بعد مدة، خرج يوسافير ويوراي أمام المنزل، تاركَيْن خلفهما الأبَ وابنه يتحدثان بارتياحٍ تام.
كان الليل قد حلّ بالفعل، والقرية الآن مكتظّة بالناس. لم ينتبه أحد ليوسافير ويوراي، لأن الإضاءة في القرية كانت خافتة. حتى الرجل المربوط لم يُرَ، وإلا لعمّت القرية ضجّة كبيرة.
لكن الرجل لم يعد في مكانه؛ إذ تمّ حلّ وثاقه وغادر.
نظر يوسافير إلى الحبل المقطوع، ثم إلى يوراي بابتسامةٍ خفيفة على وجهه قائلًا:
ـ "يبدو أننا سنعيش ليلةً طويلة."
رفع يوراي يده إلى السماء مشبكًا أصابعه، فصدرت فرقعةٌ خفيفة، ثم قال بابتسامة:
ـ " نعم ستكون طويلة جدا، وعظام جسدي لم تتحرك منذ مدة طويلة."
في الوقت نفسه، وبعد انتهاء الأب وابنه من الحديث، قال الأب:
ـ "هيلمو، الماء لم يتبقَّ منه شيء، اذهب وأحضِر بعضه من البئر."
ـ "حسنًا." أجابه هيلمو وهو يومئ برأسه.
نهض هيلمو من على الطاولة، ومشى نحو الغرفة ليُخرج جَرّةً كبيرة، ثم خرج من المنزل، حيث وجد يوسافير ويوراي واقفَيْن ينظران إلى القرية. نظر إلى جانبه فلم يجد الرجل المربوط، فتعجب وشعر بالقلق، ثم شهق بصوتٍ خافت:
ـ "أين الرجل؟"
أجابه يوراي:
ـ "لقد قاموا بتهريبه."
ظهر الخوف على وجه هيلمو:
ـ "لا بد أنهم يعرفون بخصوصكم... ماذا ستفعلون؟"
تمتم يوسافير بصوتٍ خافت:
ـ "ليس هناك ما نفعله... سننتظرهم حتى يأتوا، وإن لم يأتوا... سنذهب إليهم."
ـ "ستذهبون إليهم؟ لماذا؟" تعجب هيلمو.
ـ "لنقطف بعض الأعشاب الضارة." قالها يوسافير وهو يتفحّص الناس الذين يسيرون في الطريق.
تمتم هيلمو في نفسه: ماذا يقول هذا المجنون؟ أعشاب ضارة؟
لكنه لم يُعلّق، فقد عرف أن هذين الاثنين قويان وغير طبيعيين بالمرة بعد أن رأى الرجل يجرّ بالسلسلة السوداء من قبل.
ـ "هل تذهبان معي لأحضِر بعض الماء؟"
ـ "من أين ستأتي بالماء؟" سأل يوراي.
ـ "من البئر." ردّ هيلمو.
هزّ الاثنان رأسيهما موافقَيْن.
ـ "وأين يوجد البئر؟"
ـ "إنه في وسط القرية، قرب بيت الرئيس."
حسنا.
مرّ الثلاثة في صفٍّ واحد بين المنازل المتلاصقة، بينما تفوح رائحة الطعام الخارجة من النوافذ. كانت القرية هذه المرة تعجّ بالحركة، بخلاف الوقت السابق حين بدت كقرية أشباح.
ترامت النظرات عليهم، وبدأ الناس يتهامسون حتى الأطفال الذين كانوا يركضون ويلعبون توقفوا، وبدؤوا يحدقون بهم، أصبح الجو متوترًا قليلًا.
قال هيلمو:
ـ "الناس في القرية لم يروا غرباء منذ مدة طويلة، طبيعي أن ينظروا إليكم هكذا، لا تقلقوا."
ـ "ومن قال لك إننا نهتم بنظراتهم؟" ردّ يوسافير.
قال يوراي:
ـ "لديّ سؤال يا هيلمو."
ـ "ما هو؟" ردّ بفضول.
ـ "الأطفال، عندما يذهب آباؤهم إلى العمل، أين يذهبون؟"
ـ "إنهم يرافقون أهلهم إلى المصانع، لكنهم يبقون خارجها في مكانٍ يُدعى إسطبل الأحصنة. هناك حضّر أهل القرية مكانًا لكي يلعب أبناؤهم معًا، وأثناء الغداء يخرج الآباء ليأكلوا مع أبنائهم، ثم يعودون للعمل بينما يعود الأطفال للعب، وهكذا حتى غروب الشمس."
