36 - إنفجار في وسط المملكة ووداع على جوانب أسوارها

أهلاً بعودتك.

لم يفهم أحد ما جرى أمامهم: الملك، لورين، لبران، دورانا، أتباعها، فرسان المملكة، ولَيلار أيضاً. كان الصمت يطبق على المكان كقبضة حديدية، والوجوه تترنح بين الذهول وعدم التصديق.

لكن أشدّهم دهشة كان شخصاً يشاهد ما يحصل عبر شاشات وسط المدينة، كان رامبر صديق ميمون. يداه كانت ترتجف، وكان قلبه يحاول استيعاب ما يحدث

دخل رامبر في تفكير عميق، ووجهه لم يُخفِ مشاعر الصدمة والحزن في نفس الوقت، ثم تمتم ببعض الكلمات: "إذاً قد قررتَ الرحيل حقًا…" خرج صوته مبحوحًا كأنه لم يجد القوة ليكتمل.

سبب عدم تواجد رامبر في المدرجات هو أن بعض الفرسان كانوا يتجولون بين الناس في المدينة مع جنود الجيش، كحُرّاس للأمن بعد غياب الكثير من الفرسان. وهذا ما جعل رامبر يشاهد فقط من الشاشات.

الساحة

بالعودة إلى الساحة، كان العديد من الأشخاص لم يستوعبوا الأمر. بدت العيون شاردة، تبحث عن تفسير معلّق في الهواء.

أطلق لِيلار ضحكة عالية كانت ضحكته تحمل مزيجاً من الجنون والإثارة سمعه جميع من في الساحة: "يا لكم من مجموعة ممتعة… أظنك أحسنت الاختيار فعلاً."

تغيّر تفكير لِيلار عن ميمون بعد هذا الحادث، بعدما كان قد فقد أمله فيه.

اشتعل الملك غضباً. "ميمون! أيها الوغد! ما الذي تهذي به!"

التفت ميمون نحو الملك وقال بنبرة حادة لكنها هادئة بشكل مستفز: "شكراً على السنين الماضية التي قضيتها في مملكتك.

أما تعويضي عن هذه السنوات التي قضيتها في بلادك… فقد سددتها فعلاً بموافقتي على الذهاب مع ذلك الشخص."

"ما مكنكم من أخذ الجزيرة دون قتال. أرجو أن تسامحوني على كل شيء… لكن حتى لو لم تسامحوني فأنا لا أهتم."

ثم التفت إلى لورين الذي بدت عروق جبهته بارزة. "هل تظن نفسك قادراً على إعطائي الأوامر؟"

كاد لورين أن يقول شيئاً وهو يصرّ على أسنانه، لكن تمت مقاطعته من قبل الملك بصياحه: "أيها الوغد الناكر للجميل! لقد أويناك وفتحنا لك أبوابنا!"

رد ميمون: "سأسألك أيها الملك سؤالاً… وأجبني بصراحة: لو كنتُ ضعيفاً، هل كنتم ستعتنون بي؟"

متدت لحظة صمت ثقيلة، كأنها طعنة وصلت الجميع.

كان الملك صامتاً. ثم أكمل ميمون: "عندما أتيتُ لهذه المملكة كنت صغيراً جداً. كانت لدي مهمة واحدة: البحث عن أدلة حول مخلفات الحرب وتاريخ هذا العالم. لكن للأسف لم أجد شيئاً… سوى أن إرث هذه المملكة شيء قديم جداً. وكنتُ قد سمعت عنه بعد دخولي فرقة الفرسان.

لم أكن متأكداً من أنهم من مخلفات الحرب، لكن كان علينا الحصول عليهم في هذه المناسبة."

اشتد غضب الملك. "لقد خنتنا أيها الحثالة!" وبدأ يمشي ببطء عندما وقفت أمامه دورانا.

صرخ بصوت عالٍ: "ابتعدي!"

لم تستمع دورانا لكلماته، واكتفت بالابتسام.

