تقدَّم رجل في الأربعينات من عمره، ينظر نحو هيلمو بعينين حادّتين كالنصل.
تراجع هيلمو خطوتين إلى الوراء خائفًا عندما لاحظ الرداء الذي يرتديه هذا الشخص، شعر بقلبه يدق بعنف، وكأن الغابة كلها تراقبه.
كان ذلك الشخص يرتدي رداءً أبيض مخطَّطًا بالأسود يغطي جسده، مع بنطال رماديٍّ وحذاءٍ أسود.
نظر يوسافير إلى هيلمو الخائف، شبك يديه نحو صدره وهو يحدّق في الرجل القادم تجاههم.
وقف الرجل مبتسمًا حين وضع يده اليمنى على سيفه القصير نسبيًا بجانبه الأيمن، وتجولت عيناه بين يوسافير ويوراي.
ثم قال بسخرية:
"ماذا لدينا هنا؟ صبيّان لوحدهما في هذه الغابة؟ ما الذي أتى بكما إلى هنا؟ ألم تسمعا أن هناك قُطّاع طرقٍ وثوّارًا في هذه الغابة؟"
ابتسم يوسافير باستهزاء:
"في الحقيقة، سمعنا أن هناك قُطّاع طرقٍ وثوّارًا، لكن لم نسمع أن هناك حمارًا وحشيًّا في هذه الغابة."
كانت كلماته مثل حجر سقط في بئر هادئ، مع لمح الرجل لنظرات يوسافير نحو ردائه، هزت اعصاب الرجل فوراً، فضغط على مقبض سيفه وزمجر غاضبًا:
"يبدو أنك تسعى لموتك أيها الصبيّ!"
خطا يوراي خطوة للأمام حين طافت أشعة شمس الغروب أمام عينيه المغلقتين، ثم قال بصوتٍ خافتٍ لكن هيلمو سمعه بوضوح:
"هيلمو… هل هذا أحد مشرفي المصانع؟"
تفاجأ هيلمو من سؤال يوراي، وتلعثم للحظة في كلامه قبل أن يقول:
"نعم، إنه واحدٌ منهم."
نظر الرجل نحو يوراي وسأله باستهزاء:
"ما بالك أيها الأعمى؟ هل تريد شيئًا؟"
تقدَّم يوسافير خطوةً إلى الأمام ووضع يده على كتف يوراي قائلاً بابتسامةٍ ماكرة:
"دعني أتعامل معه."
اشتد غضب الرجل وصرَّ على أسنانه، ثم سحب سيفه قائلاً:
"ستذهبون معي!"
ارتفع حاجب يوسافير متأملًا في الرجل بطريقةٍ غريبة:
"أين ستأخذنا؟ إلى العمل في المصانع؟"
عاد وجه الرجل إلى السخرية، قهقه وأشار بسيفه نحو يوسافير قائلًا:
"جيد أنك تعلم ما سيحلّ بك!"
ثم لوّح بسيفه نحو اليمين بعجرفة:
"الطريق من هنا، قِفا أمامي."
أدار يوسافير وجهه نحو يوراي الذي ظهرت عليه ملامح غير مبالية.
"هل نقتله أم نعذبه قليلًا؟"
أجاب يوراي بهدوء:
"لنعذبه قليلًا ونستخرج بعض المعلومات منه."
ابتسم يوسافير وقال:
"هذا ما كنت أفكر به."
ثم أشار بإبهامه نحو يوراي.
نظر هيلمو إليهما مصدومًا:
"ماذا يفعلان؟ وعن أيّ عذابٍ يتحدثان؟ هل جنّ جنونهما؟"
صرخ الرجل غاضبًا:
"يبدو أنكما لا تعلمان مع مَن تعبثان!"
تقدّم للأمام ولوّح بسيفه نحو يوسافير.
كان الرجل غاضبًا، لكن ما زاد غضبه هو ملامح الاستفزاز على وجه الصبي أمامه.
