"هل تسمعني جيدًا؟" تساءل شخص يرتدي ملابس بيضاء مخططة بالأسود، وهو يحمل زهرة دوار الشمس في يده.

جاء صوت من خلال الزهرة:

ـ نعم، أسمعك جيدًا. ماذا هناك؟ هل وجدته؟

ـ نعم، إنه مربوط حول شجرة أمام منزل في القرية. عندما اقتربت قليلًا، وجدت غريبين داخل ذلك المنزل. لم أرد التحرك إلا بعد أن نستشير القائد.

ـ هل أنت متأكد أنهم غرباء؟

ـ نعم، أؤكد ذلك.

ـ جيد جدًا، سأتحدث مع الزعيم، وسنرى ماذا يقرر.

ـــــ

داخل المنزل، كان البقية لا يزالون يتكلمون حول طاولة الطعام المملوءة بالبقايا التي كان يحمل هيلمو بعضَها ويقوم برميه إلى فأرٍ صغير رمادي اللون بشَعرٍ كثيف.

ـ بالمناسبة، هل أنتما الاثنان فقط تعيشان في هذا المنزل؟ سأل يوراي.

ردّ هيلمو وهو يرمي قطعة نحو الفأر: نعم، نحن الاثنان فقط.

ـ ووالدتك؟ سأل يوراي مرة أخرى.

حملت كلمات هيلمو بعض الحزن:

ـ والدتي توفيت منذ أن كنت طفلًا، أنا لم أرها من قبل.

ارتعش الرجل وتغير تعبيره عند سماع كلمات ابنه.

لكن يوسافير ويوراي لم يفوّتا ذلك ولاحظاه جيدًا.

سأل يوسافير مركزًا على وجه الرجل:

ـ كيف توفيت؟ ومتى؟

كان وجه الرجل موجهًا إلى طاولة الطعام، حزينًا وكأنه يتذكر شيئًا ما. لم يرَ أن يوسافير ويوراي يراقبان تعابير وجهه.

وضع هيلمو يده حول ذقنه وهو ينظر إلى الأعلى:

ـ أظن أنها مرضت ثم توفيت، هذا ما أخبرني عنه والدي، أليس كذلك؟

توجّهت عينا هيلمو إلى أبيه.

ارتجف الرجل ورفع رأسه بابتسامة ممثل:

ـ نعم، ذلك ما في الموضوع.

ـ أيها العم، هل هناك شيء ما؟ سأل يوسافير بجدية.

نظر هيلمو إلى يوسافير حينما سمع نبرته الغريبة، ثم وجّه وجهه إلى أبيه.

تساءل الرجل بارتباك:

ـ ماذا هناك؟ ليس هناك شيء.

ابتسم يوسافير ولم يقل شيئًا، لقد عرف أن الرجل يُخفي أمرًا ما.

لقد مرّ يوسافير بالكثير واختبر أشياء أكثر حتى من الرجل الجالس أمامه، رغم أنه كان في الجزيرة منذ صغره، إلا أن تجاربه اللامتناهية في كوابيسه جعلته كأنه عاش حياة الكثير من الناس.

أراد أن يسأل أكثر، لكنه وجد ذلك محرجًا. لقد التقى بالرجل لتوه، فكيف يسأله وهو لا يريد التحدث؟ لكن ما قاله كان فقط لينبه هيلمو.

إلا أن هيلمو كان ذكيًا، لمح شيئًا من كلام يوسافير وتعابير وجه والده.

نظر نحو أبيه مطولًا، الذي بدا وأن يده ترتجف.

ـ أبي، ماذا هناك؟ هل تُخفي على ابنك شيئًا بخصوص الأم؟

رعشة صعدت في يدي الرجل أكثر، ثم نظر نحو يوسافير المبتسم، لقد فهم الموضوع.

ضغط الرجل على أسنانه وعدّل جلسته وهو يحدق بعيني ابنه، كان مترددًا، تذكّر الماضي الذي طالما أراد الهروب منه.

ـ من أين أبدأ؟ هذه قصة طويلة جدًا، لم أخبرك لأني خفت أن تكرهني...

انحنى الرجل مرة أخرى وكأنه يستحي من النظر إلى وجه ابنه.

ـ في الحقيقة، نحن لسنا من هذه القرية، ولسنا من هذه القارة أصلًا. لقد جئنا إلى هذا المكان قبل ثلاث عشر عامًا، كان عمرك حينها أربع سنوات، لذلك لم تتذكر.

اندهش هيلمو وهو ينظر إلى وجه أبيه، أما يوسافير ويوراي فكانت تعابيرهما طبيعية يستمعان إلى قصة الرجل.

