شرح يوراي عدة أشياء مع إخفاء بعضها، لكن ما لفت انتباه هيلمو هو حديثهم عن الثائرين. أُعجب بهم وبالحرية التي يتمتعون بها، تلك الحرية التي لطالما أرادها، لأن الغابة كانت بمثابة قفص له ولأهل القرية.
اشتعل الحماس على وجه هيلمو، ثم سأل: ـ هل أنتم ثوّار؟
أجابه يوسافير بعد أن أقام جلسته: ـ نعم، هذه أول رحلة لنا.
قال هيلمو دون أن يدرك: ـ هل يمكنكم أخذي معكم؟
رد يوسافير فورًا: ـ لا.
ـ لماذا؟ سأل مرة أخرى.
أجاب يوسافير: ـ طريقنا صعب جدًا، لن تستحمله.
ـ فقط خذوني معكم، سأصبر على أي شيء!
رفع يوسافير حاجبيه مستغربًا: ـ كيف ستصبر على شيء لا تدري عنه شيئًا؟
ألحّ هيلمو ولم يستسلم.
تمتم يوراي بصوت خافت بعد أن كان صامتًا: ـ لماذا لا تكون ثائرًا بنفسك؟ قد نلتقي يومًا ما في هذا العالم الشاسع، لكن عليك أن تكون قويًا. كما ترى، هذا العالم لا يرحم، ولا يستحمل سوى الأقوياء. الضعفاء لا يُذكرون.
كلمات يوراي لم تُعجب هيلمو، فتغيّرت ملامحه وشعر بخيبةٍ واضحة.
خارج المنزل، كانت الشمس قد دنت منذ مدة، وحلّ الظلام. اشتعلت القرية بالمشاعل الغريبة المثبّتة فوق كل باب منزل. لم تكن الإضاءة جيدة، لكن الطريق كان يمكن رؤيته.
في تلك اللحظة امتلأت القرية بالحياة؛ عاد الجميع من العمل. تقدّم رجل في أواخر الثلاثينات من عمره نحو حديقة منزل هيلمو. كان يشبهه إلى حدٍّ كبير، ويرتدي ملابس بيضاء من قدمه حتى عنقه، ويحمل حقيبة جلدية على ظهره. كانت ملابسه متسخة جدًا ومغطاة بغبار بنفسجي.
كان التعب يسكن في كتفيه، كأن سنوات من العمل قد أثقلت عظامه.
فجأة تغيّر تعبير الرجل عندما لاحظ رجلًا فاقد الوعي مربوطًا إلى شجرة الليمون. ـ ما الذي يحصل هنا؟ ومن فعل هذا؟ تساءل الرجل بخوف عندما تذكّر شيئًا، وأول ما نطق به كان اسم الشاب الذي في المنزل: ـ "هيلمو!"
ارتجفت أصابعه لا إراديا، فقد أعادت إليه تلك الصورة ذكرى لم يشأ يوما أن يتذكرها.
تسارعت خطواته ودفع باب المنزل بقوة.
"باق"
فلاحظ ثلاثة جالسين حول الطاولة الخشبية. نظر الثلاثة إليه، فوقف هيلمو فجأة مبتسمًا: ـ أهلاً أبي!
تفاجأ الإثنان بعد سماع هيلمو يتكلم، ثم نظرا إلى الرجل مطولًا، ثم وقفا وقدّما التحية: ـ مرحبًا أيها العم.
تساءل الأب بارتباك، والعرق ينزل من جبينه بينما عينيه على هيلمو: ـ من هؤلاء؟
أجاب هيلمو بسرعة عندما لاحظ تغيّر تعابير والده المرتجف: ـ لقد التقيت بهم تائهين في الغابة عندما كنت أُطارد أرنبًا.
ـ وماذا عن الرجل في الخارج؟ من قام بذلك؟ كان هيلمو على وشك الإجابة، لكن يوسافير قاطعه قائلًا: ـ أنا من فعل ذلك، هل فعلت شيئًا خاطئًا؟ تساءل بهدوء.
ـ من أين جئتم؟ سأل الأب وهو يتقدّم نحوهم.
ـ نحن متوجهون إلى مملكة راندور، وسلكنا طريقًا مختصرًا عندما تهنا في هذه الغابة، فالتقينا بابنك الذي أحضرنا إلى هنا، أجاب يوراي.
