ــ ساعتان مرت منذ ملاحقة الجنود ليوسافير ويوراي. عاد أحدهم بالقارب إلى السفينة الحربية، حيث التقى بهم عائدين هم أيضًا من موقع الانفجار نحو الشاطئ.

ــ روى الجندي ما جرى عندما وصل الإثنان إلى اليابسة.

ــ ظهر تفكير عميق على وجه رون، إذ يبدو أنهم هم وراء الانفجار.

التفت رون إلى الجندي وقال:

ــ أحسنت.

أومأ الجندي:

ــ هذا واجبي أيها الملازم.

قال داروم وهو يهمهم:

ــ بنسبة كبيرة هم سبب الانفجار.

ــ بدأ رون يتمشى بخطوات متكاسلة، واضعًا يده خلف شعره، وقال بثقة:

ــ هذا واضح، ومن غيرهم؟ يبدو أن أعداءنا يتكاثرون كل يوم مثل الذباب.

ــ فرك أحد الجنود صدغه وهو يتحدث بصوت سمعه الجميع:

ــ كان يجب علينا أن نقبض عليهم ونجري المزيد من البحث. أيها الملازم، هل نقوم بملاحقتهم؟

همس رون وهو يراقب البحر:

ــ لا داعي لذلك، رايتهم جديدة. هناك العديد من الرايات تبدأ وتتلاشى مع الوقت، وأصحابها يهلكون قبل أن تُطبع عليها نجمة. كما أن لدينا مهمة القبض على ذلك المحتال.

قال أحد الجنود:

ــ بالمناسبة أيها الملازم، هل راية شيطان البشر عليها نجمة؟

تدخل داروم منزعجًا:

ــ هل أنت بلا عقل؟ ولماذا سنضيع وقتنا بملاحقت...

صمت داروم فجأة وكأنه أدرك شيئًا، ثم صحح كلماته:

ذلك الوغد، سنقبض عليه حتى لو رايته لم تكن عليها نجمة، فهو من مواليد تلك السنة.

ــ أراد أحد الجنود، الذي بدا صغيرًا في السن، أن يتكلم، لكنه تلعثم في كلماته ولم يُكمل.

لاحظه داروم ثم ناداه:

ــ كايسن، هل تريد قول شيء؟

احمر وجه الصبي الذي يبدو أنه جديد في الجيش، بشعره الفضي البراق وملامح وجهه الحادة:

ــ ما... ما قصة النجوم على الرايات والثوار يا نائب القائد؟

بدت على جميع الجنود نظرات فضول وهم ينتظرون الجواب من فم داروم.

ــ بعض الأشياء تبقى مخفية عن الكثير من الأشخاص، خصوصا هذه الأشياء التي تخص الثوار.

مدح داروم داخليًا: سؤال رائع أيها الفتى.

ثم ضم يده نحو صدره بشكل متقاطع وتحدث بلطف وهو يرمق الصبي بنظراته:

ــ تحدد النجوم خطورة صاحب الراية. كمثال، الثائر شيطان البشر رايته عليها نجمة. كلما زاد عدد النجوم زادت خطورة صاحب الراية. أما بالنسبة للثائرين، فهم من تخلوا عن راية الأمة وثاروا في وجه العدالة. يدّعون الحرية، وما هم إلا شياطين.

أنصت الجميع، كان البعض يعرف القصص عن الثوار، لكن البعض لم يكن يعلم شيئًا.

سأل أحدهم:

ــ نائب الملازم، لماذا يتركون راية كنيسة اتحاد الأمم؟

تدخل رون قائلًا:

ــ سأجيب على سؤالك بسؤال آخر: لماذا هم في الأساس يثورون على الجيش؟ أو بالأحرى، لماذا يثورون على العالم؟

دخل الجندي في تفكير عميق:

ــ وكيف لي أن أعرف؟

نظر رون نحوه ثم أكمل كلامه:

ــ أولئك الأوغاد غدت أساطير وأوهامًا خاطئة عقولهم. إنهم يفعلون شيئًا من أجل هدف غير موجود في الأساس. كل ما هو ثائر فهو عدو للعالم، وهم يعلمون ذلك، لكنهم اختاروا هذا الطريق بأنفسهم.