انحنى يوسافير قليلًا، فمرّ السيف من فوق رأسه، وانطلقت قبضة يده إلى بطن الرجل.
"بوووم!"
اهتز الهواء من قوة الضربة، وتطايرت أوراق جافة حول قدميهما.
تراجع الرجل إلى الوراء مطلقًا تأوّهًا خافتًا، ثم اشتعل غضبه مجددًا.
صرَّ على أسنانه وتقدّم مرةً أخرى إلى الأمام.
" أيها..."
لم يتراجع يوسافير، بل ظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة، ووضع يده أمامه.
لاحظ الرجل يد يوسافير تشير نحوه لكنه لم يهتم، واندفع للأمام بسرعة،
فجأة شعر بصمتٍ غريبٍ حلّ في المكان، وكأن العالم توقف.
ثم دوّى في أذنه صوت معدنيٌّ خافت:
صليل... صليل.!
ــ صوت هيمن على المكان، وكأن لا شيء يعلو ذلك صوت.
انطلقت سلسلة سوداء من تحت كمّ يوسافير الأيمن بسرعةٍ لتطوّق الرجل قبل أن يصل إليه.
تجمّد في مكانه، سقط سيفه من يده، وانهار أرضًا ملتويًا كالدودة.
اندهش الرجل. ولم يعرف ماذا جرى.
ما هذا.
شعر بجسمه كله مقيدا بشيء غير طبيعي، حتى رأسه لم يقدر على لإلتفاف ورؤية مايقيده.
وقف يوسافير أمامه بوجه ساخر يحمل بعض تجاعيد الاستهزاء.
حدّق الرجل بخوفٍ في يوسافير، وهو يرتعد متصببًا بالعرق، لم يدرك أكان جسده هو من يرتجف، أم أن شيء الذي يقيده هو من يسحب روحه رويدا رويدا، وتمتم في ذهنه:
«مـ... ممسوس؟! ماذا يفعل ممسوسٌ في هذا المكان؟ من هذان الشخصان؟! صارت رعشة في جسم رجل بأكمله
ــ لقد انتهيت...»
بعد ذلك خرج صوته المرتجف مخاطبًا يوسافير:
"سـ... سامحني أيها الشاب، لم..لم.. لم أعرف أنك ممسوس."
كانت تعابير الرجل مفجعة، الخوف غلب كل إحساسٍ آخر.
تقدَّم يوسافير نحوه، وانحنى بابتسامةٍ ماكرة:
"كنت قبل قليل مثل الحمار الوحشي متعجرفًا، ما بالك الآن تتلوّى مثل الدودة؟ لو أنني لست ممسوسًا، ماذا كنت ستفعل؟ كنت ستقتلني، أليس كذلك؟ مثلما لوّحت بسيفك باتجاهي."
توسّل الرجل:
"آسف... آسف، كنت مخطئًا، أعتذر!"
لكن ابتسامة يوسافير لم تبشّره بخير، شعر بأن شخص أمامه يستمتع لاغير،
أما الصبيّ هيلمو، فقد كان فمه مفتوحًا من الصدمة.
لقد عاش في الغابة لسنواتٍ طويلة، ولم يعرف عن العالم الخارجي شيئًا.
رؤية هذا المشهد الخيالي أمامه جعلته يظن أنه يحلم.
رفع يده وصفع نفسه مرارًا: "باك! باك!" حتى احمرّ وجهه.
لف يوراي رأسه نحوه مستغربًا:
"ماذا يفعل؟"
قبض هيلمو يده بقوة وجرّ جلده، أطلق تأوّهًا خافتًا، وعندها أدرك أنه لا يحلم.
نظر نحو السلسلة التي تطلق هالةً بنفسجية خافتة، وعندما دقّق أكثر، رأى عينين سوداويْن على بعض حلقاتها.
«ما هذا الشيء؟!» قال مرتعدًا وهو يتراجع.
ارتفع صوت يوراي في الهواء:
"هيلمو، لا تخف."
