خرج يوسافير من المنزل، فإذا بخمسة أحصنة سوداء واقفة أمامه. توقّف يوسافير بجانب يوراي وتبعه العجوز الذي بدا شارد الذهن.

«هل عليّ أن أثق بهذا الصبي؟ لكن ماذا لو كان مخطئًا، ماذا نفعل؟» فكر العجوز منكسرا.

على ظهور الأحصنة كان هناك سبعة أشخاص، ستة منهم ينظرون إلى كل من يوراي ويوسافير، أمّا السابع فكان فاقدًا للوعي أمام أحدهم.

كانت للأحصنة حوافر كبيرة وسروج بيضاء مخططة بالأسود، مشابه للملابس التي يرتديها السبعة.

كانت القرية في هذه اللحظة ممتلئة بأناس ينظرون من كل الاتجاهات.

خرج صوت أجش من رجل ضخم البنية ذي شارب أسود طويل، وهو يتباهى بنبرة مستبدة:

"أنتم هناك!" وأشار بأصبعه نحو يوسافير ويوراي. «ستذهبان معنا.»

في تلك اللحظة انتفض العجوز من شروده بعد أن بللته بعض قطرات المطر الباردة.

ثم قال: "هؤلاء ضيوفي، ما شأنكم بهم؟"

نظر الرجل ذو الشارب الطويل إلى العجوز بنظرة تهديد، ثم غلّف صوته بالبرود:

"ألْتَزِم الصمت أيها العجوز القذر. أتظن أننا نطلب إذنك لأخذهم؟"

حدّق يوسافير فيهم بابتسامة ماكرة، ثم تمتم بصوت خافت نحو زعيم القرية:

"سنكون بخير، لا تقلق. فقط افعل ما أخبرتك به."

تردد العجوز للحظة، ثم قال «هل أنت متأكد؟»

"أنا لا أمزح في هذه الأمور، أيها العجوز." أجاب يوسافير بكل جرأة.

انحنى احد الرجال الذي كان في الأمام وقال بصوت مرتفع."ما الذي تتمتمان به أنتما الاثنان؟ هيا تقدما، وإلا سنجركما حتى المصانع. كونوا مطيعين."

التوى وجه يوسافير لبرهة وهو يحدّق بعينين نائمتين وفم مقوّس للأسفل في الرجل الذي تكلم. حمل وجهه ازدراء خفيا لكلام الرجل لكن سرعان ما عدّله.

لاحظ الرجل تغيّر وجه يوسافير فرفع حاجبه قليلًا، مندهشًا:

"ماذا تفعل أيها الوغد؟"

لم يجب يوسافير على سؤاله، بينما سأل سؤالًا آخر:

"أين هو الطريق؟"

تبادل الرجال النظرات فيما بينهم بتعجّب، ثم انفجروا ضاحكين:

"ههههه!

الصبي المسكين يظن أننا سنذهب في نزهة!"

تعالت ضحكات بينهم.

"لا أعلم أي حيلة استخدمتم للقبض على ذلك الغبي، لكن كل شيء ستدفعون ثمنه عندما نصل."

ازدادت ضحكات الرجال، مع وجوه عبوسة من طرف أهالي القرية وكذلك هيلمو.

قبض هيلمو على يده:

"لعنة… لعنة! أنا سببهم. آسف… آسف لأني جلبتكم إلى هنا."

على الرغم من أن هيلمو شاهد يوسافير وهو يطيح بذلك الرجل بكل سهولة، إلا أن الخوف الذي تربّى في أهل هذه القرية منذ صغرهم فاق كل شيء.

يوسافير ولا يوراي لم ينطقا بكلمة، فقط مشيا للأمام وسط ثلاثة أحصنة في الأمام واثنين في الوراء.

بعد مرور بعض الوقت اختفوا من القرية بين الأشجار المنحنية تحت وطأة الرياح القوية.

كانت الغابة في هذه الساعة مظلمة جدًا، فقط إضاءة خافتة لشعلتين يحملهما رجلان: واحد في الأمام وواحد في الخلف.

"يا للمساكين، من أين أتوا؟ حظهم عاثر بدخولهم للغابة."

دارت مناقشات وتساؤلات بين الأهالي، لكن صوتًا جعلهم جميعًا يصمتون.

نادى العجوز على كل الأهالي وطلب من الجميع التجمع أمام بيته.