لكن ميمون تكلم وهو ينظر إلى الملك: "لم أكن في صفك يوماً حتى أخونك. إن أردت أن تلوم أحداً… فَلُمْ من يسيرونكم مثل العبيد."

ابتسمت دورانا مرة أخرى، لكن عينيها كانت لا تزالان على الملك. كانت في هذه اللحظة في أوج سعادتها وهذا بعد أن وجدت ما جائت لأجله.

دخل ليلار في تفكير عميق وهو يشرب من جرته: "كيف لهؤلاء الثلاثة أن يجتمعوا معاً… يبدو أن مصيبة ستحل قريباً." وخلال قوله ذلك، كان يبتسم بشكل غريب يوحي بأنه يستمتع بالأمر.

التفت يوسافير نحو الملك، ونظرة ماكرة على وجهه: "شكراً لك على الاعتناء بأحد أصدقائي… شكري لك هو أنك يمكنك الاعتماد على تلك الراية."

"رفرفة… رفرفة… رفرفة…"

أعلى المدرج علت راية حمراء، وسطها يد ملفوفة بسلسلة رقيقة تمسك بشعلة فوقها شمس. كانت هذه راية يوسافير.

توجهت أنظار الجميع أعلى المدرج

بعد نظر الجميع، أخرج يوراي نبتة صغيرة مدوّرة تشبه زهرة دوار الشمس صغيرة الحجم، وسطها زر أحمر. ضغطه يوراي.

في الساحة الواسعة، التي قتل فيها ميمون الرجلين، كان جميع الناس فاقدين للوعي. وقرب النافورة كان هناك صندوق صغير أسود، مطابق للصندوق الذي تركه يوسافير في البحر .

وكما فعل الصندوق الآخر، بدأ هذا الصندوق بالاهتزاز ثم خرج منه شيء وارتفع في الهواء، تتبعه سحابة دخانية رمادية. وما إن وصل إلى ارتفاع عالٍ… انفجر.

بومممممم!

كان جميع الأشخاص في الساحة عيونهم على الراية، لكن في هذه اللحظة رأوا انفجاراً عظيماً فوق العاصمة، دخان رمادي يتشكل على شكل راية… وهي نفس الراية التي ترفرف فوق المدرج. شهق البعض، وتراجع البعض الآخر خطوة دون شعور بسبب الصدمة.

فتحت عيون الجميع من هول الانفجار: "ممممم… ما هذا؟!"

رون وداروم في ساحة لقد رأو هذا الانفجار من قبل ورأو نفس الراية.

على غفلة من الجميع، أخرج يوراي مرة أخرى زهرة اللوتس، ووضعها أرضاً. انبعث من النبتة غاز بنفسجي اللون انتشر بسرعة في الساحة.

في تلك اللحظة وضع كل من يوسافير ويوراي والخرساء أيديهم على ميمون… واختفى. ومعه اختفى الجميع، وظهر في مكانهم حصى صغيرة.

الغاز البنفسجي الذي انتشر بسرعة لم يلاحظه سوى ليلار ودورانا، اللذين ابتسما، وكذلك اثنان من أتباع دورانا. كانوا الوحيدين الذين أدركوا ما يحدث.

بعد بلوغ الغاز مستوى معين، لاحظه الملك، والتفت نحو يوسافير والآخرين، لكنه لم يرَ شيئاً سوى الغاز البنفسجي.

تغيّرت تعابيره وصاح بصوت عالٍ: "أفيقوا أيها الأوغاد! إنهم يرحلون!"

ارتجف الجميع من شدة صوته، وحوّلوا أنظارهم، لكن لم يروا شيئاً سوى الغاز البنفسجي.

"أين هم؟! أين هم؟!"

خوف…

بدأ الكل يركضون، لكن مع انعدام الرؤية اصطدم الجميع ببعضهم البعض. صرخات، ارتطامات، فوضى كاملة.