سمع هيلمو كلامه، فالتفت نحوه وقال:
"ما ذلك الشيء؟"
أجابه يوراي بهدوء:
"سنخبرك لاحقًا، لا تقلق."
خفّفت كلماته من خوفه قليلًا.
أما الرجل، فلم يرَ العينين في السلسلة لأن عنقه كان مشدودًا إلى السماء بقوةٍ منها،
وعيناه لم تفارقا وجه يوسافير، وإلا لكان قد بلّل سرواله من شدّة الخوف.
بدأ يوسافير يحدّق بالرجل دون أن يقول شيئًا.
شعر الرجل بضيقٍ في أنفاسه، وشحب وجهه أكثر.
«اللعنة... في ماذا تورّطت؟! ممسوس في هذه الغابة! لم أتوقّع هذا أبدًا...»
ضيّق يوسافير عينيه وقال ساخرًا:
"يبدو أنك تفكّر كثيرًا."
بام! بام!
نزلت قبضته على رأس الرجل فأردته فاقدًا للوعي.
وقف يوسافير والتفت إلى يوراي قائلًا:
"أشعر بالجوع، لِنأكل أولًا ثم نسأل هذا الوغد."
ابتسم يوراي:
"ألِهذا أفقدته الوعي؟"
أطلق يوسافير السلسلة التي كانت تلتف حول الرجل، تاركًا إياها ملتويةً على قدمه فقط.
ثم نظر إلى الأرنب الذي يحمله هيلمو وابتسم بخفة:
"يبدو أن هذا الأرنب لذيذ. ألن تعزمنا إلى منزلك؟"
صمت هيلمو للحظة وهو يحدّق في الشاب أمامه، ثم تحدث:
"هيّا، تعالا معي، المنزل ليس بعيدًا."
مشى هيلمو للأمام، وخلفه يوسافير ويوراي.
كان بين الحين والآخر يدير رأسه محدقًا في السلسلة التي تجرّ الرجل من قدمه.
بعد عدّة التفافات وصلوا إلى المنزل.
كان يشبه باقي المنازل، على هيئة فطرٍ بلونٍ أحمر داكن، نوافذه ضيقة مستطيلة، وله مدخنةٌ ملتوية إلى الوراء.
أمام المنزل حديقة صغيرة، وشجرة ليمونٍ مملوءةٍ بالثمار الصفراء بجانب الباب.
فتح هيلمو الباب الأحمر ودخل، وتبعه يوسافير ويوراي بعد أن ربطا الرجل فاقد الوعي حول شجرة الليمون.
تجوّلت نظرات يوسافير داخل البيت، فرأى بعض الكراسي بجانب طاولةٍ خشبيةٍ مربعة، فاختار واحدًا وجلس عليه، وكذلك فعل يوراي.
قال هيلمو:
"انتظرا قليلًا، سأطبخ هذا الأرنب وآتيكما. ارتاحا بعض الوقت."
أومأ الشابان برأسيهما.
خلع هيلمو حذاءه الجلدي وذهب نحو المطبخ على يمينهما.
كان المنزل يحتوي على طابقين؛ الطابق الأول بثلاث غرفٍ وسلّمٍ قرب باب المدخل يؤدي إلى الطابق الثاني.
كان مرتبًا رغم بساطة الأثاث.
جلس يوسافير ويوراي حول الطاولة المربعة، وأسند يوسافير ظهره إلى الكرسي متأملًا في السقف ثم أغلق عينيه قليلًا.
"براق"براق "طيق "طيق"
" تشششششش"
عمّ الصمت المكان، ولم يُسمع سوى صوت هيلمو وهو يستخدم أدوات المطبخ.
قال يوراي:
"يا تُرى، من هذا الشخص الذي يقف خلف هذه المصانع؟"
فتح يوسافير عينيه ووضع يده خلف رأسه:
"لا بد أنه شخصٌ غير عاديّ، له نفوذ واسع لتأثيره على الصحف والإعلام. كما أن أفراد الجيش لا يأتون إلى هذه الغابة، فلابد أن له يدًا معهم... لا بد أنه شخصٌ مؤثّر للغاية."