توقف رون عن الكلام وهو يفحص الجميع بعينيه:

ــ هذا يكفي اليوم. ستعرفون كل شيء لاحقًا. أما الآن، فهيا بنا لنكمل مهمتنا ونبحث عن ذلك الشيطان.

رفع جميع الجنود أصواتهم في نفس الوقت:

ــ حاضر أيها الملازم.

ـــــــ

ــ بالرجوع إلى يوسافير ويوراي.

أمام مدخل غابة كثيفة بالأشجار، وقف شخصان وفي وجهيهما عزم لا يهتز. رفع أحدهما، ذو شعر أسود قاتم، خريطة متوسطة الحجم وهو ينظر إليها ثم نحو مدخل الغابة. في هذا المكان كان هناك طريق مستقيم، لكنه مليء بالأعشاب، ويبدو أن هذا الطريق لم يُستعمل منذ سنوات.

كان هذان الشخصان هما يوسافير ويوراي.

قال يوسافير:

ــ هذا طريق مختصر لمملكة راندور، لكن يبدو أنه لم يُستعمل منذ مدة طويلة.

همس يوراي قائلًا:

ــ من الممكن أن الناس وجدوا طريقًا آخر مختصرًا غير هذا.

تمتم يوسافير:

ــ لا أعرف، لكن قرأت قبل فترة في إحدى الصحف أن هذه الغابة مستقر للعديد من قطاع الطرق والثوار. يبدو أن هذه الأخبار هي سبب عدم استعمال الناس لهذا الطريق، أو أن هناك طريقًا آخر يستخدمونه لا يوجد على هذه الخريطة.

أومأ يوراي:

ــ المهم، لندخل وسنعرف كل شيء. نحن لن نخسر شيئًا، علينا أن نختصر الطريق، فالالتفاف حول هذه الغابة سيأخذ منا وقتًا أطول.

ــ معك حق، هيا بنا.

أمسك يوسافير الخريطة الجلدية ثم قام بوضعها في الحقيبة ووضعها على كتفه.

ـــــــ

ــ مملكة راندور.

في مكان ما في مملكة راندور، جلس شاب على قمة البرج يتأمل السماء الزرقاء. لم يكن فرق بين لون السماء ولون عينيه، بل إن عينيه أشد زرقة من السماء، بحواجب مقوسة وملامح وجه حادة. غطاه رداء أزرق داكن، وجسمه مملوء بأصداف سوداء تنزل عموديًا من كلا الجانبين، وعلى صدره راية كنيسة اتحاد الأمم، وبنطال أسود وحذاء طويل يصل إلى ركبته.

خلف ظهره كان هناك منجل طويل أزرق داكن ملتوي إلى الداخل.

وصل صياح من أسفل البرج إلى أذن الشاب، حيث أخرجه من تفكيره:

ــ ميمون! ميمون! علينا الذهاب حالًا لإكمال مهمتنا، فالقائد سيغضب مرة أخرى بسبب إهمالنا!

أشاح ميمون بنظره نحو الشاب أسفل البرج، الذي كان يرتدي نفس ملابسه بشعر بني ممشوط إلى الوراء، ثم قال:

ــ أنا قادم.

ثم نظر إلى السماء مجددًا وهو يتمتم في نفسه ببعض الكلمات. بعد ذلك، قفز من قمة البرج الذي يبعد عن الأرض خمسة عشر مترًا.

ــ ما الذي تفعله أيها الغبي فوق البرج؟ هل تتأمل في السماء ثانية؟ بسببك سأوبخ من قبل القائد!

ــ يا للإزعاج، ألا تستطيع إكمالها وحدك؟ سأل ميمون.

ــ حتى لو كنت أستطيع، عليك مرافقتي. فجلوسك فقط متأملًا في السماء... هل تظن أنك تستطيع فعل ما تشاء؟ لا تنسَ أنك فرد من فرسان المملكة، وكل فارس له دوره أيها الغبي.

ــ نظر ميمون نحو الأمام دون أن يقول شيئًا، لأنه إن تكلم فصديقه الذي بجانبه سيبدأ بالكلام ولن يصمت.

ـــــــ

ــ العودة إلى الغابة.

