اندهش يوسافير ويوراي، وخفق قلبيهما بسرعة، لقد كانا يعرفان هذه الفتاة جيداً.
بشعرها الأسود المجعّد وعينين عسليتين ونقطة سوداء وسط جبهتها، جلدها كان مائلاً للأحمر، وبملابس رمادية منكمشة وفضفاضة لا تظهر أي جزء من جسمها سوى أيديها ووجهها.
لم يحمل وجهها أي ملامح بينما ايديها مقيدة
كانت الفتاة تتمشى بين الخمسة الآخرين ورأسها مرفوع للسماء تنظر إلى السماء الزرقاء وبعض الطيور وكأنها تفكر في شيء ما.
نظر يوسافير بعينيه السوداوين نحو الفتاة بتمعّن، بدأ يرتعد، ونظرة شرسة ظهرت على وجهه.
«لا تتهور، انتظر قليلاً لنعرف ما يجري.» تدخل يوراي.
ما جعل يوسافير يشتعل غضباً هو رؤية سلاسل في يدي الفتاة، بينما وجهها وكأن البريق قد اختفى منه.
ضغط يوسافير على يديه، بينما شعر شخص جالس بجانبه بقشعريرة أسفل ظهره، فحدّق في يوسافير ثم ابتعد قليلاً.
ليلار الجالس في مكانه ينظر إلى الأحداث في الساحة، فجأة شعر بشيء ما ووقف.
«ما هذا؟» بدأ يلتفت يميناً وشمالاً لكن لم يلاحظ شيئاً.
في ساحة خلف الأشخاص الستة دخلت عربة مملوءة بالأسلحة: سيوف، مطارق، خناجر، رماح… يجرّها جنديان. جميع الأسلحة التي يمكن استخدامها كانت فوق العربة.
بعد أن دخلت العربة أغلقت جميع الأبواب إلا باباً واحداً.
قال الناطق: «هذه الأسلحة يمكن أن تختاروا منها أي سلاح تريدونه، لكن عليكم الاختيار جيداً، فهذه الأسلحة هي من ستنقذ حياتكم وتحدد مصيركم، لأن مصيركم بين أيديكم.»
في المدرجات كان هناك شخص برداء أسود قرب أحد الجدران، ذلك الجدار عليه ثقب صغير جداً. اقترب ذو الرداء الأسود منه بفمه وقال:
«تجهزوا جيداً، لا نريد أي أخطاء.»
أعلى المنصة الشرفية التي كانت مغطاة بعدة أقمشة حريرية من الجوانب والسقف، وقف رجل برداء أسود وهو يتمتم:
«حسناً.»
في الجهة اليمنى من المنصة كان هناك أيضاً رجل قرب الجدار، وما خرج من فم الشخص الآخر خرج من فمه:
«حسناً.»
وفي الجهة اليسرى أيضاً، والجهة المقابلة للمنصة أيضاً. في مختلف المدرج كان العديد من الأشخاص ذوي الملابس السوداء قرب الجدران، وكل جدار يحمل ثقباً صغيراً عليه.
بالرجوع إلى الساحة، بعد أن تم فتح أصفاد الستة.
صليل صليل.
انطلق شاب ذو سبعة عشر عاماً نحو العربة بخطوات متخترة. كانت ملامح وجهه حادة، وشعره أسود قصير، وملابسه مهترئة ومقطعة من عدة جوانب.
مشى نحو العربة حافي القدمين والتقط فأسين ليسا طويلين ولا قصيرين، ونظر إليهما مطولاً، بعد ذلك ابتسم وقال:
«أظنهما ملائمين لي.»
ثم تبعه الأربعة الآخرون، كان أحدهم يرمق الصبي بنظرة باردة، وكان ذلك الشخص هو الرجل في الذي في الأربعينات من عمره.
عندما اقترب من العربة قال بنبرة مهددة:
«يبدو أنك تريد الموت سريعاً أيها الصبي، لتملك الجرأة في وجود من هو أكبر منك. سأخبرك بشيء: لا داعي لأن تحمل سلاحاً، فموتك أولاً مؤكد.»
نظر الشاب إلى الرجل ذو الوجه الخشن والحواجب الكثيفة وسخر قائلاً:
«وماذا في ذلك؟ هل يجب أن أطلب إذنك أو أنتظر أمرك لحمل السلاح؟ يا له من رأس لا يملك ذرة عقل.»
«ماذا؟!» صرّ الرجل على أسنانه وقال:
«يا له من لسان سليط يحتاج للقطع. كنت سأرحمك قليلاً، لكن الآن سأتأكد من سلخ جلدك أولاً.»