شد الملك قبضته حتى بدأ الدم يتسرب منها، وظهرت عروق يده وكذلك عروق وجهه. اشتد غضبه وجنّ جنونه، وبدأ بالركض خارج المدرجات فوراً لملاحقة يوسافير والبقية.

لحقت دورانا بالملك، وأوصت أتباعها بإيقاف كل من أراد المغادرة.

خارج المدينة، اشتبكت دورانا مع الملك مرة أخرى. صوت انفجارات وقع في المدينة، اصطدامات تُسمَع وبيوت تُهدم، كان الأمر أشبه يعرض سينمائي.

في هذه اللحظة فقد الملك عقله، لم يكترث بالبيوت، كنز عائلته الذي توارثوه لأجيال أُخذ منه أمام عينيه… وشخص آخر يعيقه من استرجاعه… لهذا جن جنونه.

انطلق لورين أيضاً، لكن وقف أمامه كريسمور، تابع دورانا.

وضع يده أمام صدره بشكل متقاطع وقال وهو ينظر إلى لورين كانت نظراته باردة كصقيع الليل: "لماذا لا ترحل يا لورين؟ لا أريد إزعاج نفسي وتلطيخ يدي بدمك."

خوف…

كان لورين غاضباً وهو يشدّ يده، بينما قلبه يغلي من الداخل حقداً على ميمون، لأن هذه الرحلة كلفته الكثير.

كان هناك ثلاثة أشخاص في هذه المناسبة فقدوا أشياء ثمينة:

الأول كان الملك، إذ فقد فرداً من عائلته، وأحد أبنائه الذي قرر الرحيل عن المملكة، وأيضاً فارساً متمرساً من فرسانه… ألا وهو ميمون.

الثاني كان لورين، الذي فقد كل من الجزيرة وميمون في نفس الوقت.

خوف…

أما الشخص الثالث… فكان فليكس، الذي كان لا يزال متجمداً في مكانه لحد هذه اللحظة منذ أن نظر إليه يوسافير.

في تلك اللحظة خسر نفسه… وكانت هذه الخسارة أكبر مما خسره الملك ولورين، فخسارة النفس لا يعوضها شيء، كان فليكس في هذه اللحظة وكأن روحه تُسحب منه قطرة قطرة.

خوف…

العرق والدماء خرجت من جسمه، بينما دخان أسود بدأ يخرج من تحت قدميه كخيوط العنكبوت، لكن فجأة ارتخى فليكس للوراء وسقط فاقداً للوعي. ذلك ما جعل الدخان الأسود يتلاشى من تحته. "خو… خ… …."

التفت لورين نحو الشخص الذي أمامه، لم يكن بيده فعل شيء، فأومأ برأسه وقال: "سأرحل."

حتى لِبران كان أمامه أحد أتباع دورانا، ولم يتحرك قَط. لقد كان خائفاً للغاية.

رغم أن الملك كان خائفاً هو أيضاً، إلا أنه لم يكن بيده حيلة، فكل الممالك تُبنى على الإرث… وإن خسرت المملكة إرثها لن تبقى مملكة، ولهذا فقد عقله.

العودة إلى يوسافير والبقية…

كانوا يركضون بسرعة جنوب المدينة.

كان ميمون شاحب الوجه وهو يلهث، ثم تمتم بصوت متقطع: "قد… خارت… قوتي… نقلكم جميعاً ثلاث مرات… هذا استهلك… معظم طاقتي…" كان جسده يتأرجح كأنه سيقع بأي لحظة.

هوف… هوف… هوف…

وبينما هم يركضون، لاحظوا المدينة ممتلئة بالناس النائمين في الطرقات، فاقدين للوعي، حتى الجنود على الأسوار لم ينجُ منهم أحد… إلا قلة قليلة.

"ميمون، هل ذلك الشيء جاهز؟" سأل يوسافير.

رد ميمون بمرارة: "نعم… لا تقلق… فهي خارج المدينة…"

"هوف…"

"هل هي كبيرة؟" سأل يوراي.

