تحرّك العشب مقتربًا من يوسافير ويوراي. راقب الاثنان الشيء الذي يتحرّك بسرعةٍ متجهًا نحوهما.

"لن تفلت مرة أخرى!" فجأة قفز أرنب سمين يلهث. ما إن قفز حتى اخترق سهم عنقه، اصطدم بشجرة وسقط أرضًا دون حراك، ميتًا.

تناثرت قطرات دم طازج على العشب الاصفر، وبدأت تتقطر ببطء نحو لأرض.

التفت يوسافير ويوراي نحو الاتجاه الذي أتى منه السهم.

"لقد أصبته! لقد أصبته!"

سمعا صوتًا قادمًا من العشب الطويل. وما هي إلا لحظة حتى خرج شاب بوجهٍ مرحٍ، عيناه الخضراوان متوهجتان بنورٍ براق، وكان متحمّسًا بسبب اصطياده للأرنب، ضاحكًا بصوتٍ عالٍ:

"هاهاها!"

بدأ ضحكه كما لو كان صدى الغابة نفسها يردده، مزيج بين براءة الطفل وحيوية البرية.

لكن فور أن لاحظ الشخصين ينظران نحوه، صمت فورًا وتحول وجهه إلى اللون الأحمر، والدهشة تعلو ملامحه.

أخرج سهمًا فورًا من وعاءٍ جلديٍّ مشعِرٍ بنيّ اللون خلف ظهره، ثم وضع سهمًا في القوس ولوّح بيده نحو الاثنين.

قام بفحصهما قليلًا وسأل:

"من أنتما؟"

كان الشاب يبدو في مثل عمر كلٍّ من يوسافير ويوراي. كانت ملابسه مكوّنة من جلدٍ منقّطٍ بالأبيض غطّى نصفه العلوي، وجلدٍ مشعِرٍ يشبه الوعاء خلف ظهره غطّى نصفه السفلي. امتلأ شعره البنيّ المجعَّد بأوراق الشجر الصفراء الباهتة، وكأنه مضى وقتٌ طويل منذ أن غسله.

خيوط الضوء التي تسللت بين الأشجار لعبت على شعره، مما جعله يبدو وكأن أوراق الخريف قد تحولت إلى تاج من الذهب الخافت على رأسه.

أظهر الشاب حذرًا كبيرًا وهو يحدّق بهما، ينتظر إجابةً لسؤاله.

نظر يوسافير إلى يوراي الهادئ بعينيه المغلقتين، فالتفت هو أيضا بوجهه نحو يوسافير.

تحدّث يوسافير منزعجًا:

"ما بك أيها الوغد؟ تشير بسهمك تجاهي! هل تريد الموت؟! أَهكذا يُسأل الناس؟"

تردّد الصبي قليلًا، ثم خرج صوتٌ مرتجفٌ من فمه:

"لقد سألتُ سؤالًا… أجب عليه."

""من هؤلاء؟ هل هم تابعون للمصانع؟"" فكر الصبي ويده ترتعد.

نظر يوسافير نظرةً حادّة إلى الصبي، وتجعدت شفتاه بطريقةٍ ساخرة:

"وما ظنّك؟ أننّا سنخبرك الحقيقة؟"

شعر الصبي بثقلٍ في قلبه، ولم يستطع الردّ على كلمات يوسافير بسبب نظرته الغريبة. ثم خطا خطوتين إلى الوراء مرتعدًا، وهو لا يزال يشير بقوسه، ناسِيًا الأرنب الذي اصطاده، وقرّر التراجع.

عندما شعر يوراي بخوف الصبي، أراد طمأنته، فقد يكون دليلَهم للرجوع إلى الطريق الصحيح. ثم قال بهدوء:

"نحن فقط مارّان من هنا، هل لديك مشكلة؟ ألم ترَ رحّالة من قبل؟"

ثبّت الشاب نظره على يوسافير لأنه أشعره بقشعريرةٍ أسفل ظهره، لكن كلام الصبي الآخر خفّف من حدّة ضربات قلبه.

ثم تحدّث بصوتٍ خافت:

"هل أنتما من خارج الغابة؟"

أمسك يوراي بحقيبته خلف ظهره ثم رفعها أمامه:

"انظر، امتعتنا كلها هنا."

"أنتم لستم من مشرفي المصانع، أليس كذلك؟" تساءل الصبي مرةً أخرى.

ارتفع حاجب يوسافير الأيسر متعجبًا:

"مشرفي المصانع؟ هل هناك مصانع في هذه الغابة؟"

نظَر الشاب إلى ردة فعل يوسافير فارتاح قليلًا، وخفّض قوسه الموجّه نحوه، لكنه بقي حذرًا.

شدّ الصبي على أسنانه وجمَع شجاعته وتحدث:

"هل يمكن أن أرى معصميكما؟"

عرف يوسافير أن الصبي لم يثق به تمامًا، ثم اقترب خطوة إلى الأمام، لكن الشاب أمامه تراجع خطوة إلى الوراء.

رفع الصبي يده:

"توقّف! أرِني معصمك من مكانك."