ـ "لأن هذا كان بناءً على طلب أهل القرية. لم يوافقوا عليه في البداية، لكن بعد مدة وافقوا."
ـ "لهذا لم نرَ أحدًا من قبل." قال يوراي.
ـ "هذا طبيعي، ومن سيبقى مع الأطفال إن كان الآباء في العمل؟"
وبينما يتحدثون، وصلوا إلى البئر، حيث كانت مجموعة كبيرة من الناس مجتمعة حوله، وآخرون يجلسون أمام منازلهم.
ترثرة....ترثرة....
بدأ الهمس يتصاعد:
ـ "من هؤلاء؟
من هؤلاء بجانب هيلمو؟
هل أتوا من خارج الغابة؟
كيف وصلوا إلى هنا؟"
في داخل أحد البيوت، كان عجوز يستريح في مكانه. فجأة، سمع صوتًا مرتفعًا في الخارج، فتمتم باستغراب وهو يحدق في مرآةٍ عجوز أمامه:
ـ "ما الذي يحدث؟"
تعجبت المرأة التي كانت تجمع بقايا الطعام من على الطاولة، ثم ذهبت إلى النافذة، لكنها عادت وقالت:
ـ "لم أَرَ شيئًا، فظلامٌ في الخارج."
وقف العجوز من على سريره، ومشى على الأرضية الخشبية، وارتدى حذاءه الجلدي وسترةً قماشية بيضاء، وخرج بخطواتٍ بطيئة إلى الخارج.
فتح الباب بقوة:
ـ "ما الذي يحدث؟ ما كل هذا الصياح؟"
وقعت نظرات العجوز على الأهالي، فصمت الجميع. تجولت عيناه بينهم حتى وقعت على هيلمو والشخصين اللذين معه، فحدق فيهما مطولًا، ثم نادى:
ـ "هيلمو، تعال إلى هنا."
تقدّم هيلمو نحوه حاملاً جَرّته، ولما وصل، قال وهو ينحني:
ـ "تحياتي، زعيم القرية."
سأله العجوز مباشرة، مشيرًا بيده:
ـ "من هذان؟"
نظر هيلمو إلى يوسافير ويوراي، ثم أجاب عن كل شيء، ما عدا حادثة الرجل والسلسلة السوداء، فلم يذكرها.
رفع العجوز حاجبه الأبيض وهو يحدق بهما، ثم قال:
ـ "تعالوا."
في تلك اللحظة، هبّت ريح قوية جعلت الأشجار تتمايل وكأنها على وشك الانكسار، مع قطرات مطرٍ باردة ضعيفة. تحرك شعر يوراي ويوسافير بعشوائية وهما يتقدمان نحو العجوز.
ما إن وصلوا حتى سأل:
ـ "هل أنتم من خارج الغابة؟"
ـ "نعم، ونحن متجهون إلى راندور العاصمة." أجاب يوسافير.
كان لدى العجوز الكثير من الأسئلة، لكنه لم يعرف من أين يبدأ.
ـ "هل تعرفون سبب عدم توجه الناس إلى هذه الغابة؟"
روى له يوسافير كل شيء عن الأخبار الرائجة حول الغابة.
تجهم وجه العجوز، وظهرت عليه علامات الغضب، وقبض على يده:
ـ "تبا لهم... تبا للأوغاد، يبدو أن كل شيء كان مخططًا له!"
ـ "إذاً لماذا لم يتدخل الجيش؟" سأل العجوز.
ـ "إن كنت تنتظر الجيش ليحرركم من هذه الكارثة، فأنتم ستمكثون هنا إلى الأبد." قالها يوسافير بسخريةٍ هادئة.
ـ "ولماذا؟" تغيّرت نبرة العجوز.
ـ "هل تظن أن الجيش لا يعرف؟" ظهرت خيبة أملٍ على وجه يوسافير، ثم صمت ونظر جانبًا إلى الأشجار التي كانت تهتز بقوة.
اشتدت الرياح، وضيق العجوز عينيه وهو ينظر إلى وجه يوسافير. لاحظ الأخير نظراته، فتغيّرت ملامحه. ما كان يحدق فيه العجوز هو نقطة سوداء فوق حاجب يوسافير الأيسر. حركت الرياح خصلات شعره الأخرى، فكشفت عن نقطةٍ ثانية فوقها.
