03 من شهر 11
جلس يوسافير هو والبقية على ظهر السفينة، وبينهم خريطة، وهذه الخريطة جهزها لهم ميمون مع السفينة.
كانت الخريطة عليها العديد من الكتابات الصغيرة وكتابات كبيرة جدًا، حيث برزت سبعة أسماء باللون الأسود تبين ممالك هذه القارة.
كان اسم هذه القارة هو بيرتا، كانت هذه القارة تضم سبع ممالك، ليس بأكملهم يتم إطلاق عليهم ممالك، لكن أكبرهم والتي جاءت في الشمال الغربي هي مملكة أوسان العظيمة، والتي تأخذ أربعين بالمئة من مساحة قارة بيرتا.
كانت مملكة أوسان ضخمة جدًا، لكن قبلها في المكان الذي دخله يوسافير والآخرون لتوّهم تاركين خلفهم مملكة راندور التي تبدو صغيرة جدًا في الخريطة، كانت سلطنة بيرن، والتي تعد أضعاف مملكة راندور، وهي ثاني أكبر دولة مساحة في القارة.
عاصمتها بيرن نفسها التي تبعد مئتي كيلو غربًا عنهم.
"أين نحن الآن؟" سأل يوسافير.
خمن ميمون وهو يراقب الخريطة: بما أننا خرجنا من راندور لتوّ، ومن تضاريس هذا المكان الجبلية، فلا بد أننا هنا.
أشار ميمون لإحدى البقع في الخريطة مكتوب عليها "شرق البلاد".
وضع يوسافير يده على ذقنه وهو يفكر ويتأمل في الخريطة.
هنا وضعت الخرساء يدها على مكان في الخريطة: "في هذا المكان افترقت أنا ويورينا قبل سنة، هناك قرية كبيرة جدًا في هذا المكان."
نظر يوسافير إلى يوراي ثم سأل: "هل لا تزال لا تجيب؟"
أومأ يوراي برأسه: "ليس بعد، لقد اتصلت بها لكنها لا تجيب، وآخر مرة أجابت كانت قبل أن ندخل راندور."
هذا غريب، لماذا لم تجب؟ هل أضاعت جهازها؟ هذا لا يمكن. أو هل وقع لها شيء؟ هذا مستبعد أيضًا، فهي ليست ضعيفة. فكر يوسافير ضائعًا في أفكاره.
"آخر مرة، أين كانت عندما اتصلت بها؟" سأل ميمون.
رفع يوراي رأسه نحو السماء متذكرًا: "لقد قالت إنها في مكان يدعى سولمار."
"سولمار؟" كررت الخرساء الجملة وعيناها متسعتان.
"ماذا؟ هل تعرفينها؟" سأل يوراي.
"هذا غريب، تلك القرية التي ذكرتها لكم قبل قليل اسمها سولمار. هل مكثت يورينا لمدة سنة هناك؟"
"كم تبعد عنا؟" سأل يوسافير وهو يحدق في الخريطة.
"أظنها تبعد نصف يوم، غدًا صباحًا سنصل إليها."
هز يوسافير رأسه: "إذًا هدفنا الثاني هو قرية سولمار. ميمون، وجّه السفينة نحوها."
"حسنًا." هز ميمون رأسه.
"تلك القرية رائعة حقًا." تحدثت الخرساء.
"لماذا؟" سأل يوراي.
"عندما تصلون ستشاهدون بأنفسكم."
وقف يوسافير وهو يتمتم: "مخزوننا الآن فارغ من الطعام والشراب، ولهذا ستكون تلك القرية هي مفرّنا الوحيد، وبعدها نشد الرحال إلى مملكة أوسان."
"مملكة أوسان؟" سألت الخرساء. "لماذا؟"
أجاب يوسافير: "قبل رحيلنا من جزيرة سيلان لقد ترك إيدلايد رسالة، وهي اتوجه إلى أوسان للبحث عن أحد الأشخاص."
"من؟" سألت مرة أخرى.