ابتسم يوسافير، ثم نظر إلى يديه:

"أيُّ معصمٍ تقصد منهما؟"

أشار الشاب:

"معصمك الأيسر."

أمسك يوسافير بكمّه وأرجعه للوراء:

"ها هو، ماذا تريد أن ترى؟"

حدّق الشاب جيدًا في معصم يوسافير ثم نظر نحو يوراي. فهمه يوراي، وهو أيضًا جرّ ردائه الأبيض للوراء.

ظهرت ملامح ارتخاء على وجه الشاب، ثم انحنى قليلًا معتذرًا:

"آسف على إشارتي بالقوس نحوكما، ظننْتكما من مشرفي المصانع. أولئك الحثالة يأتون للصيد في منطقتنا أحيانًا."

رغم أنه لم يثق بالاثنين تمامًا، إلا أنه استرخى قليلًا بمعرفة أنهما ليسا من مشرفي المصانع. وفي تلك اللحظة ظهر على وجهه ابتسامةٌ خافتة، لأنه لم يرَ أحدًا يمرّ من هذه الغابة من قبل.

بدت تلك الابتسامة كلمعان الشمس بين أغصان الأشجار، تحمل شعوراً بالفرح البسيط وسط حزن مخفي.

"من أين أنتما قادمان، وإلى أين أنتما ذاهبان؟" سأل الشاب.

حدّق يوسافير في الأوراق الصفراء الباهتة المتساقطة من الأشجار ثم قال:

"كما ترى، فقدنا طريقنا بسبب هذه الأعشاب الطويلة. أظن أننا خرجنا عن الطريق وكنا نبحث عنه."

تأمل الشاب في كلام يوسافير ثم سعل بخفة:

"من حسن حظكما أنكما التقيتما بي. هل ترغبان بالذهاب معي إلى القرية؟"

نظر يوسافير إلى يوراي، الذي بدوره وجّه وجهه نحوه، ثم ابتسم ابتسامةً خافتة وأومأ برأسه:

"حسنًا، قد الطريق."

مشى الصبي نحو الأرنب السمين الميت، نزع السهم من عنقه ثم حمله فوق كتفه، وذهب إلى شجرةٍ أخرى ونزع السهم الذي كاد أن يصيب يوراي، ثم قال:

"هيا بنا."

"ترك "ترك "ترك"

تبع يوسافير ويوراي خطوات الشاب الذي بدا سريعًا، لكن الاثنين لم يكونا أقلَّ منه. كان صوت خطواتهم ينساب مع صرير الأغصان تحت أقدامهم، وهم يتقدمون بسرعة.

أدار الصبي وجهه نحوهم:

"اسمي هيلمو، ما اسماكما؟"

"أنا يوسافير."

"وأنا يوراي."

"بالمناسبة، المصانع التي تحدّثت عنها قبل قليل، ما قصتها؟" سأل يوسافير.

ما إن سأل يوسافير حتى ظهرت ملامح الحزن على وجه هيلمو.

"عندما نصل إلى القرية سأخبركما."

قادهم هيلمو بين الأشجار التي تتعرّى في هذا الوقت من السنة.

وبعد أن مشَوا لمدة نصف ساعة، ظهرت أمامهم منازل القرية التي كانت تشبه الفطر، لكنها كبيرة جدًا في الحجم، وكل بيتٍ مختلفٌ عن الآخر في اللون. امتد طريقٌ حجريّ بين صفوف البيوت. انتبه كلٌّ من يوسافير ويوراي إلى بعض البيوت المهدَّمة، لكن المفاجأة أنهم لم يروا سكان القرية رغم توغّلهم فيها، صمت غريب شعرا به لإثنان كانت القرية فهذه اللحضة خالية تماما.

الهواء كان مثقلا برائحة الخشب القديم والدخان الخافت القادم من البيوت.

تساءل يوسافير بفضولٍ وهو ينظر إلى هيلمو:

"أين سكان القرية؟"

أجاب هيلمو:

"لهذا قلت لكما إنني سأخبركما عندما نصل. كما تريان، القرية خالية لأن جميع السكان يعملون في تلك المصانع. أما البقية، فهم يصطادون في الغابة."

"لكن غروب الشمس قد اقترب، متى ينتهون؟"

أجاب هيلمو بحزن:

"لا، لا يزالون في العمل ما دامت الشمس لم تغرب. كل يوم نفس الشيء، يبدأون من شروق الشمس وينتهون عند غروبها. ليس هناك يومٌ واحدٌ للراحة."

كان صوته يرتجف مع كل كلمة تثقل قلبه المرهق، وتملئ الجو بالحزن

"ومن يقف وراء هذه المصانع؟" سأل يوراي.

"فيووووو...."

ارتفع صوت الرياح فجأة بين البيوت، بينما أجاب هيلمو واليأس في عينيه:

وكيف لنا أن نعرف؟

أولئك الأوغاد يهددوننا! لقد رأيتم تلك البيوت المهدّمة… أصحابها ماتوا لأنهم لم يصبروا على هذا الطغيان، وهُدمت منازلهم. هذا الفعل جعل أهل القرية الآخرين مذعورين، ولم يستطيعوا فعل شيء. انتظرنا أفراد الجيش طويلًا، لكن لم يظهر لهم أثر منذ وقوع هذه الحادثة، رغم أنهم كانوا يأتون هنا أحيانًا."