ما جعل الرجل يتكلم عن هذا الأمر ليس لأن يوسافير اشتبه بشيء أو أن ابنه سأله، بل لأنه كان سيخبره عاجلًا أم آجلًا.

لقد كانت كلمات يوسافير فقط الشعلة التي أنارت الطريق.

ـ أما بخصوص أمك، فهي لم تمت كما أخبرتك، لكنها سُجنت من قِبل عائلتها.

نبض قلب هيلمو بدأ يضرب بسرعة بعد سماع كلمات أبيه.

ـ عائلة أمك ليسوا أشخاصًا عاديين، فهم مثل هذا الشاب، "ممسوسون"، قال وهو يشير نحو يوسافير.

كان هيلمو مصدومًا للغاية وهو يستمع.

تغيّر تعبير كل من يوراي ويوسافير بعد سماع الرجل يحكي قصته.

ـ في الأصل، كنت تاجرًا أعمل مع والدي في إحدى الممالك في قارة أخرى.

كان لدينا العديد من المتاجر التي نبيع فيها مختلف الأشياء، ومن ضمنها الملابس.

التقيتُ أمك لأول مرة داخل أحد متاجرنا، أعجبت امك بالملابس التي نبيعها. بعد ذلك كانت تأتي كل ثلاثة أيام لأخذ ملابس جديدة.

هكذا تعرفتُ عليها وتطورت علاقتنا التي كانت تخفيها عن عائلتها.

بعد ذلك تزوجتُ بها دون علم عائلتها، كان الشاهد الوحيد أختها. لم أرد ذلك، لكنها أصرت لكي تفاجئهم بزواجنا ولا يرفضوني.

لقد أحببتها كثيرًا، وهي أيضًا أحبتني.

ساعدتنا أختها الكبرى، التي هي خالتك.

كانت أمك تعرف أهلها جيدًا، وتعرف والدها، ولم ترد إخبارهم بزواجنا. كانت تأتي كل يوم بحجةٍ ما.

بعد زواجنا الذي لم تُفصح عنه، مرت أيام، وعندما رأت بطنها ينتفخ قليلًا أحست بالقلق، لكنها بسرعة فكرت بخطة، ادّعت بأنها ستذهب لقضاء عطلة عند أختها التي تسكن في مملكة أخرى، لكنها جاءت إليّ بعد تعاونها مع أختها.

مكثت قرابة ثلاثة أشهر معي دون الخروج من المنزل حتى رزقنا بطفل، وهذا الطفل كان أنت.

البيت الذي كنا نقطنه كان منزلي، لأني لم أكن أقطن مع عائلتي.

في ذلك الوقت قالت: "هذا هو الوقت المناسب لإخبار عائلتي".

لكن أختها أخبرتها بالانتظار حتى تصل.

انتظرنا لأسبوع كامل، وصلت أختها مع طفلة في يديها، كانت أكبر منك بأشهر قليلة.

ازداد توتر الرجل وهو يتكلم دون انقطاع وبنفسٍ واحد، وثلاثتهم كانوا يصغون إليه.

كانت الإضاءة خافتة، ولا يُسمع سوى صوت الرجل الذي بدا وكأنه يحكي قصة خيالية وصوت دقات قلب هيلمو المتتابعة.

ـ وصلنا نحن الثلاثة إلى منزل أمك، الذي كان كبيرًا للغاية. لم أره من قبل لأنه خارج العاصمة.

تفاجأ الجميع، وغضب أبوها حتى وصل غضبه عنان السماء. كنت خائفًا للغاية، لكنها طمأنتني حين كانت تمسكك بيدٍ ويدها الأخرى تمسكني بها. لا زلت أتذكر كلماتها ذلك اليوم:

ـ "لا تقلق، أنا معك."

طوال هذه السنين، تلك الكلمات لا تزال ترن في رأسي.

تقدمت أختها الكبرى مدافعةً عنا، لطالما كانت واقفة معنا، ونحن لم نفعل شيئًا خاطئًا، أحببنا بعضنا وتزوجنا.

أهل أمك لم يرضوا بزواجي بها لأني من عامة الناس.

قاموا بإخفاء الأمر، وغيّروا منزلنا الذي كان خارج العاصمة وبعيدًا قليلًا عن عائلتها.

عشنا لمدة أربع سنوات منقطعين عن العالم الخارجي، لم أعمل في تلك السنوات الأربع، كل ما نحتاجه كان يأتي إلينا. كانت أيامًا سعيدة نعيشها معًا.

وفي بعض الأحيان كانت تأتي خالتك مع ابنتها الصغيرة، كنت تفرح كثيرًا وتريد فقط اللعب مع تلك الفتاة، لكنها كانت دائمة العبوس، حتى أمها قالت إنها لم تبتسم يومًا قط، كانت غريبة شيئًا ما.

