بعد أن وصل الصبي إلى النهر، كان الوقت حينها عند ظهيرة الشمس فوق رأسه، لكن الأشجار الخضراء الطويلة تمنع أشعتها إلا ما تسرّب بين الأغصان أو الأوراق الخضراء.
كان النهر صافياً بحيث قاع النهر يمكن رؤيته ورؤية أسماك السلمون الحمراء تندفع ضد التيار.
أصوات الطيور الذي تغرد بألحان متناغمة وأصوات الحشرات التي تصدر طنينا خافتا مع خرير المياه الذي زاد المكان السكينة.
ابتسم الصبي بعد أن وضع صنارة الصيد والدلو المصنوع من القصب على الأرض، أمسك بخصره وتراجع بظهره للوراء ورأسه مرفوع للسماء، ثم استنشق الهواء بقوة: "هيييييييه"، ثم "زفييييير".
براق براق.
رفع يديه نحو السماء وفرقعهما، ثم نظر إلى الصنارة.
لديَّ الآن الصنارة، لكن أحتاج لبعض الطعم.
تأمل الصبي في الغابة خلفه، كانت كثيفة جداً. بدأ يمشي نحو الجانب ويبحث حتى وجد شجرة عملاقة، لكن نصف جذعها ميت. تأمل فيها للحظة ثم ابتسم.
لقد وجدت الطعم.
وقف أمام الشجرة ولمسها بيده.
إنها سميكة، أمممم، يبدو أنني سأحتاج بعض الحجارة الحادة.
تراجع دارف قليلاً، ثم بدأ يبحث عن حجارة تكون حادة لكي يحفر داخل الشجرة الميتة.
وبعد البحث لفترة، تمكن من إيجاد حجر سوداء طويلة قليلاً لكنها حادة، كانت أكبر من يده بقليل.
تراجع نحو الشجرة ووقف أمامها مرة أخرى، ثم بدأ يبحث عن حفر صغيرة بعينيه السوداوين.
ها هي ذا.
ابتسم بعد أن رأى حفرة صغيرة تتسع للإصبع الصغير من يده صغيرة، ثم بدأ يحفر من تلك الحفرة الصغيرة.
بعد إزالة بعض القشور لتلك الشجرة الميتة، لمح دارف القليل من جسم دودة لونها أصفر باهت.
كانت هذه دودة اسمها "دودة المنشار".
بعد أن قام بنزع القليل من القشور، ظهر جسمها كامل. أمسك بها ثم وضعها أمام عينيه، تأمل فيها بعض الوقت.
آسف أيتها الدودة، ستكونين طعماً للأسماك هذا اليوم. إن رأيتك مرة أخرى لن ألمسك.
ثم قام بوضعها في جيبه وبدأ يبحث مرة أخرى. وهكذا، بعد مرور بعض الوقت، وجد كمية كبيرة من دودة المنشار.
بعد ذلك توجه إلى النهر، وحمل صنارته. مد يده نحو جيبه وأخرج دودة صغيرة وضعها في خطاف الصنارة، ثم:
فيووووو… تبوب.
وقعت الدودة في النهر.
كان تركيز الصبي كله على الطعم التي كانت تسبح نحو الأعلى تريد الخروج من النهر، لكن دون جدوى.
وكانت محاولة دودة لصعود كافياً لجذب العديد من أسماك السلمون التي استشعرت تذبذبات حركاتها.
ارتسمت على وجه الصبي ابتسامة عندما شاهد لوناً أحمر تحت الماء يقترب من طُعمه.
كان ذلك اللون الأحمر هو سمكة السلمون المشهورة.
بسرعة خاطفة تم قضم الطعم، لكن ردة فعل دارف كانت سريعة أيضاً، لمحة من الجدية ظهرت على وجهه بينما قطرات العرق تتكون على جبينه.
رفع الصنارة عالياً، لكن دون جدوى. الطعم تم أخذه، والصنارة ارتفعت خاوية.
هذا صعب جداً، لكن هذا ما يجعل الصيد ممتعاً. لن يكون الأمر ممتعاً إن أمسكت بها منذ البداية.
رمى الصبي الصنارة مرة أخرى. بعد برهة رفعها، لكن مرة أخرى دون جدوى.
وهكذا، تَصمَّر دارف في مكانه، وبعد مدة قصيرة رفع صنارته وهو مخرج لسانه من شدة التركيز. لكن هذه المرة كانت الصنارة ثقيلة نوعاً ما.
ارتفعت سمكة حمراء تتلوى يميناً ويساراً تريد النجاة بحياتها، لكن أين المفر؟ لقد تم غرس الخطاف داخل فمها.
أمسك دارف السمكة الحمراء والابتسامة مخلوطة بالعرق الذي ينزل من وجهه.
وأخيراً السمكة الأولى.
نزع دارف الخطاف من فمها، ثم وضعها في دلوه الأخضر، ثم أخرج دودة أخرى، وهكذا تكرر الأمر حتى مر الوقت.
وبعد عشية مليئة بالصيد الوفير، قرر دارف العودة للقرية.