في الغابة، ساد قليل من الصمت بعد أن بدأ الاستهزاء على الشابين وسط المجموعة.

سمع يوسافير ويوراي جميع الكلمات الرديئة والبذيئة، لكنهما لم يهتما لأنهما يعرفان مصير هؤلاء الأشخاص.

أدار الرجل من الثلاثة في الأمام رأسه، ثم بدأ بالاستهزاء:

"ألم تسمعوا من قبل أن هناك قطاع طرق وثوار في هذه الغابة؟ ما الذي أتى بكم هنا؟"

لم يجب يوسافير، لكن ملامح وجهه كانت تتغير. لم تكن ملامح غضب ولا تغير نفسي، بل ملامح ازدراء جراء كلام هؤلاء الحمقى. لم يرَ أحد هذه الملامح بسبب الظلام.

"لماذا لا تتحدثون؟ هل أكل القط لسانكم؟"

"هاهاها..."

ضحك شخص آخر بصوت عالٍ:

"لا بد أنهم يرتجفون خوفًا، حتى الكلام لم يستطع الخروج من فمهم!"

"يا لحظكم العاثر… لن تخرجوا من هذه الغابة أبدًا. لن تروا العالم الخارجي مرة أخرى. ستعملون مثل الحيوانات كل يوم، لا حيلة لكم!"

"هيهي." قال آخر ساخراً. «لا تقلقوا، سنعاملكم بطريقة جيدة.»

بعد ما يقارب ساعة من الاستهزاء المتواصل، وصلوا أمام سور خشبي مرتفع مترين ونصف، وكان هناك باب كبير فتحه أحدهم ثم دخلوا إلى الداخل. هناك كان رجل في الخمسينات من عمره واقفًا أمام بيت من الخشب، يرتدي نفس الملابس التي يرتديها البقية، ويحمل شعلة في يده من زجاج وهو يبتسم.

"هؤلاء هم الأشخاص الذين ذهبتم لإحضارهم؟ يبدون صغارًا في السن. يا للأسف، سيضيع شبابهم في هذه المصانع."

"هل تشفق علينا أيها العجوز؟" قال يوسافير وفمه مقوّس للأعلى بابتسامة.

"هذه أول مرة أرى شخصًا في مأزق لكنه يبتسم! حقًا، أنت لا تعرف ما ينتظرك."

ضحك الرجل بصوت عالٍ، ومع هبوب الرياح المفاجئة دخلت ورقة شجر إلى حلقه.

"اكح… اكح…"

اختنق الرجل وبدأ يسعل بحدة.

«أكح.. اكح..»

"ما بالك أيها العجوز؟" سخر يوسافير. "هل أنت في مأزق؟"

بعد مدة قصيرة من السعال الحاد خرجت الورقة أخيرًا وسقطت مبللة بالبصاق. نظر الرجل بأعين قاتلة إلى يوسافير:

"هل أنت من فعل ذلك؟"

تساءل يوسافير بارتباك زائف:

"هل تظنني أنا من أمرت ذلك الشيء بدخول حلقك؟ هل تظنني أستطيع التحكم بالأشياء؟" سخر، ثم قال:

"يا للأسف… أتمنى لو كانت لدي هذه القدرة."

"ماذا تقول أيها الوغد؟!" ظهر الغضب على وجه الرجل وهو يمسك بحلقه ويهلث.

أدار يوسافير رأسه كأنه لا يهتم.

"أنت!" صرّ الرجل على أسنانه.

"هيه، توقف." نادى صاحب الشارب الطويل. "الزعيم ينتظرنا. هيا بنا."

نزل الجميع من على الأحصنة. حمل اثنان الشخص الفاقد للوعي وقالوا للبواب:

"اعتنِ بهذا الوغد ريثما يستيقظ."

أومأ البواب برأسه موافقًا، لكن نظراته كانت متركزة على يوسافير.

أكمل البقية طريقهم، حيث كانت المصانع قريبة، يمكن رؤيتها من مكانهم ذاك. بعد أن مشوا لبعض الوقت توقّف يوسافير، وضع يده على ذقنه وبدأ يفكر.

"هناك رائحة غريبة في هذا المكان."

فكّ الصمت الذي دام مدة طويلة، وقال يوراي:

"هذه ليست رائحة عادية."

