"نعيق... نعيق..."
أشرقت شمس الصباح على جزيرة سيلان. السماء زرقاء وطيور نورس تصيح بصوت عالٍ.
حمل كل من يوسافير ويوراي أمتعتهما خلف ظهورهما وخرجا من الكوخ الخشبي. فورما خرجا وجدا القرية خالية، لم يكن أحد يمكن رؤيته. عرف كل من يوسافير ويوراي أين أهل القرية.
تقدّم الشابان بخطوات ثابتة وعزم لا يمكن هزه، لقد كانا يعلمان أن الطريق الذي ينتظرهما شاق جدًا، يحتاج أشخاصًا ذوي عزيمة كبيرة للسير فيه. إن خطأ صغيرًا على هذا الطريق قد يكلف الشخص حياته، وهما يعرفان ذلك.
بعد دقائق، سرعان ما وصلا إلى الشاطئ حيث يوجد القارب الصغير. هناك وجدا أكثر من تسعين رجلًا وامرأة باستثناء الأطفال، الذين كان عددهم كبيرًا أيضًا.
وفي جهة أخرى، كان الثائر نيلو هو وجماعته يحدّقان في الشخصين البارزين.
تكلم أحدهم:
ــ هذا هو قائدنا، لقد قمتَ بطردهم من الجزيرة!
ــ كابتن، كيف فعلت ذلك؟ ــ تساءل أحد أتباعه.
نظف نيلو حلقه، ثم قال بابتسامة فخرية:
ــ من تظنني؟ أنا أعظم ثائر على مر العصور! هذه الجزيرة صارت تحت إمرتي، كيف سأترك مجهولين قاما بضرب أتباعي عليها؟ لهذا قمت بطردهما.
تحدث أحد أتباع نيلو:
ــ هذا هو قائدنا، إنه يهتم لأمرنا!
تمطط فم نيلو للجانبين مبتسمًا مع إغماض عينيه. فجأة، شعر بقشعريرة جعلت شعر يده ينتصب. فتح عينيه فوجد يوسافير ينظر إليه. رمق بعينيه للجانبين، فورًا تحوّلت ابتسامته من فخرية إلى ودية مع مسح يدٍ بأخرى.
تذكر نيلو زيارته في الصباح الباكر لدى يوسافير حيث تحدث معه ومع رئيس القرية، حيث تقرر بالفعل أنه سيحمي الجزيرة لمدة ستة أشهر، وبعد ذلك يأخذ حريته.
لكن في الحقيقة، كان يوسافير لم يهتم إن مكث نيلو في الجزيرة ليحميها أو رحل، لأن الغرض من تهديده هو عدم العبث مع هذه الجزيرة. لقد قام بتخويفه، حتى وإن بقي، سيكون ذلك جيدًا لأهل القرية، هكذا كان يظن، لأنه أمره بمساعدة أهل القرية وليس فقط حمايتها.
تعالت أصوات من الجهة المقابلة حيث كان أهالي الجزيرة حاضرين لتوديع الاثنين.
اقتربوا جميعًا منهم:
ــ يوسافير! يوراي! أخي يوراي، أخي يوسافير، سنفتقدكم، سنشتاق لكم. ستتركون الجزيرة خالية. سنشتاق لتلك التعابير يا يوسافير...
ــ أح، أح، أح...
رفع رئيس القرية يده، صمت الجميع.
ــ بني يوسافير، بني يوراي، اعتنوا بأنفسكم جيدًا. أعرف أنكم أشخاص أقوياء، لستم مثلنا نحن الأشخاص العاديين، لكن هذا العالم قاسٍ جدًا، عليكم توخي الحذر. هناك رسالة أخيرة طلب مني جدّك أن أوصلها لك عندما يأتي وقت رحيلك.
أظهر يوسافير لمحة فضول، ثم قال:
ــ ما هي الرسالة؟
أجاب العجوز:
ــ عليك الذهاب لمملكة أوسان والتي عاصمتها حجر، العاصمة التي تقع في أقصى الجنوب الغربي لهذه القارة. عندما تصل، ابحث عن غوزا لاردور، سيخبرك ببعض الأشياء عن تفاصيل هذا العالم.
فكر يوسافير قليلًا ثم أومأ برأسه:
ــ حسنًا، شكرًا لك أيها الجد.
توجّه كل من يوسافير ويوراي نحو امرأة في أواخر الثلاثينات ترتدي أقمشة فضفاضة بقبعة بنفسجية عليها ريشة سوداء. كانت جميلة بعض الشيء. ثم انحنيا:
ــ شكرًا لك أيتها المربية كاثرين.
ابتسمت كاثرين ونزلت دموع من عينيها البنية، ثم قامت بضم الاثنين نحوها واجهشت بالبكاء، ودموع تنزل قطرات على خدّها الأحمر.
شعر يوسافير ويوراي بالحزن، خصوصًا يوسافير، فهي من ربته منذ عامه الثاني، كان مثل ابنها.
ــ سأشتاق لكم... يوسافير... يوراي...
خرجت كلمات متقطعة من فمها.