سخر يوسافير داخل عقله قائلًا:

"ستموتون وأنتم تنتظرون. بعد ذلك سأل بصوت مرتفع هل كانت هذه القرية هكذا منذ البداية؟"

ردّ هيلمو:

"لا، كانت هذه القرية مزدهرة ومشرقة، مليئة بالحياة. كان التجار يأتون ثلاث مرات في الشهر، يقومون بتبادل العديد من البضائع والأشياء الأخرى، لكن فجأةً توقفوا عن المجيء شهرًا بعد شهر، ومع كل شهرٍ تتدهور القرية. لكنها كانت لا تزال مليئة بالحيوية.

لكن عندما رأى شيخ القرية أن التجار لم يعودوا يأتون، أرسل شخصًا ليتحرّى السبب، لكن ما إن ذهب لم يعد. فتم إرسال شخصٍ آخر، لكنه أيضًا لم يعد. أحسّ شيخنا بشيءٍ ما، فلم يُرسل أحدًا بعد ذلك، واكتفينا بصيد الحيوانات والأسماك لسدّ جوعنا.

لكن ذات ليلةٍ أتت عربةٌ سوداء، ومعها عدة رجال. ظنّ أهل القرية أنهم التجار الذين عادوا، ففرح الأهالي لأن القرية ستعود كما كانت عندما كان التجار يأتون. فرحوا كثيرًا ذلك اليوم."

توقّف هيلمو والحزن منتشر على وجهه.

"وماذا حدث بعدها؟" سأل يوراي.

"عزم شيخ القرية أولئك الرجال إلى بيته، وأعدّ وليمةً من أجلهم. لكن بعد دخولهم بوقتٍ طويل، سمعنا ضجيجًا وأصواتَ تكسيرٍ قادمة من بيته. توجّه الأهالي بسرعةٍ ليروا ما يجري، وفور دخولهم وجدوا شيخنا مستلقيًا على الأرض مليئًا بالجروح، وزوجته العجوز فاقدةً للوعي.

لم يقدر أحدٌ على التحرّك، لأن سيفًا كان على رقبة الشيخ. في تلك الحالة، فرضوا علينا العديد من الأشياء لإبقاء زعيمنا على قيد الحياة، ومن بين الأمور التي فرضت علينا الصيد في مناطق معينة، والعمل في تلك المصانع دون تذمّر أو حديث.

كل من تكلّم، يأخذون أطفاله ليعملوا أيضًا. أولئك الحثالة، اطفال لم يتجاوزوا الثانية عشرة من عمرهم! يعملون لديهم! أيُّ عالمٍ هذا؟! مات الكثير من الأطفال جراء العياء والمرض بسبب العمل.

الآباء والأمهات عندما رأوا أطفالهم يموتون ثاروا في وجه مشرفي المصانع، لكن ما كان ينتظرهم لم يكن سوى الموت وهدم منازلهم."

عندما بدأ هيلمو بالكلام، نسي تمامًا أنه يتحدث مع أشخاص غرباء، ولأن قلبه كان ممتلئًا، أراد أن يخرج كل شيء.

استمع كلٌّ من يوسافير ويوراي إلى كلمات هيلمو دون تفويت شيء، وبدآ ينظران لبعضهما بسبب عدم توقف الفتى عن الكلام.

تنهد يوراي وسأل باستغراب، مقاطعًا هيلمو:

"لماذا لم تغادروا هذا المكان؟"

"لا يمكننا المغادرة، فنحن محاصرون هنا. وهناك أيضًا بعض الأهالي مسجونون لديهم. لم يتركوا لنا فرصةً للمغادرة."

"الأوغاد… نحن في نظرهم أقل من الحيوانات. نعمل فقط لنأكل. حتى كلابهم يعاملونها أحسن منا! أيّ ظلمٍ هذا الذي نعيش فيه؟ ألا نستحق أن نعيش أحرارًا؟ نأكل متى أردنا؟ نعمل متى أردنا؟ ننام متى أردنا؟! جميع حقوقنا حُرمنا منها!"

كان هيلمو يتحدث، ومع كل كلمةٍ يخرجها كان يخرج معها ثقلٌ كبيرٌ من صدره. أراد أن يحكي، أن يخرج ما في قلبه. لم يجد من يصغي من قبل، فالجميع يعلم. أما الآن، فقد خفّفت كلماته من معاناته ولو قليلًا.

ما إن انتهى من كلماته حتى سُمع صوتٌ من بعيد:

"لقد قلت الكثير من الأشياء أيها الوغد!"

توجّهت نظرة هيلمو في تلك اللحظة نحو الصوت، فتجمّد الدم في عروقه عندما لاحظ الشخص القادم باتجاههم بخطواتٍ واثقةٍ مليئةٍ بالفخر، ونظرةِ ازدراءٍ على وجهه.

نهاية الفصل.

عدو؟

2025/11/26 · 13 مشاهدة · 1479 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026