توقف الرجال وهم يحدّقون في الاثنين يتكلمان:

"ماذا هناك؟ لما توقفتم؟"

ثم مدّ أحدهم يده لدفع يوسافير من ظهره، لكن قبل أن تصل يد الرجل إلى يوسافير—

"تششش!"

تدفقت دماء في الهواء من شدة الرياح، وتم طلاء الجميع ببقع دم.

ارتفعت ذراع في الهواء ثم سقطت على الأرض، والأصابع لا تزال تتحرك.

نظر الرجل إلى ذراعه المقطوعة، لم يفهم شيئًا، لكن صرخة مروعة انطلقت منه.

"واعععععععع."

نزعت يده من الكتف. كاد الرجل أن يسقط أرضًا وهو يصرخ، عندما تناثرت دماء مرة أخرى؛ هذه المرة غمرت الدماء وجوه الجميع.

تدفق دم من العنق مثل صنبور المياه، لأن الرأس لم يعد في مكانه. حلق عاليًا ثم سقط وبدأ يتدحرج حتى اصطدم بقدم أحد الرجال.

ندهش الرجال الخمسة الواقفين، والرعب في عيونهم. ما رأوه أرعبهم وجمّد الدماء في عروقهم. تراجعوا قليلًا إلى الوراء.

عظمة بيضاء طويلة تتلوى مثل الأفعى تخرج من معصم يوراي. رأس العظمة حاد للغاية.

شحب وجه الجميع، تسلّل برد إلى أسفل ظهورهم.

ماهذا...؟

أحدهم خانته قدمه وسقط أرضًا يرتجف.

طوال حياتهم في هذه الغابة لم يشاهدوا رعبًا مثل هذا.

ساد صمت أعقبه هبوب الرياح القوية، والأمطار التي أبت أن تنزل قبل مدة بدأت أخيرًا في الهطول، لتشهد على ما سيحدث في هذا المكان.

خرج صوت مرتجف من الرجل ذي الشارب:

"م… من أنتم؟" من انتم؟ كررها مرتين.

الرجل الذي خانته قدمه فقد عقله وهو ينظر إلى الرأس أمامه. حدقت عينان ميتتان في الرجل، فتح فمه ليصرخ، لكن عظمة اخترقت فمه وخرجت من وراء رأسه.

شحب وجه الجميع. دقات قلبهم بدأت تتسارع. الدماء داخل أوعيتهم الدموية شلال متدفق.

"بويق بويق..."

سقط البقية على ركبهم. لقد علموا أن لا مجال للهرب. لقد همس اسم واحد في عقولهم جميعا، هذا الاسم له ثقل في هذا العالم:

"ممسوس…"

"خوف…"

"ماذا يفعل ممسوس في هذه الغابة…؟"

تساؤل طرحه أحدهم، لكن جوابه أن العظمة اخترقت صدره من جهة قلبه. خرجت كمية كبيرة من الدم من فمه. رمق بعينيه وجه يوراي الذي كان لا يحمل ذرة من المشاعر بعينين مغلقتين، ثم سقط ميتًا.

«خوف..»

ازداد خوف البقية وبدأوا بالاعتذار عن الاستهزاء الذي خرج منهم في الطريق.

لكن يوراي غمغم بكلمات بالكاد تُسمع:

"هل تظن أني سأهتم بسخريات حشرات مثلكم؟ يمكنك أن تسخر مني متى ما أردت، هل سأهتم؟"

لكن قبل أن يكمل كلامه، مرت العظمة بشكل أفقي بسرعة فائقة، وانتزعت ما بقي من الرؤوس.

"لا داعي لتسمعوا المزيد."

نظر يوسافير باتجاهه:

"أيها الأحمق… لم تترك لي أحدًا."

«خوف…»

ظهرت ابتسامة على وجه يوراي:

"هناك المزيد في الداخل. يمكنك أن تقتل كما تريد."

تنهد يوسافير بهدوء بينما قطرات المطر تتسرب بين عينيه."حسنًا. أنا ساتوجه نحو المصنع في اليمين، وأنت الذي في الشمال."

كانت المصانع تبدو من الخارج صغيرة بعض الشيء، بألوان فضية ورمادية، بطابقين والعديد من النوافذ المشبّكة، تعلوها مدخنتان كبيرتان.

في الليل كانت المصانع هادئة، لم يسمع أحد ما حدث في الخارج لأن صوت الرياح أبى أن يوصل الصرخات إلى المصانع. كان أغلب المشرفين في هذا الوقت يستعدّون للنوم.