مرت تلك السنوات حتى تغيرت حياتنا في أحد الأيام.

أتى أشخاص ملثمون واقتحموا المنزل وقاموا بأَسري أنا وأنت، أما أمك فقد أُخذت من قبل جدك الذي كان ينظر إلينا من بعيد.

لم أعرف أين يأخذوننا، لكن سمعت اثنين يتكلمان عن مكان قتلنا، فارتعبت وخفت عليك كثيرًا.

لم أجد شيئًا أفعله لمدة أربعة أيام، لكن ذات يوم أرسلت أمك شخصًا قام بتحريرنا، ومع ذلك الرجل كانت رسالة تخبرني بأخذك والرحيل بعيدًا.

كل ما كان يهمها هو إنقاذك وإنقاذي.

هربنا، لكن تمت ملاحقتنا.

أما سبب وجودنا في هذه القارة فكان شيئًا لم أضرب له حسابًا. عندما كانت تتم ملاحقتنا، صعدتُ إلى سفينة تابعة لأحد التجار كانت تستعد للإقلاع.

لا أعلم، لكن فور ما صعدنا إلى السفينة، سمعنا أصوات انفجارات.

بعد ذلك أقلعت السفينة بسرعة، مرت خمسة أيام ونحن داخلها مختبئين. اكثر ما ألمني في ذلك الوقت هو صوت بطنك الذي يإن بالجوع.

وصلت السفينة إلى وجهتها، وشعرت بأنها توقفت.

خرجنا منها خفية، فوجدنا أنفسنا في عاصمة مملكة "أوسان حجر".

مملكة أوسان هي أكبر مملكة في هذه القارة، وعاصمتها حجر ضخمة للغاية.

لم أرد البقاء هناك، لم تُعجبني الأوضاع، كنت خائفًا للغاية، لهذا غادرتها.

تذكر كل من يوسافير ويوراي كلام الجد عندما أخبرهما بالذهاب إلى مملكة أوسان والبحث عن لاردور.

مررنا بمملكتين نسيت اسميهما عبر القطار، ووجدت نفسي في مملكة راندور، وأيضًا لم أرد البقاء في العاصمة، فغادرتها حتى وجدت نفسي في هذه الغابة وإلى هذه القرية.

أُعجبت بالقرية لأنها متخفية في الغابة، فاستقررنا فيها واستقبلنا زعيمها بصدرٍ رحب.

مرت سنوات دون مشاكل، حتى جاء ذلك اليوم حين جاء أولئك الغرباء.

في الأصل كنا سنعيش هنا لسنوات قليلة، وعندما تكبر سنرجع للبحث عن أمك وجمع شملنا، لكن أنت ترى ماذا حلّ بنا...

طأطأ الرجل رأسه ودموع تنهمر من عينيه قطرات على طاولة طعام:

ـ آسف... آسف لأني لم أخبرك مبكرًا، آسف لأني أخفيت ذلك، آسف لأني لم أعطك تلك الحياة السعيدة التي تحلم بها... آسف، أنا حقًا آسف.

وقف هيلمو دون أن يشعر، وتقدم نحو أبيه، انحنى وقبّل رأسه ودموعه متلألئة على خديه، ثم عانقه.

ـ لا تقلق، لقد فعلت كل شيء من أجلي، ولقد فعلت كل ما بوسعك.

ـــــ

في غرفة واسعة مظلمة بعض الشيء، جلس رجل في منتصف العمر على كرسي جلدي أسود بسترة خضراء داكنة مجعدة، مقفلة بأصداف بيضاء، وبنطالٍ أخضر أيضًا.

أرجع شعره البني إلى الوراء، مظهرًا حاجبيه الكثيفين ونظاراته السوداء التي تعكس الشاشات الكبيرة أمامه، والتي تعطي الغرفة بعض الإضاءة الخافتة.

كان يستمع لرجل خلفه مثني الركبة على الأرض، بملابس بيضاء مخططة بالأسود.

استدار الرجل مع الكرسي ثم قال بصوت خشن:

ـ اذهب وأحضرْهما إلى هنا فورًا، وخذ معك خمسة أشخاص آخرين. سبعة بكم ستكونون قادرين عليهم، أليس كذلك؟

ـ نعم، سيدي، أجاب الآخر.

ثم لوّح الرجل بيده وكأنه يهش بها على ذباب.

في تلك اللحظة وقف الرجل وانحنى وخرج مسرعًا.

بعد خروجه، وقف القائد وهو ينظر إلى الشاشات، وابتسم ابتسامة خبيثة:

ـ لقد مرّ وقت طويل منذ أن دخل شخصٌ إلى هذه الغابة.

نهاية الفصل.

شيء ما سيحدث!

2025/11/27 · 18 مشاهدة · 1429 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026