وقف شخصان على عشِّ الغراب يحدِّقان في القارب الصغير وهو يبتعد شيئًا فشيئًا. تحدث أحدهما: ـ ما رأيك فيهما، رون؟
رون أحس بوخزة فضول غريبة. لم يعلم لماذا، لكن الصمت الغير الطبيعي لذلك الصبي جعله يشعر بأن شيئًا ما مختبئ خلف هدوئه.
بعد صمت دام للحظة أجاب ذو الشعر البني الداكن بعد أن وضع يده على دقنه وقال: ـ لقد أثار اهتمامي ذو العينين المغلقتين، صاحب الشعر الأبيض.
ــ ولآخر، سأل الشخص الذي بجانبه مرة أخرى.
ــ رد رون ذو الوجه الغريب: بدا عاديًا بالنسبة لي؛ ليس هناك شيء يثير فضولي سوى وجهه الغريب. وأنتَ داروم؟
حرك داروم رأسه للجانب ثم قال: ـ أنا أيضًا شعرت بشيء غير صحيح مع ذو العينين المغلقتين. أكثر ما جذبني هو صمته.
ـ إذًا هل نتعقبهما؟
أجاب رون وهو يحمل كتابًا صغيرًا في يده يشبه الكتاب الذي أخذه الجندي من رف الكتب:
ـ لم يفعلوا شيئًا يستدعي تعقبهم. أسماؤهم وصورهم غير مسجلة في سجلاتنا، لكن لا ضير من تعقبهم ريثما يصلون نحو الشاطئ.
قال داروم: ـ أرسل ورائهم جنديين وأخبرهم ألا يتهاونوا.
ـ حسنًا، أجاب داروم، ثم بدأ بالنزول من عشِّ الغراب.
رون ملازم من الجيش، الرتبة الثالثة بعد الجندي المتمرس، في أواخر العشرينات، ذو شعر بني داكن، مع قبعة رمادية مرسوم عليها نفس الراية التي على العلم الذي يرفرف بجانبه.
ارتدى رون ملابس رمادية داكنة مختلفة عن لون الزي الذي يرتديه الجنود الرمادي الباهت، زينت الراية نفسها التي في قبعته. على صدره، على كتفه الأيسر برزت نجمة ذهبية.
داروم نائب الملازم جندي متمرس في بداية العشرينات من عمره، ذو شعر أشقر، حاجبان حادتان وعيون زرقاوتان.
لم يكن زيه مختلفًا عن زي الجنود الآخرين، لكن كان هناك شريط أصفر ملفوف على يده اليسرى يميِّزه عن غيره.
من السفينة الحربية خرج قارب صغير، لكنه أكبر من القارب الذي أبحر به يوسافير ويوراي، وعلى متنه جنديان.
انطلقا بسرعة مطاردين الصبيان مع إبقاء مسافة بينهم لكي لا يتم ملاحظتهم.
أكمل يوسافير ويوراي إبحارهما غير منزعجين رغم شعورهما بالمطاردة.
بعد ساعتين من الإبحار في المياه الممتدّة، ظهرت اليابسة في الأفق كخيط متمايل، ومع اقترابهما لمحت الأشجار الطويلة تتمايل يمينًا وشمالًا بقوة الرياح، كأنها ترحب بهما.
اقتربا من شاطئ، لكن أمامهما ظهرت عدة صخور حادة، وكان صوت ارتطام الأمواج بها يمكن سماعه من مسافة بعيدة.
ـ يوراي، جدف لا جانب!
ـ أمال يوراي المجدفة متتبعًا ما يفعله يوسافير، بدأ القارب يميل إلى الجانب الأيمن.
ـ علينا توجيه القارب نحو الفجوة بين الصخور.
كانت عينا يوسافير تحدقان في فجوة مباشرة أمامهم.
تقدَّم القارب بين الصخور.
ارتفعت الأمواج حيث كان الإبحار بهذا القارب الصغير في هذا المكان يعد انتحارًا.
"هاهاها..."
كان قلب يوسافير ينبض بسرعة، وهو يضحك بصوت عالي شعر بالحماس عندما أحس أن الأمواج تحاول قلب القارب.
أما يوراي فكانت يده نحيفة ترتجف قليلًا، ليس خوفًا بل من شدة التركيز.
تطاير الماء في الهواء بقوة اصطدامه بالصخور الحادة، مبللاً ملابس الاثنين، لكن سرعان ما تجاوزا هذه الصخور.
لم تكن شيئًا بالنسبة لهما، لكن أشخاصًا عاديين سيجدون الأمر شاقًا للخروج من هذا المكان إن لم يتحطم قاربهم.
وصلا مباشرة إلى شاطئ مكوّن من مجموعة كبيرة من الحصى الملساء.