في غرفة مليئة بالشاشات كان الرجل لا يزال ينتظر مجموعة الرجال الذين أرسلهم خلف يوسافير ويوراي.

حمل وجه الرجل بعض العبوس:

"هؤلاء الأوغاد… لماذا تأخروا؟ ليس وكأن هناك شيئًا يفعلونه في هذا الليل… لقد جعلوني أنتظر هنا مثل الأبله. سيدفعون الثمن… دعهم يأتون أولًا."

«خوف...»

كان الرجل فاقدًا لشيء يسمى الصبر. فجأة بدأ يمسك قلبه وهو يلهث.

"ما الذي يحدث…؟ لماذا دقات قلبي تتسارع…؟"

أحو... أحو... أحو...

حتى التنفس أصبح صعبًا.

وقف الرجل وهو يمسك بصدره، ثم همّ بالخروج من الغرفة.

خرج الرجل من غرفته وبدأ يتمشى بخطوات متثاقلة وهو يمسك بصدره.

"دوم… دوم… دوم…"

لم يهدأ قلبه من التسارع.

كان الرواق الذي يتمشى فيه في كلتا جانبيه العديد من الغرف، وعلى كل باب لتلك الغرف كان نقش لشجرة باهتة غير ظاهرة بشكل كامل.

التفت الرجل قليلًا، فإذا بدرج يقود إلى الأعلى. بدأ يتسلقه.

ــــ

في هذه الأثناء كان شخصان في غرفة بسريرين بلون أصفر عليه بقع سوداء كنجوم، وكانا يستعدان للنوم.

تحدث أحدهم وهو ينظر نحو نافذة صغيرة كانت في أعلى الغرفة بينما هو مستلقٍ على سريره:

"هل سمعت صراخًا قبل لحظة؟"

رد الآخر وهو يرتب غطاء سريره:

"عن أي صراخ تتحدث؟ ألم ترَ الرياح القوية في الخارج؟ والمطر بدأ يهطل… لابد أنك سمعت صوت الرياح."

رست عين الرجل على النافذة وهو يتمتم في نفسه:

"أنا متأكد أني سمعت صراخًا…"

«خوف...»

سمع الشخص الآخر تمتمته:

"يبدو أن النوم بدأ يؤثر عليك. هيا هيا، اصمت ودعنا ننام… غدًا لدينا الكثير من العمل."

استلقى الرجل على سريره وسحب الغطاء فوق رأسه بعد أن قام بإطفاء الضوء.

ما إن تم إطفاء الضوء

"بام! بام! بام! بام!"

سمعت أربع دقات على باب الغرفة.

"من هذا الوغد الذي يطرق الباب في هذه اللحظة؟"

أزال الغطاء عنه وأشعل الضوء، بينما علت نظرات الغضب على وجهه. أمّا الشخص الآخر فلم يهتم بمن يطرق؛ أكمل استلقاءه وأدار وجهه نحو الجدار.

فتح الرجل الباب، ثم بغضب قال:

"من الذ....—"

لم يكمل الرجل جملته، لأن ما وجده أمام الباب يقشعر له البدن. بدأ الدم يتسرب حتى وصل إلى قدم الشخص الذي فتح الباب. كان ذلك دمًا مختلطًا بمادة سوداء.

من كان واقفًا أمام الرجل أرعبه:

عينان تشبهان عيني ضفدع تحدقان في الرجل. وجه مملوء بالبثور التي تفرز منها مادة سوداء لزجة.

فم بأسنان مثل المنشار مملوءة بالدماء، وبين تلك الأسنان عين شخص آخر الذي تم قتله من قبل الوحش.

كان أنف الوحش غير موجود، وفي يده نصف رأس يبرز منه مخ الضحية.

كان جسم الوحش بطنه في الأعلى وصدره في الأسفل قرب جذعه، ببشرة بيضاء مائلة للأخضر.

يدان عظميتان أعلى كتفه الأيسر. برزت عظمة غريبة. أمّا شعره فكان عبارة عن أغصان أشجار بيضاء.

وبجانب وجهه عظمة بيضاء تتلوى مثل أفعى قادمة من أسفل عموده الفقري عظمة رأسها حاد للغاية.

«خوف…»

نهاية الفصل

يا ترى… من هو هذا الشخص؟

2025/11/27 · 13 مشاهدة · 1757 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026