"لقد طلب منا البحث عن غوزا لاردور، ذلك الشخص يبدو أنه من معارف الجد، لذا لا بد أن معرفته لا تقل عن معرفة الجد، سيفيدنا كثيرًا في رحلتنا."
ـــــ
وبعد يوم في الرابع من شهر 11، قرية سولمار.
في القرية الكبيرة جدًا كان هناك عرش حجري قرب شجرة عملاقة خضراء، في هذا الوقت من السنة التي تتخلى فيها الأشجار عن أوراقها، هذه الشجرة بدت وكأن أوراقها نبتت لتوّ. العديد من البالونات والشرائط الحمراء والخضراء والصفراء تنزل من أغصان الشجرة.
أما على العرش الحجري فجلس شخص ما.
"هاهاهاهاها." كان ذلك الشخص يضحك بصوت مرتفع جدًا.
وأمام ذلك الشخص مجموعة من الناس مجتمعون أمامه، عشرات الأشخاص، وكلهم على ركبهم ويقومون برفع أيديهم وإنزالها إلى الأرض تحية له.
وهو يضحك بصوت عالٍ جدًا: "هاهاهاهاها. نعم نعم، قدسوني، حيّوني، حيّوا الملك."
صرخ أحدهم: "سيدي القديم العظيم، يا من اخترعت الملعقة ذات الرأسين، نحييك!"
"سيدي القديم العظيم، أنت شمسنا إن غابت الشمس، وأنت قمرنا إن ضاع القمر وراء الغيوم، نحييك أيها العظيم!"
"هاهاهاهاها!"
رفع شخص آخر يده: "سيدي القديم العظيم، لقد وضعت صورتك بدل صورة جدتي في الغرفة!"
"هاهاهاهاها!" ارتفع ضحك الرجل وهو يستمع إلى الرجال الذين يثنون عليه.
تدخل آخر وقال: "سيدي القديم العظيم، لقد حلمت بك البارحة، كنت تأكل بالملعقة لها ثلاث رؤوس! سيدي، هل أنت على وشك اختراع جديد يقلب العالم رأسًا على عقب؟"
"هاها…"
فورما سمع كلام الأخير صمت الرجل الذي يضحك، وهو يضيق عينيه وهو يحدق في الشخص الذي تكلم: "ما الذي قلته أيها الوغد؟"
وقف واتجه نحو الرجل، لكن قبل أن يصل إليه انزلق بسبب صابونة مرمية أمامه على الأرض، لا أحد يعرف كيف وصلت إلى هناك، وسقط على رأسه فاقدًا للوعي.
وقف جميع أتباعه الذين على ركبهم.
"سيدي القديم العظيم…"
"سيدي القديم العظيم…"
"سيدي القديم العظيم…"
كان الشخص الذي انزلق في أواخر الثلاثينات من عمره، يرتدي سترة داخلية بنفسجية، وفوقها بلدة خضراء مخططة بالأسود، بشعر أخضر شائك، من الواضح أنه مسبوغ، لأن بعض خصلات شعره سوداء.
كان وجهه أبيض بالكامل، عينان بنيتان مدورتان، بدائرة سوداء حول عينيه، نزل شريط بنفسجي من فوق حاجبه الأيسر إلى ذقنه، أما فمه فكان بنفسجي اللون حتى لسانه داخل فمه.
أما حذاؤه فكان كبيرًا للغاية، أخضر اللون، أكبر من الحذاء العادي بثلاث مرات.
طرزت راية على صدره، كانت الراية زرقاء وسطها تاج ذهبي مرصع بالجواهر.
أما أتباعه فكانت لهم نفس الملابس البرتقالية، وفي صدورهم نفس الراية، جميعهم كانوا يمتلكون أسلحة مختلفة مربوطة على ظهورهم: سيوف، أقواس، مطارق…
بعد مرور بعض الوقت كان الرجل جالسًا فوق عرشه مرة أخرى، وضمادات حول رأسه.
أما الشخص الذي كان يتجه نحوه فوجهه متورم كله.