نزلا من القارب وسحباه قليلًا قرب اليابسة. انحنى يوسافير ليقطف كيسين من جلد الحيوانات عازلين للماء كانا مربوطين تحت القارب. ألقى بواحد نحو يوراي وترك له الآخر.
ــ ثم غيروا ملابسهما التي تبدو مثل ملابس الصيادين.
لقد خططَا للأمر جيدًا لكي يظهروا أنهم مجرد صيادين؛ قاما بإخفاء الكيسين لتجنب أي شيء لاحقًا. وغيرا ملابسهما وبعد مصادفتهما لسفينة حربية كان قرارهما صحيحًا.
في تلك اللحظة رأَيا القارب يقترب، لكن من الجهة الأخرى لمكان تواجد الصخور، وكأن الجنديين يعرفان المكان جيدًا.
توجهت أنظار الجنديين ورأوا الحزمتين على ظهر الشابين، لكن الأوان قد فات؛ اختفى يوسافير ويوراي خلف الأشجار العملاقة بسرعة.
تطايرت قطرات الماء من شعر كلٍّ منهما وهم يركضون بسرعة، زادت المسافة بينهم وبين الشاطئ.
كان الهواء باردًا بين الأشجار، ومع كل خطوة كان الاثنان يسمعان تحطم الأغصان تحت أقدامهما.
تصرف الجنود بسرعة بعد وصولهم إلى اليابسة، تتبع أحدهم خطواتهما في الغابة.
وعاد الآخر إلى البحر، متجهًا إلى السفينة الحربية.
في تلك اللحظة:
وعلى بعد ساعة ونصف من الجزيرة... وعلى بعد ساعة من السفينة الحربية وسط البحر، أبحر صندوق أسود صغير لوحده.
كان ساكنًا ترتطمه الأمواج منذ أن وضعه يوسافير، لكن الآن بدأ الصندوق يهتز؛ بدأ الاهتزاز ضعيفًا، لكن سرعان ما ازدادت حدة اهتزازه، كأن شخصًا يهزه بيده.
فجأة فتح الصندوق بسرعة، خرج شيء منه نَطلق محلقًا في الهواء، مع انطلاقه تبعته سحابة دخان رمادي اللون حلَّق عاليًا دون توقف، ومع وصوله لارتفاع محدد وقع انفجار هائل في السماء.
ـــــ
قبل عشرة أيام من موعد مغادرة يوسافير ويوراي الجزيرة، وقف الصبيان بجانب طاولة داخل الكوخ الخشبي، وأمامهم كانت رسمة لراية حمراء، في وسطها توجد يد ملفوفة بسلسلة تقبض مشعلًا، لكن ذلك المشعل فوقه ليس نارًا بل شمس متوهجة.
ـ هل هذه هي رايتنا، يوسافير؟ قال يوراي.
ابتسم يوسافير: ـ هذه الراية هي شعارنا من الآن فصاعدًا.
أومأ يوراي: ـ تبدو جيدة. من الآن فصاعدًا سنصبح مطلوبين لدى كنيسة اتحاد الأمم.
حمل يوسافير رسمة الراية في الهواء وبدأ يدقّق فيها، ثم قال: ـ ومن يهتم بكنيسة اتحاد الأمم أو أي كان اسمها؟
أطلق يوراي ابتسامة عريضة ثم لم يقل شيئًا.
بعد أن دقّق فيها قليلاً قام يوسافير بطي الرسمة: ـ سأذهب بها لدى الخياطة ماري لتصنع لنا نسخًا كثيرة منها نضعها في ملابسنا ومنها راية لسفينتنا المستقبلية.
ـــــ
ــ الوقت الحالي
اندلع انفجار هائل يمكن رؤية الانفجار من على بعد 20 كيلومترًا في عرض البحر. أعلى الانفجار تشكلت راية من الدخان المتصاعد، هي نفس الراية التي كان يحمل رسمتها يوسافير.
رفع كل من في جزيرة سيلان رؤوسهم في السماء محدقين بعيدًا بعد سماع قوة الانفجار. ارتسمت ابتسامة على وجه العجوز في القرية وفي يده الراية نفسها، على عكس الآخرين الذين لم يعرفوا ما يجري.
باستثناء امرأة في أواخر الخمسينات، حيث كانت تعرف تلك الراية جيدًا؛ وكيف لا تعرفها وهي من أمضت تسعة أيام في خياطة نفس الراية؟ كانت المرأة هي الخياطة ماري.
رتفعت مشاعر قديمة داخل قلب المرأة التي بدأت تجاعيد تحفر في جلدها ببطء.
ــ أيتها الخالة ماري تقطعت سترتي...
ــ أيتها الخالة ماري تقطع سروالي...
ــ أيتها الخالة ماري تمزق حذائي...
ــ أيتها الخالة ماري...
ــ أيتها الخالة ماري...