أراد الأب توبيخ ابنه لجلبه هذين الصبيين، لأن مشرفي المصانع إن لاحظوهما سيزجون بهما في السجن ويجبرونهما على العمل، لكنه تراجع عندما تذكّر الرجل المربوط خارج المنزل. فكّر باستغراب: كيف فعلوا ذلك؟ كان هذا سؤالًا أراد طرحه، لكن هيلمو قال: ـ أبي، اخلع ملابسك واستحم أولًا، فالعشاء اقترب من الجاهزية.
نظر الرجل إلى وجه ابنه المسرور الذي لم يره منذ مدة بهذه الحالة، كانت تعابيره مشبعة بالفضول. وبعد أن شمّ رائحة الطعام القادمة من المطبخ، قال له ابنه: ـ أبي، اذهب أولًا، سأخبرك بكل شيء حين نتناول الطعام.
أومأ الأب برأسه موافقًا، لكن عينيه بقيتا على يوسافير ويوراي. رغم برودة أعصابه، إلا أنه لم يكن مرتاحًا البتة، وذلك راجع إلى أشياء عاشها قديمًا.
نزع حقيبة ظهره وأعطاها لهيلمو. فتحها الأخير ووجد فيها بعض الطعام الجاهز: نصف دجاجة محمّرة، وبعض البطاطا والجزر، وقنينتين صغيرتين من الصلصة الحمراء والخضراء، وثلاث قطع متوسطة من الخبز.
ذهب هيلمو نحو المطبخ ومعه الحقيبة، ووضع الطعام في أطباق خشبية مزخرفة. ثم أمسك بملعقة كبيرة وحرّك القدر فوق النار. ارتفعت بعض الخضار، فرفع الأرنب ليتفقد نضجه. كان طريًا يدل على تمام النضج. رفع قليلًا من المرق وارتشف رشفة صغيرة.
ـ "ينقصه القليل من الملح"، تحدث في نفسه. أمسك بكيس جلدي يحتوي على بعض الملح، ووضع قليلًا منه على القدر.
ما هي إلا دقائق حتى انتهى من الطهي، وبدأ بوضع الأطباق فوق الطاولة الخشبية.
ـ هل نساعدك؟ قال يوسافير. ـ لا داعي لذلك، ردّ هيلمو مبتسمًا.
امتلأت الطاولة بالطعام وأكواب عصير الليمون الذي جُني من أمام المنزل. وُضعت الأرنب كاملة في المنتصف، وحولها البطاطا الحلوة والجزر وبعض التفاح المقلي بالعسل. أما نصف الدجاجة فقُسم على أربعة أجزاء، ووضعت الصلصتان الحمراء والخضراء بجانبه. كما قُسم الخبز إلى أربعة أجزاء، ووضعت السكاكين والاشواك الخشبية أمام كل طبق.
انتهى الأب من الاستحمام وغير ملابسه، ثم جلس معهم على الطاولة وبدأوا الأكل.
ـ هيا، بسم الله.
بسم الله، ارتشف يوسافير من عصير الليمون، فصعدت حموضة قوية إلى حلقه، وارتجف قليلًا. رأى هيلمو ذلك فبدأ يضحك عليه. لم يهتم يوسافير، بينما لاحظ يوراي يقتطع قطعة من فخذ الأرنب. قطع يوسافير قطعة صغيرة بيده ووضعها في فمه، فدخل طعم رائع ذاب كقطعة زبدة وانزلق في حلقه. ـ "مممم"، تمتم مستمتعًا.
وأثناء الأكل بدأ هيلمو يحكي منذ لقائه بيوسافير ويوراي، لم يترك شيئًا، حتى قصة السلسلة، ولم يمانع يوسافير في ذلك. كلما تحدث هيلمو تغيّرت ملامح الأب، وشعر بخوف عميق وهو ينظر نحو يوسافير.
ـ هل أنت ممسوس؟ نطق الأب بارتباك بشيء لم يذكره هيلمو بعد.
تغير تعبير يوسافير ويوراي أيضا، كما اتسعت حدقتا هيلمو: ـ هل تعرف الممسوسين يا أبي؟
وضع الرجل رأسه وهو ينظر إلى الطبق أمامه كأنه يتذكر شيئًا: ـ لقد سمعت عنهم فقط، لا غير، قال وهو يرفع رأسه.