"حسنًا، لا تعد تلك الكلمات مرة أخرى، وإلا ستتصرف معك بشيء آخر."
"شكرًا لك على تسامحك أيها القديم العظيم، سيدي القديم العظيم."
"نعم." أجاب الشخص الجالس على العرش وهو مغمض العينين.
"سأريك شيئًا ابتكرته."
فتح عينيه وبدأ يراقب الشخص ماذا يفعل.
بدأ تابعه يعطي تحية بطريقة غريبة: رفع جسمه في الهواء ووضع مرفقه على الأرض وضم يديه معًا وأغمض عينيه، ثم قال: "هذا الحقير يحيّي القديم العظيم."
بدأ الأشخاص وراءه يضحكون متخفيين لكي لا يتم سماعهم، لقد كانوا يسخرون منه.
فجأة وقف الرجل الجالس على العرش الحجري، ونادى على أحد الأشخاص بجانبه:
"لقد أعجبني ما يفعل، اجعلهم كلهم يحيّون مثله."
"أوامرك سيدي القديم العظيم." قال تابعه.
في لحظة واحدة تحول المشهد من تحية جماعية إلى مهرجان بهلواني.
كان كل شخص في وضعية مختلفة، لأنهم لا يعرفون مثل الشخص الأول، كانوا يضحكون عليه، ها هم الآن يُضحك عليهم.
كان واحد يحيي وهو يسقط على ظهره. والآخر سقط على وجهه، وآخر سقط للجانب، بينما آخر التوى وصرخ بصوت عالٍ: "أنقذوني!"
"هاهاهاهاها!"
أما الشخص الذي يجلس على العرش فيصرخ من شدة الضحك: "هذا رائع! هذا رائع! أحسنتم! أحسنتم! هاهاهاهاها!"
وهو يضحك سمع كلمات أخرى تمدحه:
"أيها القديم العظيم، أنت أفضل من أنجبت الأرض، الأرض تفرح عندما تمشي عليها، والسماء تبكي حزنًا لأنك بعيد عنها!"
"وهاهاهاهاها! امدحوني! مجدوني! قدسوني! يومًا ما سأجد التاج، وسيركع العالم كله تحت قدمي، وسأتحكم في جميع مصائر الناس! بواهاهاهاها!"
بدأ يضحك وهو ينظر إلى السماء والمخاط يتدلى من أنفه، كان يتخيل نفسه جالسًا على عرش وتاج فوق رأسه، وجميع سكان الأرض راكعين تحت رحمته.
فجأة أخرجه صوت من حلمه.
"سيدي القديم العظيم، هناك سفينة قادمة، يبدو أنها تابعة للجيش."
"ماذا؟" وقف الرجل وملامح الهلع ظاهرة على وجهه. "هل أنت متأكد؟"
سخر أتباعه في أنفسهم: "يا له من خواف…"
"إنها سفينة ليست للجيش يا جوكر."
نظر الجميع نحو الصوت، فإذا بشخص على أحد أغصان الشجرة العملاقة، جالس وقدماه تتدليان منها.
"نورمان… منذ متى وأنت هنا؟" سأل صاحب الوجه الأبيض.
"لتو وصلت." أجاب نورمان.
نورمان نائب قائد الثائر الملقب بالجوكر، في أواخر العشرينات من عمره، ذو شعر أسود طويل قليلًا، غمرت ملابسه السوداء جسمه بالكامل، كانت تبدو مثل ملابس المتشردين، العديد من الخيوط تنزل من جسمه.
طبعت نفس الراية الزرقاء على ملابسه، وفي يده يحمل سيفًا طويلًا بغمض أبيض.
"إنهم الثوار على ما يبدو."
أدار الجميع رأسهم للجهة الأخرى، هناك كان شخص آخر.
"هارلوك، أنت أيضًا هنا."
هارلوك الثاني بعد نورمان، وهو تابع للثائر الملقب بالجوكر أيضًا.
في منتصف العشرينات من عمره، ذو شعر أشقر مربوط للوراء بخيط أحمر، ملابس خضراء فضفاضة ومنكمشة، وعلى صدره أيضًا نفس الراية الزرقاء.