وضع الصبي آخر سمكة في دلوه القصبي الذي بدا ممتلئاً بالسمك الأحمر.
فوووو… تنهد الصبي، ثم نظر نحو أعشاب طويلة على جانبه الأيمن، ثم ذهب نحوها وبدأ يقتلع فقط أوراقها الخضراء.
وبعد اقتلاع بعضها غمرها بالماء البارد من النهر، بعد ذلك وضعها فوق الأسماك لتبقى طرية.
حمل دلوه في يد وصنارة في يده الأخرى، ثم همَّ الصبي بالعودة إلى القرية.
كان دارف يمشي بخطوات متثاقلة، وجهه الصغير الطفولي يحمل ملامح التعب، وشعره الأشقر تتلاعب به الرياح.
من بعيد، دخلت رائحة دخان إلى أنف دارف، الذي التفت نحو جانبيه لكنه لم يرَ شيئاً.
هناك شيء يحترق، لكن لا أرى شيئاً… هذا غريب.
رفع دارف رأسه نحو السماء التي بدأت تظلم بسبب غروب الشمس، وهناك لاحظ دخاناً رمادياً من بعيد.
إنه من القرية… هل يحرقون شيئاً؟ فكر الصبي في داخله.
بعد السير لبضع دقائق وصل دارف أمام مدخل القرية، توقف فجأة وسقطت الصنارة والدلو من يده.
أمامه كان مشهداً لم يكن ليتوقعه في حياته.ط، كانت النار أمامه تلتهم البيوت ببطء، ودخان يتصاعد من ركامها.
أول ما خرج من فم الصبي…
أبي… أمي…
بدأ الطفل يركض بين هذه المنازل المحترقة، هي والأشجار التي بجوانبها. صمت ثقيل مشحون بالوحدة والرعب. أينما نظر وهو يركض لا يرى سوى الخراب.
الحيوانات تحترق، والناس أيضاً لا يختلفون عن هذه الحيوانات. بعد جريه لبعض الوقت توقف.
هناك رأى الأطفال الذين كانوا يسخرون منه ملقَوْن على الأرض محترقين، أرواحهم غادرت منذ مدة طويلة.
الجثث متناثرة في كل مكان. رأى الأطفال، النساء، العجائز، والحيوانات.
أنين ارتفع بجانبه. التفت نحو الصوت، فإذا بحصان يفتح فمه ويغلقه، عيناه توسعتا بشكل غير طبيعي، ودموع تنزل منه حرقة، مضاءة باللهب الذي يأكل لحمه ببطء.
نزلت دموع الصبي. هو مصدوم حتى البكاء الذي خرج منه في الصباح بسبب بعض الفتيان… ها هو الآن أبى أن يخرج بسبب صدمة ما تراه عيناه. دموع تنزل، لكن أنينه لا يُسمع.
أكمل الصبي سيره، ودموع تنزل بغزارة، وفمه مسدود مغلق محكم الإغلاق.
لقد كان يخشى من شيء… تألم قلبه بشدة وهو يركض.
ما هي إلا دقائق حتى وصل إلى منزله الذي غادره هذا الصباح.
هناك أمام منزله، على شجرة، رأى ما مزق قلبه إلى أشلاء: والداه مصلوبان ومعلقان في الشجرة بجانب منزلهما المنهار، ومحاطان بنيران تأكل لحمهما ببطء شديد.
ودماء تغمر جسمهما… الذي متلأ بالجراح.
تجمد دارف في مكانه، وعيناه السوداوان كادتا أن تخرجا من مكانهما بسبب المشهد أمامه.
سقط الصبي على ركبتيه، وعيناه تعكسان النار التي تأكل جسم والديه. دموع لم تتوقف، بل ازدادت حدتها.
فجأة أخرج صوتاً بعد صمت دام لبعض الوقت منذ دخوله القرية…
لا لا لا لا لا… هذا غير صحيح. هذا لا يمكن… توقفوا أرجوكم… أنا لا أريد هذا.
أمي… أبي… توقفوا عن المزاح. ه… هذا مجرد تمثيل، أليس كذلك؟
أنتما تمزحان معي فقط…
كان صوت دارف يمتزج بدموعه البريئة النقية.
لماذا يحدث هذا لي؟ أنا… أنا لم أفعل شيئاً… أنا… أنا لم أفعل شيئاً خاطئاً…
لماذا هذا العالم يحاربني؟ لماذا هذا العالم قاسٍ معي؟
هيييق… هيييق… هيييق… هيييق…
بدأت شهقات تخرج ببطء من فمه.
فجأة:
وععاااااااااااااااا…
وععاااااااااااااااا…
وععااااااااااااااااااا…
أطلق الصبي صراخاً مروّعاً. لقد كان يتألم من الداخل… وأيُّ ألم هذا؟
وععاااااااااااا…
وععااااااااااااا…
ازدادت حدة بكاء الصغير على والديه، وفمه مفتوح عن آخره من قوة صراخه، حتى بعض الدماء بدأت تخرج من أذنه وأنفه.
تك تك تك تك…
فجأة، بين ظلال البيوت ظهر شكل أسود بالكامل. تقدم خلف الصبي.