أحس يوسافير ويوراي بشيء غريب، لكن لم يتكلما. ـ لكن أبي، لا أظنك ذكرت هذا لي من قبل. ـ لن ينفعك بشيء إن أخبرتك. نظف الرجل حلقه ثم أكمل كلامه وهو ينظر إلى يوسافير: ـ أيها الصبي، لقد فعلتم شيئًا خاطئًا بأسر ذلك الرجل، أنتم لا تعرفون كم هم متوحشون.
أظهر وجه يوسافير ملامح لا مبالاة: ـ سنهتم بأمورنا، لا تقلق.
حدّق الأب طويلًا بيوسافير، ثم تمتم في نفسه: ـ "هذا الشاب... وكأنني رأيته من قبل." حاول التذكر، لكنه لم يستطع.
واصل هيلمو كلامه دون توقف، وأكثر ما تحدث عنه كان الثوّار، فقد أعجب بهم كثيرًا. ابتسم الأب وهو يرى ابنه مستمتعًا بالكلام، لطالما رآه حزينًا في معظم الأوقات.
انتهوا من الطعام، ولم يبقَ على الطاولة سوى العظام وبعض الخضار وبقايا الصلصات. تنهد يوسافير قليلًا ثم ضرب على بطنه المنتفخة: ـ "الحمد لله."
ـ هل أعجبك الطعام؟ سأل هيلمو مبتسمًا. تجشأ يوسافير وهمس بصوت عالي لقد كان رائعًا، أنت جيد في إعداد الطعام يا فتى.
سعل يوراي قليلًا ووضع يده أمام فمه، ثم نظر إلى والد هيلمو وسأله: ـ هل يمكنك إخبارنا عن المصانع ومن يديرها؟
فكر الرجل بصمت وهو يحدق في يوراي، ثم تنهد وقال: ـ لقد أخبركم هيلمو أننا نعمل في المصانع وحكى لكم القصة من البداية.
هز يوراي رأسه نعم، لكن ما لا نعرفه هو ما الذي يتم صنعه هناك؟
شبك الرجل يديه على صدره، وقال متسائلًا: ـ من أين أبدأ؟ رفع رأسه ونظر إليهما: ـ يحتوي مكان العمل على مصنعين متوسطي الحجم، وينقسم العمال إلى فريقين: فريق يعمل خارج المصانع، وآخر داخلها. أما ما يتم صنعه داخل المصانع، فهي حجارة بنفسجية يتم استخراجها من أحد الكهوف. تُغسل وتُنشف وتُطحن... لكل عامل دوره: هناك من ينقب عنها، وهناك من يغسلها، وهناك من ينشفها. وفي النهاية تُنقل إلى غرفة كبيرة، وهناك... لا نعلم ماذا يحدث. يدخلها أشخاص بملابس غريبة ويخرجون منها باستمرار.
فكر يوراي قليلًا في الحجر، لكنه صمت.
ـ وماذا عن المسؤولين عن المصنعين؟ سأل يوسافير. ـ لا نعلم شيئًا، نحن نعمل فقط ولا نتكلم.
ـ هل القرية بأكملها تعمل؟ لأننا عندما دخلناها كانت خالية.
ـ لا، الكل يعمل ما عدا فرد واحد من كل بيت يبقى في القرية، وذلك كان بناءً على اتفاق مسبق.
تدخل هيلمو قائلًا: ـ أنا وأشخاص آخرون في مثل عمري لا نجلس فقط ونشاهد أهل القرية يعانون، بل نخرج كل يوم بحجة الصيد بحثًا عن طريق للخروج من القرية، ونحن نحرز تقدمًا.
ـ لكن ألا تتم ملاحظتكم؟
ابتسم هيلمو بخبث: ـ لا، نحن نعرف أماكن تواجد كل مشرف، يمكنني المرور بجانبه دون أن يلاحظني.
ـ والطريق الرئيسي؟ سأل يوراي.
ـ الطريق الرئيسي محروس جيدًا، لن يتمكن أحد من الهروب منه، أجاب بخيبة.
ــــ
خارج البيت، كانت الرياح تصفر بين الأشجار، وغيوم سوداء تقترب من قمم الجبال البعيدة، وفي ظلال الغابة ظهرت عيون تتلألأ تراقب المكان...
نهاية الفصل.