وضع رجل في الأربعينات يده على كتف المرأة، يبدو أنه زوجها:
ــ كاثرين، الصبيان عليهما الذهاب.
"هيق... هيق..."
خفضت كاثرين يدها بعد سماع كلام زوجها، وكذلك عندما أمسكها صبي صغير من رجلها، بدا مشابهًا لها.
ــ اعتنوا بأنفسكم جيدًا. ــ قالت بهدوء.
أومأ الاثنان برأسهما، ثم قاما بوضع أمتعتهما في القارب.
احتوى القارب في الأصل على شبكة صيد وصنارتين وصندوقين أسودين صغيرين متشابهي الشكل.
دفعا القارب نحو البحر، ثم ركبا.
في تلك اللحظة سمعا العجوز يتكلم:
ــ يوسافير، هذا العجوز لم يبقَ له الكثير ليعيشه، أرجو أن تريني العالم الذي أخبرتني عنه منذ سنوات...
رفع يوسافير إبهامه:
ــ لا تقلق، ستراه بالتأكيد.
ــ مهما وقع لكم، لا تيأسوا، وعلموا أن مع اليأس هناك فرج.
عندما ذكر العجوز كلمة "اليأس"، شعر يوسافير بشعور غريب، لكن ذلك الشعور سرعان ما ختفى.
أومأ الاثنان برأسيهما وحملا المجادف وبدآ الإبحار.
انطلق القارب الصغير من الجزيرة، على متنه اثنان، شابان، مراهقان، يجهلان عن العالم الكثير. هذان الشابان اللذان لا يعرف عنهما أحد اليوم، يومًا ما سيجعلان هذا العالم يرتعد في حضورهما.
راقب يوسافير ويوراي الجزيرة التي تبتعد شيئًا فشيئًا، ومع كل متر يبتعدان فيه، تتهاطل عليهما المشاعر والذكريات من كل الجهات التي قضياها هناك.
ــ يوسافير أيها الأحمق.
ــ يوسافير! تعالى إلى هنا!
ــ يوراي، أيها النحيف الغبي!
ــ يوسافير، أين أنت؟
ــ يوسافير، ما بال هذا الوجه؟ هاهاها، يا لك من صعلوك!
ــ يوسافير! يوراي! تعال ساعدني!
ــ البحر خطير عليكما أيها الشقيان!
يوسافير... يوراي... يوسافير... يوراي...
بدأ يوسافير مركزًا في الجزيرة، ثم أدار ظهره وقال في ذهنه:
انتهى وقت الرخاء، وحان وقت العمل.
ابتعد القارب شيئًا فشيئًا عن الجزيرة، ومع تجديفهما المتواصل، اختفيا عن أنظار الجزيرة.
ــ سنفتقدهما كثيرًا يا أمي... ــ تحدث صبي ممسك برجل المرأة.
انحنت المرأة وهي تضع يدها على شعر الصبي:
ــ سيعودون يومًا ما... لا تقلق.
ــــ
ــ يوسافير، لقد نسيت إخبارك، ألم تشعر بشيء خاص مع ذلك الثائر؟
ــ نعم، لقد شعرت إنه ممسوس.
ــ لكن لأمر عجيب... لماذا لم يستخدم جرثومته؟ ــ تساءل يوراي فجأة.
وكذلك يوسافير، ظهرت لمحة مفاجأة على وجهه عندما أدرك شيئًا ما.
ــ ماذا قلت لك عندما كنا متجهين نحوهم لاستقبالهم؟
ــ لقد أخبرتني أنك ستضربهم ضربًا مبرحًا، حتى أمهم لن تتعرف عليهم، لكي لا يعودوا مرة أخرى، لكن تغيّر موقفك عندما وصلنا. لم أفهم شيئًا، حتى أني نسيت إخبارك بأنه ممسوس.
بعد صمت دام للحظات:
هاهاهاهاها
انفجر يوسافير ضاحكًا:
ــ لقد خدعنا حقًا، لقد قام بتغيير طريقة تفكيري.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه يوراي:
ــ الوغد... قدرته رائعة.
بالعودة إلى الجزيرة، وقف نيلو على متن سفينته:
ــ علينا المغادرة بسرعة، سيكتشفان الأمر في أي وقت، فقدرتي محدودة بالمسافة.
ــ هيّا، أبحروا. بما أن أولئك الأوغاد ذهبوا غربًا، فلنتجه شرقًا. ــ قالها في ذهنه.
ــ هيّا، أبحروا نحو الشرق، لم يبقَ الكثير، هيا لنجعل بعض الأشخاص يكرهونني.
ــ كابتن، لقد أخبرتنا أننا سنمكث لعدة أشهر، لماذا غيرت رأيك؟
ــ ماذا؟ هل تشكك في قراراتي؟!
ــ لا يا كابتن! سأذهب معك إلى أي مكان! حتى لو ذهبت إلى الجحيم، سنذهب معك إليه!
فكر نيلو في نفسه:
ــ أيها الأوغاد... يومًا ما ستكونون سببًا لهلاكي... بسبكم كدت أن أموت.