أما بالنسبة لقائدهم الملقب بالجوكر، فهو نفس الشخص الذي من الصباح وهو يضحك على أتباعه، نعم إنه نفس الشخص الذي انزلق ووقع على رأسه.
نظر الجوكر إلى الشخص الذي أتى بالمعلومة الخاطئة، ذهب إليه وبدأ يضربه، والآخر يصرخ بقوة وهو راكع: "الرحمة أيها القديم العظيم! الرحمة أيها القديم العظيم!"
التفت الجوكر نحو نورمان: "أي ثائر هذا الذي جاء؟"
أجاب نورمان: "لا أعرف، فالراية أعلى سفينته لم أرها، زد على ذلك فالسفينة صغيرة جدًا، يبدو أنه إما شخص تابع لشخص آخر، أو أن هذا الثائر لتوّه بدأ رحلته."
تأمل الجوكر في الأرض، ثم قال: "حسنًا حسنًا، إن رسوا في منطقتنا راقبوهم جيدًا، لكن إن رسوا في منطقة الثائر الآخر فلا تهتموا بهم، لكن لا تنسوا مراقبتهم إن اقتربوا."
بعد تفكير قليل سأل الجوكر مرة أخرى: "هل تلك الفتاة أكلت شيء؟"
رد نورمان بعد أن قفز من الشجرة نحو الأرض: "لا، لم تأكل شيئًا منذ سجنها."
تمتم الجوكر ببطء: "تلك الفتاة، هل تريد الموت؟" حك الجوكر ذقنه: "أممم… هل أقنعتها بالانضمام لنا؟"
"لقد تكلمت معها لكنها لا تريد ذلك."
"هل عليّ إقناعها بنفسي؟"
"جوكر، لماذا لا نضربها حتى تقتنع بالانضمام لنا؟" تحدث هارلوك وهو يبتسم.
نظر له الجوكر فوق الشجرة: "أنت، ابقَ بعيدًا عن هذا، تحب فقط الضرب. هل أنت بشر حقًا؟"
"هيهيهي، القتال رائع يا سيدي!"
لم يستجب الجوكر لهارلوك، ثم قال لنورمان: "اعتنِ بها جيدًا، لعلها توافق الانضمام لنا."
"أمرك جوكر." هذا ما قاله، ثم انصرف نورمان.
ــــــ
في السفينة المحلقة في السماء وقف أربعة يطلون على ما تحتهم، وعيون ثلاثة منهم مشرقة، كان يوسافير والآخرين.
كانت سفينتهم الصغيرة تنزل ببطء شديد نحو المشهد الرائع الذي يرونه.
بحيرة كبيرة جدًا ضخمة للغاية، ووسطها جزيرة ضخمة أيضًا، أكثر من جزيرة سيلان بثلاث مرات، لوحة فنية على مرأى أعينهم.
كانت الجزيرة عبارة عن صخرة كبيرة مرتفعة عن الماء بثلاثة أمتار، أشجار كثيفة، وجبال فوقها، وبرزت أمامهم العديد من المنازل المتراصة التي تبدو أسقفها كلها بالأحمر. وهناك عدة شلالات تخرج من الجزيرة إلى البحيرة، وامتدت أربع طرق خشبية في أربع جهات: الشمال واحد، الجنوب واحد، الغرب واحد، والشرق واحد.
كانت هذه الطرق يستخدمها سكان القرية للخروج إلى البر، وفي المكان برز منزل وسط الماء في البحيرة قرب الشاطئ، وأمامه العديد من السفن الصغيرة.
أما السفينة التي تحمل يوسافير والبقية فاقتربت من الماء ببطء، لم يتبقَّ سوى نصف متر تحتها، بدأت الغيوم البيضاء تختفي شيئًا فشيئًا.
ثم اختفت الغيوم، وحطت السفينة على سطح الماء، واقتربت من الجزيرة التي تحتضن داخلها قرية سولمار.
النهاية.