساعدة الفتاة؟ هل تعرفها؟»
«لا شأن لك بذلك.» أجاب يوراي.
تقدم الفتى أكثر: «إذا هل تعرف...» لم يكمل كلامه عندما اقترب بما فيه الكفاية وضرب بسوطه.
سخر يوراي مع نصف ابتسامة، قفز والتف إلى الجانب، بينما مر السوط من مكانه.
كان تفكير الشاب أن يضرب بعد أن يخفض يوراي من دفاعه، واعتقد بعيني يوراي المغمضتين أنه لا يرى، لكنه نسي تمامًا الضربة التي وجهت له وكسرت أضلاعه.
فهم يوراي لماذا هاجمه هذا الشاب فجأة، بعد أن وجه وجهه نحو يوسافير والخرساء بجانبه، ورأى أنها تبتسم.
إنها هي.
هاجم الشاب مرة أخرى ضربة سريعة متجهة إلى رأس يوراي، قفز يوراي إلى الجانب واندفع بسرعة نحو الشاب لكمة أخرى، لكن هذه المرة في بطنه.
«بوم!»
خرجت كمية من الماء من فم الشاب، وتراجع وهو يترنح، ممسكًا ببطنه بيديه، بعد أن أسقط السوط أرضًا.
وجه نظره غاضبًا نحو يوراي، وخرج صوت غاضب من فمه صارخًا: «سأقتلك!» لتقط الشاب السوط من الأرض واتجه إلى يوراي.
هاجم بسوطه في كل الاتجاهات، وبسرعة أكثر من ذي قبل. لم يحمل السوط من فراغ، يبدو أنه كان متمرّسًا فيه.
«بررر بررر بررر!»
وجد يوراي نفسه عالقًا في العديد من الهجمات، ما جعله يتراجع مع كل هجوم.
«لم أكن لأقتلك، لكنك تريد قتلي!» اندفع داخل هجمات الشاب متجنبًا كل الهجمات بالالتفاف يمينًا ويسارًا، ثم نزلق على الأرض وقفز عاليًا.
«أيها الوغد، تتهرب مثل الحشرة!» تحدث الشاب بغضب.
«بررررر بررر بررر!»
يوراي متجنبًا الهجمات التي لا متناهية، في لحظة خفت الهجمات، اندفع بسرعة خاطفة، وقف أمام الشاب.
خرجت دماء من فم صاحب السوط، بينما عيناه بدأت تفقد بريقهما.
حل صمت في نصف المدرج الذي كان قربه يوراي والشاب، لأن أمام أعينهم كانت هناك عظمة تخرج من ظهر الشاب تتلوى مثل الأفعى.
«ما هذا؟ شيء!»
رمق الشاب يوراي، بينما دمعة دموية تنزل من عينيه.
أرجع يوراي يده، فتراجعت العظمة وخرجت من صدر الشاب، الذي سقط أرضًا بلا حراك.
تراجعت العظمة شيئًا فشيئًا إلى داخل أكمام يوراي.
شهق العديد من المشاهدين، عيونهم كادت أن تخرج. بعد صمت، ارتفعت كلمة في المدرجات:
«إنه ممسوس!»
«ممسوس! ممسوس! إنه ممسوس!»
تكررت هذه الكلمة على أفواه العديد من الأشخاص.
«ما ذلك الشيء الذي خرج من يده؟ هل هي أفعى أم عظمة؟» سأل أحدهم
تعالت صيحات حتى الأشخاص الذين كانوا يركزون على المواجهات الأخرى، نظروا بفضول نحو يوراي.
تمتم ليلار داخليًا: «تلك العظمة…»
في المنصة الشرفية، دهشة وصدمة تعالت على وجوه البعض، ليس لأن أحدهم مات، لكن من تلك العظمة التي خرجت من يد يوراي.
لكن لا أحد تعرف عليها سوى ليلار الذي كان جالسًا وحده، ودورانا التي كانت تعرف حتى أكثر من ملك مملكة راندور.
ظهرت كلمتان في عقول الاثنين معًا: «جرثومة العظام».
بتلعت دورانا ريقها دون جذب الأنظار، وهي تفكر: «لقد اختفت منذ زمن، كيف لجرثومة أسطورية أن تظهر في مكان كهذا؟ ظهورها يعني شيء واحد…»
«بداية الكوارث.» قال ليلار بصوت خافت.
نهاية الفصل.
أسطورة تظهر!!