ــ أيتها الخالة مار...
وكأن يوسافير غادر منذ مدة طويلة نزلت دمعة من عيني المرأة الزهريتين.
في الجهة المقابلة رأى جميع الجنود، بما في ذلك الشخصان على عشِّ الغراب، ذلك الانفجار. رأوا جميعًا الراية المتشكلة من الدخان رغم بعد المسافة بينهم وبين الانفجار.
تعالت تعابير دهشة وصدمة على الجميع:
كان الجميع صامتًا لفترة من الوقت يحدقون بعيون واسعة فُحأت.
ـ ما ذلك الشيء؟ ما الذي يحدث؟ ـ انظروا إلى تلك الراية... هل رأى أحدكم تلك الراية من قبل؟
تناقش جميع الجنود فيما بينهم، والفضول والدهشة على وجوههم، وتسأل البعض عما سيفعلون، لكن جميع الجنود نظروا أعلى السفينة منتظرين كلمة من قائدهم.
حدق رون وداروم أعلى السفينة في ذلك الانفجار، وبعد مدّة قصيرة من الصمت، بعد أن تجولت نفس الأسئلة التي كانت لدى الجنود في رأسهم، أصدر رون أمره: ـ توجهوا إلى هناك في الحال!
بعد أن كانت السفينة الحربية تتجه شمالًا، ثم توجيهها نحو الانفجار.
في تلك اللحظة كان الجندي الذي يتعقب يوسافير ويوراي يتراجع إلى الشاطئ بعد أن فقد أثرهما.
ـــ
بالعودة إلى الاثنين.
سأل يوراي: ـ هل سيكون الانفجار كبيرًا بما فيه الكفاية؟
أجاب يوسافير: ـ لا أعرف. لكن يجب أن نثق في اختراع ذلك الشخص... إنه مجنون. أتساءل ماذا يفعل الآن.
"هايهيهيه"
ضحك يوراي: ـ ربما في خضم إجراء تجربة مجنونة مثله.
ثم أكمل: ـ لكن كيف سيتم تشكيل راية؟
ـ لقد أخبرني: عندما تصبح الراية جاهزة، فقط قم بتمريرها مع الآلة التي في الصندوق الصغير.
ـ اختراعات ذلك المجنون كلها غريبة. قال يوسافير وهو يركض.
ـ كغرابة ملامح وجهك، أطلق يوراي ابتسامة خفيفة.
بعد ساعة تقريبًا وصلت السفينة الحربية إلى مكان الانفجار. ظهر صندوق أسود يخرج منه عمود، على قمة العمود توجد الراية الحمراء، تتوسطها يد بشكل عمودي ملفوفة حولها سلسلة رقيقة تمسك بمشعل، أعلاه شمس متوهجة.
نزلق رون مع الحبل القنب المكثف حتى وضع قدمه على سطح السفينة الخشبي، ووراءه تبعه نائبه داروم.
وقف رون وداروم يحدقان في الراية أعلى الصندوق.
بينما الجنود صامتون يحدِّقون في الراية، أشار رون بيده نحو أحد الجنود: ـ أنت هناك! انزل والتقط ذلك الشيء.
ـ حاضر أيها الملازم.
انحنى الجندي ثم بدأ بنزع ملابسه الرئيسة؛ خلع كل شيء، تبقى فقط نصف سروال أصفر عليه بعض الزهور.
مما جعل العديد من الجنود يضحكون خفية.
حمر وجه الجندي حتى تحول وجهه مثل الطماطم، وهو يلاحظ الجنود الآخرين يضحكون عليه، ثم قفز إلى البحر.
وُضع الصندوق على سطح السفينة، وتشكلت دائرة حوله من الجنود، والكل مشغوف بالفضول عن ماهية الانفجار؟ وما هي هذه الراية؟ ومن سبب الانفجار؟ ولمن هذه الراية؟
كانت هذه التساؤلات أفكارًا متناغمة في عقول الجميع على سطح السفينة.
الكل يريد المعرفة لكن لا أحد له الجواب. بعد صمت ساد لمدة قصيرة كسره رون بكلامه: ـ ابحثوا عن هذه الراية في سجلاتنا.
فورًا توجه ثلاثة جنود إلى الغرفة الوحيدة في السفينة التي كانت تضم عدة كتب وأوراق وسجلات.
أمسك الجنود الثلاثة بثلاثة كتب متشابهة وبدأوا بتقليب الصفحات واحدة بعد أخرى، لكن لم يسفر بحثهم عن شيء. عادوا نحو الملازم الذي كان يحمل الراية التي نزعها من الصندوق.
ـ أيها الملازم، لم نجد في سجلاتنا راية تشبه هذه الراية.
