45 - القرية الفاتنة

وقف نورمان أمام يوسافير ثم قال: «هذه منطقتنا، منطقة الجوكر».

رفع يوسافير حاجبيه للأعلى: «جوكر من هذا؟» ثم التفت باتجاه ميمون.

فكر ميمون قليلاً: «أظن أني سمعت عنه، إنه ثائر ذو نجمة واحدة».

تقدم يوراي خطوتين بينما صار وجهه جادًا للغاية: «نحن لا نريد مشاكل هنا، فقط نبحث عن فتاة، لكن إن وقفت في طريقنا فأنت لا تعرف ما ينتظرك».

نظر نورمان باتجاه يوراي ثم لمس مقبض سيفه: «حسنًا، يمكنكم أن تبحثوا، لكن أحذركم من فعل شيء غير صحيح في هذا المكان».

بدأت تعابير يوسافير تتغير، وكان على وشك الكلام، لكن العجوز وضع يده على كتفه: «من الأفضل أن لا تبحثوا، لأن...».

رفع الجميع حواجبهم بفضول.

«لماذا؟» سألت الخرساء.

أجاب الرجل العجوز: «تلك الفتاة سجنت بإرادتها قبل أسبوع، وغدًا اليوم الذي ستخرج فيه».

تتابع فضول المجموعة: «لماذا...».

«هيّا بنا إلى منزلي، سأحكي لكم القصة هناك».

«شششش...».

أمعن نورمان النظر في الشاب النحيف مغمض العينين، ولأنه أحس بخطر منه، سأل: «اسمي نورمان، ما اسمك؟»

التفت يوراي إلى نورمان وأجاب: يوراي.

بعد نظر مطولا أومأ نورمان برأسه ثم غادر.

كان الجميع في هذه اللحظة يدخلون القرية الكبيرة، التي تجري المياه من بين بيوتها وعبر طرقها.

النساء يرتدين ثوبًا أبيض كبيرًا ملفوفًا عليهن، بينما قبعة كبيرة على رؤوسهن تبدو مصنوعة يدويًا من سعف النخيل.

«شششش...».

بعض الرجال يجرون عربات صغيرة مملوءة بالقش، وآخرون على أكتافهم المجارف والأدوات التي يحتاجونها للحرث، بينما آخرون يقودون حيواناتهم، سواء كانت خرافًا، بقرًا، ماعزًا، دجاجًا، أو وزًّا.

وكان أكثرهم هو الأوز لكثرة المياه التي تحيط بالقرية من كل الجهات.

نهر متوسط الحجم عرضه متران يجري وسط القرية قادمًا من بعيد، لكن شيء العجيب هو الماء الذي يجري بين البيوت خلال خرطوم طويل من الشجر.

ويبدو أن الخرطوم متلاصق مع أخوه، مشكلًا بذلك شبكة تنقل الماء داخل البيوت، لأن هناك عدة أعمدة خشبية مثبتة على الأرض تحمل تلك الخراطيم موجهة إياها إلى داخل البيوت.

تقدم يوسافير والبقية خلف العجوز، وكلهم مندهشون من تصميم هذه القرية. الأطفال يركضون، النساء أمام المنازل يحيكون الثياب، والكل ينظر إلى المجموعة بنظرات غير ترحيبية.

وما هي إلا لحظات حتى وقفت مجموعة من صبية الصغار يحملون عصي وحجارة في أيديهم.

ما إن وقفوا أمامهم، رفع صبي صغير حجرًا وقام برميه تجاه يوسافير، الذي أمال رأسه، وتمكن من تفادي الحصى الصغيرة بسرعة.

تعجب يوسافير والبقية، والعجوز أيضًا. لكن الطفل الذي رمى بالحصى فتح فمه متحدثًا، وهو ينظر إلى راية في صدر يوسافير: «أيها الجد، هل هؤلاء الثوار الذين أتوا...؟»

«شششش...».

«بيلول، ماذا تفعل؟ هل جننت؟» قال العجوز وهو يحدق في الطفل.

رد عليه الطفل: «لا تقلق أيها الجد، إن كانوا قد هددوك فنحن سنخلصك».

«نعم، نعم، نعم...» أجاب الأطفال واحدًا تلو الآخر وهم بهزون راوسهم.

ابتسم العجوز وهو يشير بإبهامه خلفه: «لا تقلقوا، هؤلاء ضيوفي، ألم تروا من في الأخير؟».

في الأخير، وقفت الخرساء، ثم أمالت رأسها وهي تبتسم: «تراااااا، هل اشتقتم لي؟»

رن صوت في عقول الجميع.

تعجب الصبية، ثم همسوا في داخلهم:

«الأخت الكبرى، الخرساء... الخرساء... الأخت الخرساء...»

تمعن الأطفال فيها، إنها هي حقًا.

نسى الصبية أمر الآخرين وتوجهوا نحو الخرساء.