سخر الصبي بينما أحد أصابعه في أنفه:
«حسناً، أنا أنتظرك أيها القبيح ذو الحواجب الكثيفة.»
«حسناً أيها الفتى، انتظر حتى نبدأ.» بينما عينا الرجل لم تفارقا الفتى، حمل مطرقة كبيرة من الحديد.
العجوزان لم يلقيا بالاً، وحملا سيوفاً طويلة، بينما الشاب في منتصف العشرينات حمل سوطاً مملوءاً بالأشواك وتراجع.
-- الرجل الضخم...العجوزان..الشاب الذي يحمل السوط شائك.
في المدرجات كانت هناك معركة أخرى تجري، وهي معركة المراهنات. تعالت الأصوات والصيحات هنا وهناك.
كان الكثير من الناس قد راهنوا على الرجل الضخم، وهناك من راهن على العجوزين، ونسبة قليلة راهنت على الفتى الصغير وأيضاً الفتى في منتصف العشرينات، أما الفتاة فلم يراهن عليها أحد.
في المنصة الشرفية لم يكن هناك اختلاف.
نظر لبران نحو الرجل الضخم وقال:
«لورين، ما رأيك أن نكمل رهاننا السابق؟ لم يكتمل لأنه تم توقيفه.»
رد لورين:
«يا لك من غبي، لقد كان واضحاً أن من راهنت عليه هو من فاز. لماذا تقول هذا الشيء؟»
ابتسم لبران:
«لا، القتال لم يكتمل. كان يجب على أحدهم الاستسلام لكي يُحتسب الرهان.»
«يا لك من وغد ماكر، لكن حسناً، لا مشكلة، لنكمله.»
ميمون الذي كان واقفاً بجانب لورين تغيّر تعبيره وهو ينظر نحو الساحة غير مكترث لما يجري حوله.
«إذاً من تظن سيخرج حياً من الساحة؟» قال لبران.
نظر لورين إلى ميمون، ثم قال:
«ميمون، من برأيك سيخرج حياً من هنا؟»
لم يجب ميمون، لأن عقله كان في عالم آخر.
انتظر لورين من ميمون أن يجيب وهو ينظر نحوه بعينين ضيقتين.
«ميمون!» نادى لورين مرة أخرى بينما لمسه بيده.
استفاق ميمون من حالة تفكيره.
«ما بك شارد الذهن؟» فتح لورين فمه.
«لا… لا شيء.» أجاب ميمون، ثم قال: «هل هناك شيء؟»
أعاد لورين طرح سؤاله:
«من تظن سيخرج حياً بينهم؟»
نظر ميمون إلى الساحة مرة أخرى ثم قال:
«لا أدري، فأنا لا أعرف عنهم شيئاً.»
ضحك لورين بخفة:
«اختر واحداً.»
سخر ميمون داخلياً:
«أنا متأكد أن هذا القتال لن يكتمل.»
نظر إلى لورين وقال:
«سأختار الصبي أصغرهم.»
«حسناً.» قال لورين وهو ينظر إلى لبران.
«هل أنت متأكد من اتباع اختياره؟» قال لبران.
«هل تظن أني أمزح؟» غمز لورين لبران.
فكر لبران قليلاً ثم قال:
«سأختار الشاب ذو الشعر الأشقر.»
كان الشاب صاحب الشعر الأشقر هو من يحمل السوط الطويل المملوء بالأشواك في يده اليمنى.
في الساحة لم تتقدم الفتاة نحو العربة لحمل سلاح، بقيت متسمّرة في مكانها تتأمل السماء بعينيها العسليتين، وهذا ما جعل الناس في حيرة.
بدأ الناس بالصياح. وقف أحدهم وقال بصوت عالٍ:
«ما هذا؟ القتال لم يبدأ بعد وواحدة منهم فقدت أملها! يا لها من مهزلة! موتي فقط أيتها الحقيرة!»
تكلم شخص آخر:
«هل هذه مجرمة حقاً كما تقولون؟ حتى إنها خائفة من حمل سلاح!»
تحدث الناطق:
«لا تستبقوا الأحداث أيها الناس. في هذه الساحة لا يوجد أحد ضعيف، فهم مجرمون تم الإمساك بهم بأشق الأنفس.»
ثم نظر إلى الفتاة وقال بنبرة قوية:
«إن لم تقاتلي فستموتين.»
بعد أن لم تتحدث الفتاة، بدأ بعض الناس بقذفها بكلمات سيئة.
كما ارتفعت أصوات البقية:
«اقتلوها أولاً!»
هو...هو...هو...هو…
لم تفتح الفتاة فمها، كانت هادئة كالبحر الجليدي، لكن في أعماق ذلك البحر كانت هناك أمواج كالجبال لا يمكن تخيلها.