فكر رون قليلًا: ـ يبدو أن هذه الراية جديدة... لكن لمن تعود؟
قاطع داروم تفكير الملازم حين قال رون: ـ ما رأيك في الصبيان اللذين التقينا بهما؟ بنسبة كبيرة هم وراء هذا الانفجار، وأنت تعلم أننا هنا منذ ثلاثة أيام ولم نصادف أحدًا في هذا البحر غيرهم.
نظر رون نحو السماء ثم فكر داخليًا: ـ أحدهم يريد لفت الانتباه بهذه الطريقة... مثيرٌ للاهتمام.
ضم رون يده على شكل قبضة، سُمع احتكاك الحديد من شدة القبضة، كأنه يمسك بقطعتين من الحديد.
فتحت أعين الجميع بينما البعض الآخر اندهش بعد سماع احتكاك الحديد.
"في الحقيقة لم يكن يوسافير ولا يوراي يريدان إبراز أنفسهما بمثل هذا الموقف؛ بل هذا الانفجار لم يكن سوى وداعية لسكان جزيرة سيلان.
كان يوسافير يريد وضع الصندوق فوق قمة الجبل على الجزيرة، لكن لم يكن ليخاطر بانفجار كبير على الجزيرة.
ماذا لو لم يصعد الصندوق إلى السماء؟ ماذا لو انفجر مع الجبل؟ لهذا أراد الابتعاد بأكبر مسافة ممكنة."
ـ رون، ماذا سنفعل الآن؟ تساءل داروم وهو يحدق بالراية في يده.
أجاب رون: ـ ليس هناك ما نفعله؛ سنكمل المهمة التي أتينا من أجلها وهي القبض على ذلك ثائر.
ـ وماذا عن هذه الراية؟ هل ننسى أمرها؟
ـ طبعًا لا. سنقوم بإرسالها نحو المقر الرئيسي، ونحكي ما جرى ونترك القرار لهم. نحن هدفنا ذلك ثائر، الملقب بشيطان البشر.
ـ معك حق، لا يجب أن نتخلى عن مهمتنا. يجب القبض على ذلك ثائر بأي ثمن؛ هذا الوغد يسبب المشاكل أينما ذهب!
رد رون: ـ لا عجب في ذلك، لأن كل من وُلد في تلك السنة الملعونة يعتبر شيطانًا. علينا نحن حُرّاس هذا العالم أن نبيدهم. هل سمعت يومًا أنهم يلقبون بـ"أبناء الشيطان"؟
سنة ملعونة؟؟ أبناء الشيطان؟؟ سأل داروم بدهشة تعلو وجهه: ـ ولماذا؟
أجاب رون: ـ أنت لا تعرف ما جرى في تلك السنة لأنك كنت صغيرًا. في تلك السنة حلت عدة كوارث على هذا العالم، ومن بينها وقعت العديد من زلازل وفيضانات وانفجار عدة براكين كانت خامدة لسنوات طويلة. مات جراء تلك الحوادث ملايين الأشخاص حول العالم.
ـ وفي نفس السنة انتشرت عدة أمراض قاتلة، لكن ما يزيد تلك السنة رعبًا أنه اختفت الشمس لشهر كامل؛ لم نرَ نورها.
بدل الشمس في السماء ظهرت عينان لمدة يوم كامل. تلك العينان كانتا مرعبتين للغاية؛ فقط نظر فيهما تشعر بدماء تتجمد داخلك.
تلك سنة لم تكن مرتبطة من شهر واحد إلى شهر اثنا عشر بل من منتصف 2999 إلى منتصف 3000. تلك الفترة سُمِّيت بالسنة الملعونة لكثرة الظواهر غير الطبيعية، ومن وُلد في تلك الفترة سُمِّيَ "ابن الشيطان".
لم يكن من في السفينة ليصدق ما سمعوه إن لم يأتي الكلام من قائدهم.
سأل أحد الجنود: ـ في أي شهر خَفتت فيه الشمس؟
أجاب رون بهدوء: ـ شهر العاشر من 2999.
توالت الأسئلة على رون لكن لم يجب على الكثير منها.
قال داروم: ـ لقد سمعت عن هذا من قبل. سمعت عن سنة تم قتل جميع الأطفال المولودين فيها، لكن ألم يُقتل الجميع؟
أجاب رون دون إخفاء شيء: ـ نعم، تم تطهير تسعين بالمئة منهم، أما العشرة بالمئة الباقية فقد أخفتهم عائلاتهم.
ندهش الجنود، بما في ذلك داروم: ـ هل يسعى هؤلاء الأوغاد إلى إشعال الفوضى في العالم الذي يجب أن يموت عليه أن يموت؟
أجاب رون: ـ تم التعامل مع أي عائلة من قبل سلطات عليا. هذا الأمر خارج نطاق اختصاصنا ولا أعرف شيء عنه.
نهاية.
عهد جديد سيبدأ