«أين كنتِ أيتها الأخت؟» تكررت هذه الجملة من جميع الأطفال.

انحنت الخرساء قليلاً وهي تضع يدها فوق رأس الصبي الذي ضرب يوسافير بالحجر وبدأت تفرك شعره الأسود: «لا زلت شقيًا كما عهدتك، أيها الصبي».

«شششش...».

«هيهيهي»، وضع صبي إصبعه بشكل أفقي تحت أنفه وهو يضحك: «لم أكن أعرف أنها الأخت».

نظر يوسافير إلى الأطفال، ثم تنهد برفق وهو يضع يده على بطنه وسأل العجوز: «هل لا يزال المنزل بعيدًا؟»

لاحظ يوراي وميمون يد يوسافير أين موضوعة، وبدأوا يضحكون عليه.

رد عليه العجوز وهو يشير بأصبعه: «لا، إنه هناك قرب الجبل».

تحولت أنظار الجميع إلى الجبل العالي جدًا.

«هل هذا الجبل هو نهاية القرية؟» قال ميمون.

أجابه العجوز مع ابتسامة: «لا، الجهة الأخرى هي أضعاف ما تشاهده هنا».

ندهش الجميع، إذ أنهم منذ مدة وهم يتمشون ولم يصلوا إلى الجبل، رغم أنهم رأوا الجزيرة من السماء، إلا أنهم رأوا فقط هذه الجهة. الآن الجبل أخفى ما ورائه.

لكن بعد معرفتهم بأن الجهة الأخرى أكبر من هذه الجهة، اندهشوا أكثر.

لم تمر ثوانٍ حتى وصلوا عبر مجرى الماء إلى أسفل الجبل، وهناك صدموا أكثر. من بعيد، لم يكن هذا المنظر ظاهرًا لهم.

اندفعت كمية كبيرة من الماء من قمة الجبل إلى الأسفل، رغم علو القمة، ورغم أنهم لم يتمكنوا من رؤيتها من مكانهم. كان الماء المتدفق من الجبل شيئًا لا يصدق.

«تششش...».

ليس من مكان واحد، بل من كل جهاته، والماء نقي جدًا ويضيء بسبب أشعة الشمس التي تلامسه.

«ششش...». ابتسمت الخرساء وهي تنظر إلى ملامح الجميع وهم ينظرون إلى جريان الماء، شلالات صغيرة تتدفق عبر الجبل.

بعد مدة من الصمت، سأل يوسافير، الذي كان محبًا لمثل هذه الأشياء منذ دخوله إلى الجزيرة ورأسه يلتف مثل البومة ينظر هنا وهناك: «من أين يأتي كل هذا الماء؟»

«تششش...».

أجابت الخرساء: «أجزم أنكم لم تشاهدوا هذه الظاهرة من قبل، الماء يأتي من قمة الجبل، أو بالأحرى من فوهة ضخمة».

«وهذا شيء غريب، الجبال يفترض أن تحتوي داخلها غازات سامة وبراكين خامدة، حين تثور تخرج حمم بركانية، أما هذا الجبل فهو العكس تمامًا، الماء هو الذي يخرج من فوهته».

«عليّ صعود قمته حقًا»، همس يوسافير في داخله.

«هل تريد صعوده؟» سأل العجوز وهو ينظر إلى يوسافير.

«تششش...»

أومأ يوسافير برأسه: «نعم، سيكون ذلك ممتعًا».

«لندخل أولًا إلى المنزل لكي ترتاحوا قليلًا، بعدها يمكنكم فعل ما تشاءون».

كان هذا الجبل مرتفعًا جدًا عن الأرض، طوله حوالي خمس مئة متر عن سطح الماء.

«بالمناسبة أيها العجوز، لقد مررنا عبر المنازل ولم نشاهد أي متاجر، هل هناك متاجر في الجهة الأخرى؟» سأل ميمون.

أومأ الرجل برأسه: «نعم، هناك الكثير، يمكنكم شراء ما تشاءون».

«أوه، حسنا»، قال ميمون.

---

بيت العجوز

داخل البيت الحجري جلس الجميع حول طاولة مملوءة بالطعام والشراب: أوز مشوي وبيض مسلوق، حوله زيتون مملح يملأ الأطباق.

دخان باهت يرتفع من الطاولة ببطء، بينما ميمون يراقب أتات المنزل الفاخر.

كان هذا المنزل يضم أربع غرف، ثرية مملوءة برؤوس الأفاعي تضيء المكان، كراسي جلدية حمراء، وأسرة موضوعة عند النوافذ التي تغطيها ستائر قماشية رمادية.

«بررقرقق...».

ارتفعت رائحة الطعام في الجو، ذلك ما جعل بطن يوسافير تقرقر.

وضعت فتاة في أواخر العشرينات من عمرها المزيد من الأطباق والعديد من أرغفة الخبز على الطاولة.