ابتسم يوراي:
"وهذا فقط أول يومٍ لنا منذ خروجنا إلى هذا العالم."
ضحك يوسافير بخفة:
"هل كنت تتوقع شيئًا آخر من هذا العالم."
سأل يوراي:
"ومتى سنتحرك؟"
لأنه يعلم أن الشخص بجانبه لن يصبر طويلًا قبل الاندفاع نحو المصانع.
أجاب يوسافير:
"لِنأكل أولًا، وبعدها ننتظر. لا بد أنهم سيرسلون أحدًا للتحقّق من اختفاء زميلهم."
بعد بضع دقائق، ترك هيلمو الأرنب يطبخ ثم جاء وجلس معهم، وحدّق في يوسافير بفضول.
ضيّق يوسافير عينيه وقال:
"ما بالك تحدّق بي هكذا؟"
نطق هيلمو بخوفٍ كلمةً واحدة:
"السلسلة..."
ابتسم يوسافير:
"ألم ترَ ممسوسًا من قبل؟"
"ممسوس؟" كرّر هيلمو الكلمة مستغربًا، "ما هو الممسوس؟"
نظر يوسافير نحو يوراي بوجهٍ محبط:
"اشرح له أنت، لا طاقة لي بالشرح. سأوفّر طاقتي للطعام."
وضع يوراي ساقًا على أخرى، وشبك أصابعه فوق ركبته ثم قال:
"بما أنك لا تعلم عن هذا العالم، فسأخبرك.
رغم أنني سأشرح لك القشرة الخارجية فقط، إلا أن هذا سيوضّح لك بعض الأمور. فأنا أيضًا لا أعلم الكثير."
أنصت هيلمو بكل جوارحه، فهذه أول مرةٍ يسمع فيها شيئًا عن العالم الخارجي، بعدما كان لا يعرف إلا القليل مما أخبره والده.
تابع يوراي:
"هذا العالم واسع أكثر مما تتخيّل.
لنبدأ أولًا بالجيش. لا بد أنك سمعت عنهم.
الجيش تابعٌ لمنظمةٍ عالميةٍ تُسمّى كنيسة اتحاد الأمم. يطلقون على أنفسهم حماة هذا العالم.
هم متمركزون في جميع أنحاء العالم، ويرفعون رايتهم الخاصة.
أيّ شخصٍ لا يضع رايتهم يُسمّى متمرّدًا.
وبذكر المتمرّدين، هناك صنفٌ آخر منتشر في هذا العالم، وهم الثوّار.
الثوّار أشخاصٌ رفضوا ظلم وفساد الجيش، واختاروا طريقهم الخاص رافعين رايتهم الخاصة.
لكن بعضهم استغل هذا الاسم وخرج للعالم لا من أجل الثورة، بل من أجل الاستبداد وفرض السيطرة بالقوّة.
هناك أصناف كثيرة من الثوّار، حتى نحن لا نعرف عنهم الكثير.
أما الممسوسون، فهم مستخدمو قدرة الجرثومة، وهي كائنٌ مجهريّ يتمّ تطعيم الشخص به، وفور دخولها إلى جسم الإنسان يصبح ممسوسًا ويمتلك قدرةً غير طبيعية.
أما السلسلة التي رأيتها سابقًا تخرج من يد يوسافير، فهي قدرة جرثومته."
ـــ
في تلك اللحظة، وفي أعماق الغابة، حمل أحد الأشخاص جهازًا غريبًا في يده طبق الاصل عن زهرة دوار الشمس وتحدث قائلًا:
"لقد بحثت عنه طويلًا، لكن لم أجد له أثرًا."
جاءه صوتٌ من الجهاز:
"ابحث أكثر، وأعلِمني إن حدث شيء."
ردّ الرجل:
"حسنًا، انتظر اتصالي."
نهاية الفصل.
بدأت المعالم تتضح قليلا.