اتسعت عينا العجوز وكأنه تذكّر شيئًا قديمًا:
ـ "غير ممكن... لا يمكن أن تكون صدفة!" تمتم في نفسه.
قال يوسافير بانزعاج:
ـ "ما بالك أيها العجوز؟"
لكن العجوز كان غارقًا في أفكاره: هل يُعقل أن هذا الفتى هو نفسه الذي رأيته قبل سبعة عشر عامًا؟
لم ينتبه إلا بعد أن لمسه هيلمو على كتفه:
ـ "أيها العجوز!"
ـ "آه، آسف، لقد شردت قليلًا."
ثم سأل فجأة:
ـ "كيف حال العجوز؟"
تفاجأ يوسافير ويوراي من سؤاله.
ـ "أيّ عجوز تقصد؟"
ـ "أتحدث عن أديلايد."
تبادل يوسافير ويوراي النظرات بدهشة، فهذا هو اسم العجوز الذي يعرفانه.
سأل يوسافير بارتباك:
ـ "كيف تعرف أديلايد؟"
أجاب العجوز وهو يسترجع ذكرياته:
ـ "لقد أتى ذلك الرجل إلى هنا قبل ستة عشر عامًا تقريبًا، يحمل رضيعًا صغيرًا بين يديه. مكث ثلاثة أيام ثم غادر. قبل رحيله، أصرّ عليّ أن أغادر القرية أنا وسكانها، لكنه لم يشرح السبب، كان مستعجلاً."
نظر العجوز حوله، فرأى العيون مصوّبة نحوهم، والرياح تزداد شدة، فقال:
ـ "هيا، نكمل حديثنا في الداخل."
ولأن يوسافير كان فضوليًا، تبع العجوز دون أن يدري.
دخل الأربعة المنزل. قامت المرأة العجوز بتحيتهم، وجلسوا حول طاولةٍ مريحة. كان البيت مرتبًا، بستائر حمراء تغطي الأبواب، وفي وسطه طاولةٌ وخمس كراسٍ، وعلى الطاولة فِراءٌ ناعم وريش أبيض.
سأل يوسافير:
ـ "وماذا حدث بعد مغادرة أديلايد؟"
أجاب العجوز بأسى:
ـ "بعد رحيله، لم أرغب في المغادرة، لأن القرية كانت مزدهرة بالتجار والناس، وهذا ما ندمت عليه أكثر شيء في حياتي. بسببي عانى الكثير، وما زالوا يعانون."
ـ "هل كان العجوز برفقة أحد غيري؟" سأل يوسافير.
ردّ العجوز بينما يشرب من كوبٍ قربه:
ـ "لا، كنتَ وحدك حينها."
فجأة، تذكّر الرجل شيئًا، فنهض قائلًا:
ـ "انتظروا هنا."
دخل إحدى الغرف وبدأ يبحث، ثم خرج يحمل صندوقًا أسود معدنيًا مزخرفًا بأوراق الشجر، تعلوه علامة اللانهاية.
ـ "ما هذا؟" سأل يوسافير.
ـ "هذا أعطاني إياه أديلايد حين رفضت المغادرة، وأخبرني أنه شيء سيساعدني في حماية القرية. ثم انطلق مسرعًا واختفى بين الأشجار. لم أفهم كيف أستخدمه، ولم أستطع فتحه قط."
ـ "هل يمكنني فتحه؟" همس يوسافير ببطء.
ـ "أرجوك." قال العجوز.
"ثرثرة "
"وقع"وقع"وقع"وقع "
رفع يوسافير الصندوق وهمّ بفتحه، لكن قبل أن يفعل، سمعوا أصواتًا من الخارج، ضجيجًا ووقع حوافر خيولٍ توقفت أمام البيت.
طرق أحدهم الباب قائلاً:
ـ "سيدي، مشرفو المصانع هنا."
حدق العجوز في لاثنين.
بينما نظر يوسافير إلى يوراي وابتسم، ثم وضع الصندوق جانبًا.
وقف يوراي، وهمّ بالخروج هو وهيلمو. تحرك العجوز أيضًا ليلحق بهم، لكن يوسافير أوقفه، وأمسك يده، وتمتم له ببعض الكلمات، فتغير وجه العجوز.
ثم خرج الاربعة مجتمعين
نهاية.