«هل نبدأ؟» سأل يوسافير وهو ينظر إلى العجوز.

«هاهاهاهاها، صديقي الصغير، يبدو أن صبرك ينفذ بسرعة». توقف ثم سأل: «هل جربت أوز مشوي من قبل؟»

حرك يوسافير رأسه إلى الجانبين.

«هاها، إذاً فلنبدأ بسرعة، أظنه سيعجبك كثيرًا».

«هيا، بسم الله...»

رفع يوسافير فخذ الأوزة المشوية، ابتلع ريقه وهو يقربه من فمه.

«قرتشش... قرتشش...»

مضغ.. مضغ.. مضغ..

ارتفع مع يوسافير مذاق لا مثيل له، كان طريًا جدًا ويذوب في الفم.

لكنه أخرج لسانه قليلاً، الآن الأوزة ساخنة...

«هاهاهاها....»

ارتفع الضحك على الطاولة وهم يشاهدون لسان يوسافير وهو يخرج من فمه.

مر الوقت بسرعة حتى انتهوا من جميع الأطباق على الطاولة.

«الحمد لله...»

بعد تنظيف أفواههم، جلس الجميع مرة أخرى على الطاولة، لكن هذه المرة ليس ليأكلوا، بل ليتحدثوا.

نظر يوسافير إلى العجوز، ثم سأل: «لماذا قلت بأن الفتاة دخلت السجن بإرادتها؟»

تنهد العجوز بخفة، ثم تحدث: «يورينا دخلت السجن من أجل الطفل الذي رماكم بالحجر في الخارج...»

ارتفع حاجب يوسافير، بينما ضيق ميمون والخرساء أعينهم، ويوراي أنصت بكل جوارحه.

نظر العجوز إلى الخرساء، ثم أكمل حديثه: «أنت عندما غادرتِ هذا المكان بفترة قصيرة، جاء ثائر لهذه الجزيرة.

وأراد السيطرة عليها من أجل نفسه، لو كان وحده ما كنا لننجح ونشاهد، لكن كان معه شخص من الجيش، وهو أحد الملازمين.

لقد ادعوا وفرضوا علينا حماية معينة مقابل قدر من المال كل شهر».

«فرضوا؟» سأل ميمون بفضول.

«نعم، لا أعلم ممن سيحموننا، لكن بعد تدخل أفراد الجيش لم نقدر على فعل شيء.

لقد قال ذلك الملازم: جميع الناس الذين يخضعون للجيش يجب عليهم دفع ضريبتهم.

ثم أكد على ذلك وقال: الناس في المدن الكبيرة تدفع ضرائب، وأتت وثيقة، لا أعلم إن كانت صحيحة، تلك الوثيقة تحمل أسماء الأماكن التي يجب عليها دفع الضرائب، وهذه الجزيرة لم تكن استثناء».

«لهذا لم نصعد الأمر واكتفينا بقبول الأمر.

لكن لم يمر سوى أسبوع بعد مغادرتك، وأتى ثائر آخر، ونائبه هو الذي التقينا به أمام مدخل القرية.

ذلك الثائر كان مجنونًا حقًا، لا أعلم سبب حضوره لهذا المكان، لكنه أخذ نصف الجزيرة من ثائر لآخر، لا أعلم ما تفقا عليه، لكن ثم تغيير مكان الثائر لآخر.

نصف شمالي لثائر الملقب بالجوكر، ونصف الجنوبي للآخر».

«وهل هؤلاء الثوار يعاملونكم بقسوة؟» سأل يوراي.

أجاب الرجل: «نعم، الثائر الذي أتى مع الملازم يؤدي أهل القرية الذين يتخلفون عن دفع ضريبة.

أما الملقب بالجوكر فلا يفعل شيء سوى التسكع حول الجزيرة هو وأتباعه، وكأنهم يبحثون عن شيء ما.

أما بالنسبة لكيفية سجنه للفتاة، كما فعل معك الصبي، فعل مع ذلك الثائر الملقب بالجوكر، لقد ضربه بحجر في رأسه، وهذا ما أغضب الآخر.

وكان يريد زجه في السجن، لكن تدخلت يورينا، التي أتت هي أيضًا قبل أسبوعين إلى هذا المكان».

«أسبوعين...» فكرت الخرساء، ثم قالت: «هل هي أيضًا غادرت هذا المكان؟»

أجاب الرجل: «نعم، غادرت بعدك بيومين».

«أين ذهبت؟» سألت الخرساء مرة أخرى.

«هذا ما لا أعلم، المهم، تدخلت الفتاة وتكلمت مع الجوكر، وأودعت نفسها مكان الصبي في السجن لمدة أسبوع، هذا ما كان متفقًا عليه، واليوم هو اليوم الأخير، غدًا ستخرج».

النهاية

2025/12/11 · 13 مشاهدة · 1443 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026