أكسر الأغلال.
هاهي... هاهي... هاهي...
هذا ما سمعه يوسافير قبل أن يفتح عينيه ليجد نفسه يتنفس بقوة وكأنه جرى لمسافة طويلة جداً.
تأمل السقف الخشبي وهو لا يزال مستلقياً على السرير الأبيض ثم رفع قبضته أمام وجهه وشدّها بقوة.
هل شاهدني؟ لكن كيف؟
هاهي... هاهي... هاهي...
كلماته الأخيرة "أكسر الأغلال"... لم أفهمها، ماذا كان يقصد بها؟
هاهي... هاهي... هاهي...
ذلك الوغد الملعون، أيضاً الظلّ لأسود مرة أخرى، لم أرَ شكله الحقيقي.
عدّل يوسافير جلسته وهو يمسك برأسه المتعرّق وملابسه كلها تبللت بالعرق.
دارف... هل ذلك الصغير هو صاحب الكتابة في الجمجمة؟
ومن ذلك الشخص الذي تكلّم في الأخير؟ حتى صوته لم أفرزه، هل كان رجلاً أم امرأة؟
هاهي.... هاهي... هاهي...
أمسك يوسافير بيديه الاثنتين شعره الذي يبدو مثل الفراء وبدأ ينفضه، تناثرت قطرات العرق على الأرض ثم وقف.
هذا محيّر جداً، لماذا رأيته مباشرة بعد قراءة تلك الكتابات؟ دارف... لابدّ أن هناك لغزاً حوله. ذلك صبي صغير، لقد كبر حقاً.
تمشّى يوسافير نحو الباب ثم فتحه.
في الخارج على السفينة، بعد صمت دام للحظات، كان الثلاثة كلهم ينظرون نحو الباب ينتظرون فتحه.
الصراخ الذي دام لدقائق توقّف، لكن أنفاسهم ودقات قلوبهم لم تتوقف سرعتها. بحزن تطلّعوا نحو الباب. فجأة بدأ الباب يفتح.
ترامت خطوات الثلاثة دون وعي نحو الأمام، وكأن جبل على ظهورهم قد انذثر.
خرج يوسافير ووضع يده أمامه، الآن الشمس لامست وجهه فور ما فتح الباب.
"يوسافير... يوسافير... يوسافير..."
ثلاث كلمات في وقت واحد سمعهم يوسافير، الذي ابتسم ابتسامة عريضة وهو لا يزال يلهث.
هاهي... هاهي...
رؤية الهلع على وجوههم، وبعد أن وضع كتفه الأيمن على الباب، جعلته يقول:
ما بكم؟ هل تخافون علي؟ يا لكم من أوغاد، لقد قلت لكم من قبل هذا لا شيء.
الخرساء عيونها كانت لا تزال ممتلئة بالدموع، سرعان ما ابتسمت بينما دمعة نزلت على خَدّها الأحمر ما زادها جمالاً، ومسحت عينيها بكمها.
يوراي، بعد شعوره بالابتسامة العريضة على وجه الآخر، ابتسم هو أيضاً.
أما ميمون فكان قلقاً جداً على يوسافير، عكس يوراي الذي رأى الأخير يصرخ كثيراً، ليس مرة أو مرتين بل الكثير.
"هل أنت بخير؟" سألت الخرساء وهي تتقدم كما يتقدم الاثنان خلفها.
هاهي... هاهي...
أومأ يوسافير برأسه: هيهيهي... نعم، لا تقلقوا فصاحبكم هذا لن يحدث له شيء.
تحرك يوسافير نحو الجانب ثم جلس وأسند ظهره إلى الجدار الخشبي الصغير وأرجع رأسه للوراء حتى التصق بالحائط، ثم نظر إلى البقية.
"ما بكم واقفون؟ تعالوا" قال يوسافير.
تقدّم الثلاثة الآخرون نحوه، ثم سأل يوراي: هل هذا كابوس آخر؟
نظر يوسافير إليه بينما جلس الثلاثة أمامه وهم يشاهدون العرق الذي لا يزال يتصبب من عنقه.
أغمض يوسافير عينيه ثم تنفس بقوة: هشششش... شهيق قوي من أنفه ثم زفير قوي أعقبه: هوووووف...
فتح عينه ثم همس بصوت جاد: لقد رأيت دارف في كابوسي.
كانت ردة فعل الثلاثة أن فتحت أعين الخرساء وميمون، بينما ارتفعت حواجب يوراي قليلاً.
تصلّبت الأجواء في لحظة بعد سماعهم كلام يوسافير.
علت الصدمة وجوههم بينما خرجت همسة من فم ميمون: دارف؟
"نعم، لقد كان دارف." أجاب يوسافير بهدوء.
كيف لا يصدمون؟ وشخص قرؤوا قبل لحظات كلماته التي كتبها منذ زمن بعيد جداً، ويوسافير يقول إنه رآه في حلمه.