كانت عيناها نائمة وكأنها مطفأة، لكن فيهما شعلة وبريق لا يمكن إطفاؤهما.
نظر الرجلان اللذان جاءا دافعين العربة نحو الفتاة، وعندما رأياها لا تتحرك دفعا العربة وهما بالخروج.
تراجع الناطق إلى المدرج، وأغلقت جميع الأبواب.
رفع الناطق جهازاً مثل المسدس في الهواء بيده وهو ينظر إلى الأشخاص الستة:
«هي إذاً، فلتبدأوا.»
ثم قام بإطلاق شرارة من يده التي ارتفعت في السماء معلنة بدء القتال.
نظر الرجل الضخم إلى الشاب الصغير، ابتسم ابتسامة قبيحة مثل وجهه، وانطلق بمطرقته نحوه.
اقترب الرجل بسرعة رافعاً مطرقته إلى السماء ثم—
«بوم!»
صوت مرتفع ارتفعت معه كومة من الحجارة والغبار، اندفع الشاب جانباً في اللحظة التي سقطت فيها المطرقة المعدنية، حيث أحدثت حفرة صغيرة في المكان الذي كان يقف فيه الفتى.
يداه تمسكان بالفأسين الصغيرين وهو يبتسم في وجه الرجل:
«تعالي أيتها الدبة المسعورة.»
ضحك الرجل الضخم:
«أيها الفأر، لن تهرب طويلاً.»
ثم أدار جسمه بسرعة، وصرير عضلاته سُمِع بوضوح. انطلق كالجبل وعيناه تتقدان من الغضب.
بعد رؤية الرجل قادماً نحوه، تراجع الفتى نحو الجدار الحجري ثم انحرف فجأة، ما جعل مطرقة الرجل تنزل على الحائط.
«بومممممم..»
اهتز جدار الساحة بأكمله، واهتزت معه أنفاس الجمهور في المدرجات، لكن برؤية الفتى يركض جانباً تنفسوا الصعداء.
لقد ظنوا أن الفتى صار «هريسة» بسبب مطرقة الرجل الضخم.
«إنك بطيئة أيتها الدبة المسعورة!» سخر الصبي من الرجل.
«إنه سريع للغاية ذلك الفتى!» قال أحد الأشخاص بين الجمهور.
نظر ليلار نحو الشاب الصغير وظهر بريق في عينيه.
«حشرة! تعال إلى هنا!» اندفع صوت الرجل كالرعد في الساحة.
التفت الشاب الصغير ثم التفت بمؤخرته نحو الرجل وضربها:
«تعالِ تعالِ نحوي أيتها الصخرة الكبيرة!»
برؤية ما يفعله الصبي، انطلقت ضحكات من المدرجات.
«رائع يا فتى! رائع!»
كان الكثير متعاطفين مع الفتى.
«أنا آسف لأني لم أراهن عليك يا فتى!»
«هاهاهاها!»
«هذا جيد يا فتى!»
سماع الضحكات وكلام الناس جعل عروق الرجل الضخم تبرز من عنقه. صرّ على أسنانه:
«سأمزقك إلى أشلاء!»
اندفع نحو الصبي الذي فرّ هارباً.
في هذه الأثناء كان العجوزان في معركة حامية الوطيس، تطايرت شرارات في السماء بسبب ارتطام سيوفهما.
ــ براق"براق"براق"
لكن أغلب الناس لم يهتموا لهذا القتال إلا من راهن على العجوزين.
أما الشاب في منتصف العشرينات فنظر نحو الفتاة، وبيده السوط الشائك وقال:
«هل ستقاتلين أم تموتين؟»
لم ترد الفتاة على كلامه، واكتفت بالصمت.
«لماذا لا تتكلمين؟ هل أنت بكماء؟»
في المدرج نظر يوسافير إلى يوراي:
«هذه هي الفرصة التي كنا ننتظرها.»
ابتسم يوراي:
«هل أنزل وأقاتل من أجلها؟»
«نعم، علينا إشعال الفتيل، والفرصة أتت بين أيدينا. لنستغلها، فقد تكون هناك فرصة.»
«حسناً.» وقف يوراي ونزل ببطء على الدرجات.
عندما وصل إلى حافة المدرج، التفت ونظر إلى يوسافير بابتسامة على وجهه، ثم قفز إلى الساحة.
ما إن وطأت قدماه الأرض حتى انهالت عليه نظرات من كل الجهات.
بعينيه المغمضتين، وجّه وجهه نحو الناطق ورفع يده مشيراً إلى الفتاة التي بدورها بدت مصدومة وهي تنظر إليه.
«هل يمكن أن أقاتل من أجلها؟»
نهاية.
لقد بدأوا أخيراً