سُمعت بعض الخطوات، لكن الفتى لم ينتبه لها أو لم يسمعها بسبب صراخه.
تقدم الشكل أكثر حتى وقف أمام الصبي مباشرة.
الصبي كان فمه مفتوحاً وعيناه مغلقتين، لكن ظل شكل الغامض غطى دارف.
ذلك الظل الذي غطى الطفل جعله يفتح عينيه، لكن صراخه لم يتوقف.
لم يميز دارف الظل جيداً، لأنه كله ظلام.
صوت خشن وخافت تسلل إلى مسامع الصبي رغم صراخه.
ذلك الصوت وتلك الكلمات كانت واضحة للطفل، لكن غير واضح لمن يعود. الصوت كان صوتاً مزعجاً للأذن.
أيها العين… وجدتك أخيراً… الآن ستتذوق موتاً أبشع ممن سبقوك.
ارتجف الطفل وتوقف عن الصراخ.
م… مَن أنت… هل… هل أنت من فعل هذا بوالديّ؟
الطفل لم يشعر بالخوف رغم رؤية الشكل الأسود أمامه.
عائلتك وجميع أهلك… قتلتهم بيدي.
خرج الصوت مرة أخرى… وهذا الصوت كان مزعجاً أيضاً.
اشتعلت النيران داخل قلب دارف، وهو يشد قبضته ويقف ببطء، عيناه الحادّتان برقتا ببريق حاد.
كيف… كيف تجرؤ أيها الوااااااااغد!!
صرخ دارف وهو يوجه قبضة نحو الشكل الأسود.
تباااااااا لك! بوم!
لكن كما تنزل الريشة على الأرض، حطت قبضة الصبي على جسم الشكل.
تم ضربة… تبا لك! ضربة أخرى… تبا لك… وأخرى… وأخرى…
لكن دون جدوى. مد الشكل يده وأمسك الصبي.
سخر الشكل الأسود بنفس الصوت:
هيهيهي…
أيها الصعلوك… لا تحلم قط…
رفع الصبي… ثم نظر في عينيه، لكن مهما رأى الصبي وحاول، فلم يستطع كشف مظهر الآخر.
طفا الصبي في الهواء لوحده، ثم بسرعة وبقوة اندفع للوراء حتى ارتطم بالشجرة.
بومممممم.
أععععع! أخرج دارف كمية كبيرة من الدماء جراء ارتطامه بالشجرة.
كانت نفس الشجرة التي عُلّق عليها والداه.
التفت الطفل يميناً نحو أبوه، ثم يساراً نحو أمه…
ثم تجمد في مكانه، يداه على يمينه ممتدة… وعلى اليسار أيضا
براق…
مسمار ضغط واخترق يده مثبتاً إيّاها.
وععاااااا!
خرج صراخ من فمه مختلطاً بالدم.
براق… مرة أخرى… وتكرر مع يده الأخرى.
وععاااااا!
وصراخ مرة أخرى.
المسامير لم تتوقف… نفس اليد غُرس فيها مسمار آخر… وآخر… وآخر.
وععااااااااااااا…
مع كل مسمار كان دارف يصرخ بأعلى صوته… ذلك الصوت كان يخرج قطرات من الدماء.
لكن ما زاد ألمه هو النار التي تتقض تحته.
طول يديه امتلأ بالمسامير، ونفس الحال مع اليد الأخرى. صراخ دارف لم ينتهِ.
ارتفع مسمار بجانب الشكل الأسود، يشع ببريق من اللهب الذي يحرق الأخضر واليابس.
فقد الصبي وعيه من شدة الألم.
ثم قال الشكل الغامض بصوت مزعج:
يا لك من مسكين…
المسكين… هو أنت.
فجأة، بين ظلال البيوت ظهر شخص ما…
هذا الشخص، ما إن خرجت هذه الكلمات من فمه، حتى وصل نحو الشكل الأسود.
بومممممم!
ركلة قوية أرسلت الشكل الأسود لمسافة بعيدة جداً، محطماً بذلك عدة منازل وأشجار لا تزال منتصبة.
بسرعة انطلق الشخص نحو الطفل ونزع كل المسامير من يديه باتلويحة واحدة.
مرر يده على جسمه… كان جسم الصبي ساخناً جداً، ورائحة شواء صعدت من لحمه الذي بدا شديد الاحمرار.
رفع الآخر الصبي على كتفه، ثم كما ظهر… اختفى بسرعة بين الأشجار.
دارف الذي فقد وعيه للحظات… ها هو يفتح عينيه ببطء، لكن عينيه توقفان على الشخص صاحب نفس عينيه يحدق به.
نعم… لقد كان يوسافير واقفاً دون أن يدرك كيف وصل إلى هناك. قبل قليل كان في جسد الفتى يصرخ، أما الآن فها هو يرى صبياً أمامه مليئاً بالجراح.
فجأة رأى بعينيه شفتي الطفل تتحركان بالكاد سمع تلك الكلمات.
تلك الكلمات حفرت داخل يوسافير:
أكسر الأغلال.
النهاية