خرجت المجموعة من منزل العجوز بعد أكلهم واستراحتهم. حمل يوسافير كتابًا غريبًا في يده، كتاب جلديّ بنيّ اللون مرسومٌ عليه اليونيكورن.
شششش...
انتبه العجوز إلى الكتاب الذي يحمله يوسافير وضَيَّق عينيه قليلًا، وكان على وشك الكلام لكن فجأة مجموعة من عشرة رجال تقدّموا نحوهم.
ـ يا شيخ قريتنا، نريد التحدث معك قليلًا. قال أحد الرجال باحترام.
اندهش كل من يوسافير ويوراي وميمون.
ـ شيخ قريتنا...
تأمل فيهم الرجل العجوز ثم قال: حسنًا، لندخل إلى الداخل.
التفت العجوز إلى يوسافير ثم قال: إن كنت تريد صعود الجبل فقم بذلك الآن. عندما تنتهون ستجدونني أنتظركم هنا لإكمال تجوالنا.
ـ شكرًا لك أيها العجوز. قال يوسافير.
ثم نظر إليهم جميعًا بينما أغلق الكتاب الذي في يده ثم قال: هيا بنا لنصعد لقمة الجبل.
بعد دخول الرجال إلى بيت العجوز جلس أغلبهم بينما بقي آخرون واقفين.
ـ شيخنا، لقد سئمنا من هذَين الثائرَين المحتالَين، زد على ذلك الملازم. علينا طردهم من هنا. تحدث أحد الرجال.
تدخل آخر وقال: نعم يا شيخنا، لقد نفد صبرنا من هؤلاء الأشخاص، وإن كان الآخر متعاونًا مع الجيش، والآخر على رايته نجمة، علينا أن نطردهم من هنا.
فكر العجوز قليلًا وهو ينظر إلى أرضية منزله: هذا الموضوع علينا التفكير فيه جيدًا قبل الإقدام على فعل شيء قد يضر بنا.
كان الشخص قدمه ترتعد بينما قال ـ أنت ترى يا شيخنا، الضرائب أثقلتنا. قالوا سيحموننا، ألم يأتِ ذلك الثائر صاحب النجمة؟ لماذا لم يطردوه؟ بل العكس، قاموا بتقسيم الجزيرة معه. وأيضًا لو لم تكن تلك الفتاة لكان قد سُجن طفل في عمر عشر سنوات. أليس هذا عارًا علينا؟
ـ هؤلاء ثوار لُعَناء يزدادون يومًا بعد يوم. تحدث آخر ووجهه متجهم.
مسح العجوز على لحيته البيضاء ثم تمتم بصوت منخفض: علينا التحدث مع نورمان، فهو الأعقل بينهم. علينا حل هذه المشكلة دون قتال.
شششش...
على الجبل الذي يرتفع 500 متر عن الأرض كان يوسافير والبقية في صعود منذ فترة.
تجوّلت عينا يوسافير بين الأشجار الخضراء التي يمر الماء من خلال جذورها.
ـ إن المكان مليء بالأشجار، رؤية القمة صعب جدًا. قال ميمون.
ـ نحن لا زلنا بعيدين جدًا عن رؤية القمة، كما أن هذه الأشجار طويلة، فكيف سترى القمة من هنا؟ ردّ عليه يوسافير.
شششش... مر الوقت بسرعة واقتربوا شيئًا فشيئًا من قمة الجبل، خرجوا من تلك الغابة التي تمتلئ بالأشجار.
وأمامهم رأوا التضاريس الحجرية الحادة، ورغم ذلك تسلّل الماء من كل الجهات مشكلًا بذلك منظرًا رائعًا. بعض الأحجار شقّ الماء طريقه وسطها وكأنه لا يريد الالتفاف حولها.
كما أن أيديهم مملوءة بالفواكه التي التقطوها من الغابة.
وهم يصعدون رأوا أمامهم مجموعة الأطفال الذين التقوا بهم مع العجوز.
نظر أحد الأطفال وراءه، فوجد مجموعة يوسافير تتبعهم، فنادى عليهم
يا أصدقائ
توقف الجميع وهم ينظرون إلى الأشخاص القادمين من تحتهم.