لقد صدّقوا كلمات يوسافير لأنهم يعرفون جيداً أنه لن يكذب عليهم أو يمزح، لقد كان جاداً في كلامه.
فكّر يوراي قليلاً وهو ينقر بأصابعه على الفخذ بإيقاع خفيف، ثم سأل: ماذا رأيت في كابوسك هذا؟
أومأ يوسافير برأسه ثم بدأ يتكلم عن الرؤية التي رآها في حلمه قبل قليل.
وهو يتحدث، بعد أن وصل إلى مشهد القرية المدمرة وصدمة دارف، نزلت دموع من عيني الخرساء دون أن تدري وهي تستمع للقصة بكل جوارحها.
"هذا ما في الأمر." انتهى يوسافير من الكلام.
عقد ميمون حاجبيه يفكر فيما أخبرهم به الشخص الذي أمامه مباشرة: رؤية الكابوس الذي تحدث عنه بعد قراءتنا لكلمات دارف، هذا غريب حقاً.
يوراي أيضاً دخل في تفكير، ثم سأل: لديه عيون مثلك أليس كذلك؟
سبب سؤال يوراي هو أنه عندما تحدث يوسافير عن الطفل وهو يبكي في منزله اشتكى من عيونه السوداء، وهنا توقف يوراي مفكراً يحاول ربط الأمور ببعضها.
هذا سؤال جعل الاثنين الآخرين ينتظرون جواباً عنه أيضاً.
حرك يوسافير رأسه بهدوء تأكيداً على كلام يوراي.
"ليس هذا فقط، بل في جميع كوابيسي الأشخاص لهم عيون مثل التي أملك، سوداء غامقة."
"هذا يدخلنا في معضلة أخرى." أجاب يوراي بدهشة.
حدقت الخرساء في عيون يوسافير مطولاً وقالت: "حقاً، عيونك السوداء تثير الشك."
سخر يوسافير: "ما بها؟ إنها جميلة جداً."
"المهم لنرجع لموضوع دارف." قال يوراي. صمت قليلاً ثم أكمل: "ذلك الشخص الذي قام بأخذه... هل رأيت شكله؟"
"لا، لقد كان شخصاً مظلماً جداً. فور ما أخذ دارف قال تلك الكلمات الأخيرة واستيقظت."
"أكسر الأغلال..." تمتم ميمون. "أي أغلال يقصد؟"
"لقد فكرت في تلك الكلمات، ومهما فكرت فليس هناك تفسير لِمَ قالها لي."
نظرت الخرساء نحو الأرض ثم قالت: "المسكين دارف، لقد عانى كثيراً وهو صغير جداً، فلا عجب أن يكتب مثل تلك الكلمات."
صمتت ثم أكملت: "لكن حتى تلك الحادثة ما كانت لتغيره، فلما عرف أن الوحش الأسود هو من قتل والديه استجمع شجاعته وبدأ يضربه.
لكن في كلماته في الجمجمة بدا يائساً للغاية، فما الذي غيره وجعله ييأس هكذا؟ هذا حقاً يثير الرعب."
"معك حق... لهذا علينا البحث أكثر عن مخلفات الحرب لنكتشف المزيد." تمتم يوراي.
"لا داعي للعجلة، فكل شيء يأتي في وقته." همس يوسافير ببطء.
بعد أن تحدثوا قليلاً، سأل يوسافير وهو يحدق في ميمون: "هل لدينا ما نأكله؟"
أجاب ميمون: "لدينا بعض المعلبات، اللحم المبخر، وبعض السمك المجفف، وبعض الخضار."
"هي لنأكل أولاً."
هدأت أنفاس يوسافير المتسارعة، ثم جلسوا يأكلون من أربع علب، كل واحد بعلبته. اختارت الخرساء ويوراي السمك المجفف.
بينما يوسافير وميمون اختارا اللحم المبخر.
بسم الله
خش... خش...
قرش... قرش...
نظر لهم ميمون وبفم مملوء قال: "لم يتبقَّ لدينا إلا وجبة أخرى، علينا إيجاد قرية بسرعة لملء مؤنتنا، فغداً لن نجد ما نأكله."
خش... خش...
أجاب يوسافير: "إن صادف(xxxxx)"
"يا غبي، أفرغ فمك أولاً." تحدث ميمون موبخاً يوسافير...
"هيهيهي." ضحك يوسافير ثم قال: "إن صادفنا أمامنا قرية فسنشتري ما نحتاجه منها، وبعد ذلك نكمل."
أكلت المجموعة الطعام ثم وضعوا تلك العلب في كيس جلدي ولفه يوراي بحبل مع العمود المرتفع وسط السفينة.