لولا جرثومتي، ولو أني لم أغير طريقة تفكيره في الوقت المناسب، لكنا هلكنا جميعًا، ولو كان ذلك الوغد في القطع الثالث أو حتى الثاني للوريد، بنسبة كبيرة قدرتي لم تكن لتنفع ضده. يبدو أنه لا يزال في القطع الأول.
قدرته غريبة جدًا، تلك السلسلة وتلك العيون... أشعرتني بموقف مخيف. لقد خرجت سالمًا هذه المرة. لن يمر الكثير حتى أصل للمستوى الثاني من الجرثومة، عندها إن التقيت به مرة أخرى وكان لا يزال في القطع الأول... سأمزقه!
ضحك نيلو بصوت عالٍ:
ــ لا أحد يقدر على العظيم نيلو!
ــ إنهم يغادرون يا زعيم القرية.
رد العجوز:
ــ من الأفضل لهم أن يغادروا ولا يزعجونا، بما أنهم يرحلون فلا بد أنهم لن يرجعوا لهذه الجزيرة، وأظنها كانت خطة يوسافير.
وسط البحر، وبعد الإبحار لمدة ساعة، أمسك يوسافير أحد الصندوقين الأسودين وقام بوضعه على الماء، ثم أكملوا الإبحار.
أما عن وضعه على سطح البحر، فإن يوسافير ويوراي هما الوحيدان اللذان يعرفان سبب ذلك.
في هذه اللحظة كانا قد غيرا ملابسها.
انطلقت السفينة في البحر، يلطمها الموج على الجانبين. بعد ساعة أخرى صادف يوسافير ويوراي سفينة حربية كبيرة جدًا. فوق السفينة علم يرفرف في السماء، كان العلم أسود اللون، وسطه نجمة خماسية مقلوبة بلون أحمر، وعلامتا لا نهائية بجانبي النجمة.
ــ كانت هذه السفينة مليئة بالجنود.
أطل عليهما العديد من الجنود من فوق السفينة، وبعد المراقبة لفترة، أشار جندي بينهم بيده ورفع صوته:
ــ توقفوا! من أين أنتم؟ وماذا تفعلون هنا؟
نظر يوسافير إلى الجندي:
ــ ماذا؟ ألا نستطيع الإبحار ونصطاد بعض السمك؟
نظر الجندي إلى القارب الصغير فلم يرَ إلا بعض السمك وصنارتين وشبكة صيد السمك.
قال الجندي:
ــ هل لديكم تصريح للاصطياد في هذا المكان؟
ــ وهل نحتاج إلى تصريح لصيد بعض السمك؟ ــ رد يوسافير
نظر الجندي إليهما للحظة ثم قال:
ــ ما اسماكما؟
تحول وجه يوسافير إلى تعبير غريب وقال:
ــ أنا يوسافير، وهذا يوراي.
تبادل الجنود نظرات بسبب تعبير يوسافير.
ابتسم يوراي لكنه لم يقل شيئًا.
نظر الجندي نحو التعبير الغريب الذي بدا على وجه يوسافير:
ــ ما بال هذا الأحمق؟
ثم قال بصوت عالٍ:
ــ انتظر!
ثم استدار الجندي الذي تحدث ومشى بخطوات متسارعة فوق الأرضية الخشبية، مع كل خطوة يسمع صوت ارتطام حذائه الأسود بالأرضية.
كانت هذه السفينة الحربية ذات أشرعة سوداء تمامًا، مع كثرة الحبال الملتوية على جانبي السفينة، عدة فجوات تشبه نوافذ صغيرة يطل كل مدفع منها. على ظهر السفينة توجد غرفة، وعلى الأرضية هناك درج ينزل للمستوى الأول من السفينة.
دخل الجندي إلى الغرفة التي كانت تحتوي على طاولة خشبية وكرسي، وعلى الطاولة العديد من الكتب والأوراق. على كل جانب من الطاولة توجد شمعة بيضاء طويلة بشكل مربع، تضيئان كل ما في الطاولة.
تجاهل الجندي الطاولة وذهب باتجاه خزانة مملوءة بالكتب الموضوعة بشكل منتظم بأحجام متفاوتة، وأيضًا هناك عدة وثائق. اختار الجندي كتابًا متوسط الحجم من الخزانة وبدأ يتفحصه. قلب صفحاته صفحة صفحة. كانت كل ورقة يحتويها الكتاب تضم ثلاث صور لأشخاص مع معلوماتهم الشخصية.
بعد دقائق خرج من الغرفة.
توجه الجندي نحو مقدمة السفينة، فورما وصل ارتفع صوته مرة أخرى:
ــ هاي، أنتما! يمكنكما الذهاب، لكن إن صادفناكما ثانية في هذا الجزء من البحر بدون رخصة صيد، لا تلوموا سوى أنفسكما!
ابتسم يوسافير وحرك رأسه للجانب:
ــ إذًا، هل نذهب الآن؟
لوّح الجندي بيده:
ــ يمكنكما الذهاب.
التقط كل من يوسافير ويوراي المجاديف وانطلقا مرة أخرى.
أعلى السفينة، على عش الغراب، وقف شخصان ينظران إلى القارب الصغير الذي كان يبتعد عن السفينة.
نهاية.