"قليلاً…" أجاب ميمون، ثم خرجت ضحكة خفيفة من فمه. كانت ضحكة تعب… وراحة… وشيء من الحنين، هذه الابتسامة كانت على شرفة فمه لسنين.

"ما الذي يضحكك؟" سأل يوراي مستغرباً.

لا تزال البهجة على وجهه، قال ميمون: "ل… لقد اشتقتُ لكم يا رفاق…" كان صوته صادقاً بشكل مؤلم.

كان ميمون في هذه اللحظة متحمساً جداً، فهو لم يرَ يوسافير ويوراي والخرساء لمدة طويلة. لطالما انتظر هذه اللحظة.

هوف… هوف…

رفع يوسافير حاجبيه، وارتفعت شفته للأعلى، وقال: "لا تُخجِلنا أيها الوغد."

أطلقت الخرساء ضحكة، هي وميمون في نفس الوقت.

"لا زلت كما عهدناك… بهذه التعابير الغريبة." قال ميمون.

هوف… هوف…

ثم نظر إلى يوراي وسخر قائلاً: "كيف احتملتَه طوال هذه السنين؟"

ابتسم يوراي، لكنه لم يعلق، وفي نفس الوقت سأل: "أمتعتنا… أين وضعتها؟"

"إنها أمامنا، خلف سور المدينة… لا تقلقوا، إنها مخبأة في مكان ما."

"أين تأخذنا أيها الغبي؟" سأل يوسافير.

"فقط… تابعوني… هناك مخرج لا يعرفه الكثيرون."

وبسرعة كبيرة وصلوا نحو السور الذي يطوق المدينة. تحت السور كان هناك باب صغير مفتوح، لكن أمام ذلك الباب وقف شاب بوجه طفولي.

لم يكن هذا الشخص سوى رامبر… صديق ميمون. كان واقفاً بثبات، لكن عيناه كانتا جمرتين من كثرة التفكير.

تعرف عليه كل من يوسافير ويوراي لأنهما شاهداه من قبل مع ميمون.

توقف الجميع ونظروا نحوه.

حدق رامبر في ميمون وقال بصوت حزين: "إذًا… أنت راحل."

وقف ميمون وهو يلهث والعرق يملأ وجهه، ثم تنهد بحزن، وخرجت كلمات حطت بثقلها على قلب رامبر: "نعم… لابد من الرحيل."

خرج نفس حزين من فم رامبر، ثم قال: "سأشتاق إليك يا صديقي…"

تقدم ميمون قليلاً: "وأنا أيضاً يا رامبر… أنت الوحيد الذي لم أشعر بالوحدة في وجوده… أرجوك، ابتعد عن هذه المملكة."

تقدم الاثنان وعانقا بعضهما، عناقاً بلا كلمات، كان العناق صامتاً لكنه مليء بالانكسار.

تقدم يوسافير نحو الباب المفتوح وهو يحمل الجمجمة في يده اليمنى وخرج منه، تبعه يوراي والخرساء، بينما تخطى ميمون رامبر بحزن.

توقف ميمون بجانب الباب، والتفت: "اعتنِ بنفسك… أتمنى أن نلتقي يوماً ما."

دون أن يستدير، رفع رامبر يده ببطء، يلوّح لذلك الصدى الأخير من الوداع.

"وداعاً…"

أُغلق الباب… واختفى الصوت… ووقف رامبر وحيداً يهمس في نفسه، لكن وحدها الرياح من سمعته.

بعد مغادرة ميمون والبقية، كانت عينا رامبر تحدقان في البعيد، تحدقان في شيء قادم من بعيد.

ثم قال بصوت مبحوح: "اذهب يا صديقي… عش كما تريد… كل ما أستطيع منْحُك إياه هو هذا الوقت القصير… آسف إن لم أستطع رؤيتك مجدداً…"

كان ميمون يركض بعيداً، لكنه لم يكن يتخيل… أن اللقاء القادم مع رامبر لن يكون سهلاً أبداً.

نهاية.

2025/12/02 · 10 مشاهدة · 1604 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026