حدق يوسافير في ذلك العمود قليلاً ثم قال: "أليس هذا هو الوقت المناسب لرفع علمنا؟"
أومأ البقية برؤوسهم.
"حسناً، انتظروا." سار يوسافير نحو الغرفة الصغيرة ودخل، وبعد لحظات خرج مرة أخرى لكن في يده شيء أحمر.
فرده يوسافير أمامه فامتدت راية حمراء وسطها يد مسلسلة بسلسلة سوداء رقيقة تمسك بمشعل أسود أيضاً، فوق ذلك المشعل كانت هناك شمس متوهجة.
ابتهج ميمون بينما بصره نحو الراية: "هذه هي رايتنا؟ إذاً في راندور لم أرها جيداً لأننا كنا في ورطة."
اقتربت الخرساء من يوسافير ومدت يدها الرقيقة التي لا يظهر منها سوى معصمها المائل للأحمر.
توهّجت عيناها ببريق، خصوصاً عندما لامست أشعة الشمس عينيها العسليتين، فذلك كان مشهداً مبهجاً للعين.
مررت يدها على الراية وبابتسامة خافتة قالت: "إنها جميلة حقاً."
سأل يوسافير بعد أن اقتربت الخرساء: "لم أقُم بسؤالك... كيف تم اعتقالك؟ كان بإمكانك الهروب، لكن لماذا دخلتِ المدرج مع البقية؟"
"همممممف..."
أجابت الخرساء بعد أن تنهدت: "لقد كنتُ منوَّمة."
"منوَّمة؟" ظهرت علامات التعجب على وجه الجميع.
"سأخبركم بالقصة."
بدأت الخرساء تتحدث وتتحدث، في عقول الجميع، والكل ينصتون جيداً بكل جوارحهم.
وهكذا وجدت نفسي مسلسلة بتلك السلسلة.
"إذاً اتهموك بسرقة الأموال إضافة إلى القتال في أيام لا ينبغي لأحد القتال فيها؟ كل شيء كان مدبّراً لها من قبل تلك الفتاة."
"أمممم..." فكر يوسافير قليلاً ثم أكمل: "المهم من حظك أننا كنا هناك."
"كيف وثقتِ فيها أيتها الغبية؟ ألم تعلمي ما وصّانا به العجوز؟ ألا تثقي بأحد في هذا العالم؟"
أجابت الخرساء بكل براءة: "لم أكن لأثق هكذا، لكن لا أعلم... يبدو أن تلك المجموعة أحدهم يمتلك قدرة للجرثومة."
"المهم لننسَ ذلك، إن التقينا بهم سيدفعون ثمناً غالياً."
أومأت الفتاة بجانب يوسافير برأسها.
بينما هو حدق فيها مطولاً وقال: "لقد كبرتِ حقاً أيتها الخرساء... لقد صرتِ جميلة جداً."
أطلق كل من ميمون ويوراي ضحكة خافتة وهما ينظران إلى يوسافير.
سماع كلام يوسافير جعل الخرساء تبتسم أكثر: "شكراً... وأنت أيضاً، لم أكن لأظن أن ذلك الشخص الذي له ألف وجه سيصبح وسيماً هكذا."
وضع يوسافير يده على وجهه ثم قال: "آه حقاً؟ لكن هذا الوجه سينكمش يوماً ما."
"لكن عليك أن تسعد بهذه اللحظات." أضافت الخرساء.
سخر يوسافير وهو يرفع عينيه نحو قمة العمود المرتفع وسط السفينة: "هذه الأمور لا تهمني، انسِ ذلك."
"هيهي..." ضحكة خافتة أصدرتها الخرساء لكنها لم تقل شيئاً.
بعد مدة قصيرة، تم تعليق هذه الراية فوق السفينة.
رفرفة... رفرفة... رفرفة....
حرّكت الرياح القوية في هذا الارتفاع الراية بقوة.
بينما الأربعة يقفون في صف أفقي ينظرون إلى الراية الحمراء تحلق، والابتسامات طبعت على وجوههم وكأن ما يشاهدونه هو أغلى شيء يمتلكونه.
كانت هذه الخطوة من يوسافير والبقية هي أهم خطوة يتم اتخاذها في هذا العالم. رفعك لرايتك الخاصة يضعك مباشرة عدواً لدى كنيسة اتحاد الأمم، ويضعك في مواجهات أخرى مع أشخاص يرفعون راياتهم مثلك.
لهذا على من يرفع رايته أن يكون مستعداً في أي لحظة لهلاكه، وهذا ما لا يعرفه الكثيرون الذين يرفعون راياتهم الخاصة كتسلية فقط.
في هذا اليوم الموافق للثاني من شهر 11 سيكون شاهداً على ارتفاع هذه الراية التي ستجعل يوماً ما كل من يشاهدها تتجمد دماؤه داخل مفاصله.
النهاية.
المرجو ترك تعليقاتكم المحفزة