فور وصولهم، تحدث أحد الصبية: هل تريدون رؤية قمة الجبل أيضًا؟
نظر يوسافير إلى الأخشاب العريضة التي يحملها الصبية وقال: نعم، نريد أن نرى منبع هذه المياه.
أومأ صبي برأسه ثم رفع قطعة الخشب الكبيرة ووضعها على كتفه: اتبعوني، لم يبقَ الكثير.
اومأ يوسافير برأسه ثم تبع صبية هو والأخرين
لم يمضِ سوى لحظات حتى ظهرت القمة فوقهم مباشرة، وكمية المياه التي تنزل منها غير طبيعية، وكانت نقية لحد غير طبيعي.
وكأن الجبل جرة كبيرة جدًا جوفها مملوء بالماء، وبعد امتلائها تدفق الماء من خلال أطرافها.
ولأن الماء غطّى كل شيء اضطرت المجموعة للقفز بين الصخور البارزة لرؤية القمة.
حدق يوسافير جيدًا في الفوهة الظخمة وهو مندهش من حجمها.
ـ كم تظن طول هذه الدائرة؟ سأل يوراي.
شبك يوسافير يديه نحو صدره، وكانت عيناه واسعة جدًا بسبب المنظر تحت عينيه.
ـ غالبًا طولها ستة وعشرون مترًا.
ـ انظروا إلى تلك الأسماك ذات اللون الذهبي! إنها رائعة. كيف وصلت إلى هنا؟ سأل ميمون.
أجاب صبي صغير: هذه الأسماك منذ أن وصلت إلى هذا المكان وهي هنا، لا أعرف كيف وصلت لهنا.
ـ المكان رغم عمقه إلا أنه يمكن النظر لمسافة طويلة جدًا. همست الخرساء في عقول الجميع.
نظر يوسافير إلى يمينه ثم حدّق في الخشبة على كتف الصبي: لماذا تحملون هذه الأخشاب؟ ماذا ستفعلون بها؟
حدّق الصبي في الخشبة بعد أن وضعها أمام عينيه: هذه سترى الآن. هيا يا أصدقاء! حان موعد النزول.
ـ نزول؟ تسائل يوراي بعد أن جعد حاجبه لايسر
ظهر الحماس على وجه الجميع.
قال أحدهم: أنا الأول!
تحدث آخر: لا، أنا الأول!
تمتم آخر: لا، أنت البارحة كنت الأول، اليوم أنا الأول!
ـ يا أغبياء، كلكم ستنزلون، لا يهم من الأول.
ما الذي يحاول فعله هؤلاء الأطفال؟ فكّر يوسافير.
لكن في منتصف تفكيره وضع أحد الأطفال القطعة الخشبية الطويلة في مجرى الماء، ثم استلقى على بطنه، وبسرعة بدأت القطعة تمشي مع الماء.
ـ وااااااه! ارتفع صراخ الصبي.
خلفه كان العديد من الأطفال مستلقين على بطونهم، وكلما زادوا في النزول ازدادت السرعة، حتى تبقى فقط الطفل الذي ضرب يوسافير بالحصى.
نظر إلى عيني يوسافير ثم قال: هذا ممتع!
ثم وضع قطعته واستلقى عليها وتبع الجميع.
ـ وااااااااه!
يمكن سماع صراخ الأطفال قادمًا من بعيد وهو يتلاشى ببطء.
ـ يا له من أمر مسلٍّ. تحدث يوسافير وهو يبتسم.
ـ يوسافير، تعال إلى هنا! نادى ميمون.
نظر يوسافير باتجاه ميمون ثم مشى نحوه.
وقف بجانبه ثم نظر إلى الأسفل.
هناك رأى المكان الآخر الذي توجد فيه القرية التي كانت غير ظاهرة عندما كانوا فوق السفينة.
أمام أنظارهم كانت العديد من الأسطح الحمراء التي تظهر كنقاط صغيرة من قمة الجبل.
ـ عندما قال الرجل العجوز أضعاف الجهة الأخرى، لم يكن يمزح. قال يوسافير.