في الغابة الكثيفة بالأشجار، مشى الاثنان بين الخيوط الذهبية لأشعة الشمس التي تمر بين الأغصان.

يوسافير بملابسه السوداء المخططة ببعض اللون البنفسجي، وراية حمراء تزين صدره، ويوراي بملابسه البيضاء وبعض النقوش الفضية، وايضا نفس الراية تزين صدره. الراية المطروزة على صدريهما هي نفسها التي رسمها يوسافير بيده؛ الأول كأنه الليل المظلم، والآخر مشرق كالنهار.

نظر يوسافير نحو الشاب بجانبه ثم قال:

ــ يوراي، هل أنت مستعد لهذه الرحلة؟

رد يوراي دون الالتفات، مبقيًا وجهه نحو الأمام:

ــ هذا طبيعي أن أكون مستعدًا، وأنا سعيد بخوض هذه الرحلة معك، كما أنني متشوق لها رغم صعوبتها.

وضع يوسافير يديه الاثنتين خلف رأسه دون تغيير في تعابير وجهه:

ــ لا أعرف السبب، لكن أشعر أنني بحاجة لهذه الرحلة، وكأن شيئًا يجذبني ويجعلني متحمسًا لها.

ــ قريبًا سنصبح مطلوبين، وسوف نتعرض للعديد من المطاردات. ذلك شيء رائع، أن يتم مطاردتك في كل مكان، هذا سيساعدنا كثيرًا على تطوير قدراتنا.

ــ تطوير قدراتنا والبحث عن مخلفات الحرب ونبش تاريخ هذا العالم البائس ومعرفة سبب كوابيسي... هذا ما خرجنا من أجله. أرجو أن أجد هذا العالم مسليًا.

مرّت بضع ساعات وهما يتوغلان أكثر فأكثر داخل الغابة.

أصبح الطريق أمامهما ممتلئًا بالأعشاب الصفراء الطويلة، وكانت هذه الأعشاب سببًا في تباطؤهما.

تمتم يوسافير:

ــ هذه الغابة غريبة جدًا، هناك سكون غريب هنا. هل هي مهجورة؟ أتمنى أن أجد بعض قطاع الطرق والثوار في هذا المكان.

قال يوراي:

ــ الليل سيحل قريبًا، فالشمس بدأت تدنو. علينا إيجاد بقعة مناسبة للتخييم فيها، زد على ذلك أننا لا نملك طعامًا.

ــ لا مشكلة، لا يزال هناك وقت حتى تغرب الشمس، سنقوم باصطياد شيء ما في طريقنا.

"خشخشة."

مشيا لبعض الوقت، وفجأة أمال يوسافير رأسه للجانب نحو يوراي بابتسامة خبيثة على وجهه:

ــ نحن مراقَبان.

ظهرت ابتسامة على وجه يوراي:

ــ هل أحببت ذلك؟ لكن لا تتحمس كثيرًا، فهناك شخص واحد يراقبنا.

ــ أعرف ذلك، لكن ألا ترى أننا بنسبة كبيرة ضائعان في هذه الغابة؟ لقد فقدنا طريقنا بسبب هذه الأعشاب الطويلة. إيجاد شخص هنا ليكون دليلنا، فهذا شيء رائع.

"خشخشة."خشخشة."

تغيّر تعبير يوراي فجأة:

ــ هناك شخص آخر... لا، هناك شخص ثالث.

ملامح البهجة والسرور ارتسمت على وجه يوسافير:

ــ إنهم قادمون... إنهم قادمون...

تحركت الأعشاب بجانبهم فجأة. ظهرت الجدية على وجه يوراي، وابتسامة على وجه يوسافير وهو يشاهد العشب يتحرك يمينًا وشمالًا وكأن طريقًا يفتح أمامهم.

ومن بين الأعشاب انطلق سهم اقترب من وجه يوراي بسرعة، أمال يوراي وجهه فاصطدم السهم بالشجرة.

سمع صوتًا قادمًا من الأعشاب بجانبهم:

ــ لن تفلت مرة أخرى.

نهاية الفصل

ثوار؟؟ ام قطاع الطرق؟؟

2025/11/25 · 16 مشاهدة · 1281 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026