ـ نعم، يبدو كذلك. ثم توجهت أنظار يوسافير إلى السماء البعيدة؛ هناك رأى غيومًا سوداء تقترب ببطء من جهة الشرق.
ـ هيا، فلننزل. قال يوسافير.
ـ هل سنذهب إلى يورينا؟ سأل ميمون.
أجاب يوراي: لا داعي لذلك. بما أنها دخلت بمحض إرادتها فلن تخرج حتى تنتهي المدة.
كان يوراي يعرف الفتاة جيدًا، لهذا قال هذه الكلمات.
وصلت المجموعة بسرعة إلى الغابة التي صعدوا منها. أسفل الجبل، وبداية الغابة، كان الأطفال الذين نزلوا قبلهم عبر تلك الخشبات يُوبَّخون تحت شجرة عملاقة يحتوي جذعها الكبير على لوحة كبيرة سوداء.
والعجوز يحمل أمامها عصى خشبة طويلة يضرب الأطفال واحدًا تلو الآخر، والكل يمسك بيده؛ أحدهم يحكها مع فخذه، وآخر يلمس بها أحجارًا باردة، وآخرون وضعوها في الماء الذي ينزل من الجبل كي يخففوا عنهم الأذى الذي أصابهم بسبب الخشبة الطويلة.
ـ ألم أنهِكم من قبل عن النزول من أعلى الجبل بتلك الخشبات!؟
أغمض أحد الصبية عينيه ويده بين رجليه يتألم: يا شيخنا، إن الأمر ممتع حقًا.
ـ ممتع؟ وماذا إن تأذى أحدكم؟ قال العجوز.
تحدث طفل آخر وهو يضع يده داخل الماء: أنت ترى يا شيخنا، فلم يصب أحد منا لا الآن ولا قبل. لماذا لا تتركنا نتمتع قليلًا؟
ـ تعال، تريد المتعة. أين هي؟ تقدم العجوز نحو صبي.
الصبي، بعد رؤية العجوز قادم، شعر بالرعب وهو ينظر إلى الخشبة الطويلة.
ـ أنا آسف يا شيخنا! أنا آسف!
ـ باق! باق!
احمرت يد الطفل بسبب ضربة ثم وضعها في الماء مرة أخرى.
ـ لقد ارتكبتم خطأين في نفس الوقت.
نظر الصبية إلى العجوز ولا أحد منهم تكلّم.
ـ جيد جدًا. الخطأ الأول أنكم خالفتم أوامري بعدم صعود الجبل بهذه الأخشاب والنزول بها.
ـ الخطأ الثاني… كم الوقت الآن؟
نظر الأطفال فيما بينهم.
ـ أظنكم تعرفون، أليس كذلك؟ لقد تأخرتم لنصف ساعة عن المدرسة.
شعر الأطفال بخيبة أمل، ثم تحدث أحد الصبية: ما الممتع في الدراسة يا شيخنا؟ نحن لا نستفيد منها شيئًا.
تحولت نظرة العجوز إلى الصبي الذي تحدث: لا تستفيد منها شيئًا؟ هل أنت متأكد؟
صمت الصبي ولم يقل شيئًا.
اقترب يوسافير والبقية من الصبية والعجوز ببطء، ووقفوا ينظرون إلى المشهد أمامهم ويستمعون إلى كلام العجوز.
كانت لمحة من ذكريات تضربهم جميعًا، لقد كانوا في يوم من الأيام في مثل عمر هؤلاء الأطفال وأصغر منهم، ونفس ما يحدث لهؤلاء الأطفال حدث لهم في الماضي.
تلك ذكريات جميلة، رغم أنها لم تكن بتلك الجمال، إلا أن جمال الذكريات يبقى.
حدق العجوز فيهم ثم ابتسم: تقدموا.
رفع يوسافير حاجبيه، التفت إلى جانبيه، ثم تقدم.
بعد جلوس الأطفال في مكانهم التفتوا خلفهم.
ـ هل تودون الدراسة مع هؤلاء الأطفال؟
تفاجأ الأطفال. ضحك أحدهم: يا شيخنا، أليسوا كبارًا عن المدرسة؟
فتح العجوز عينيه في وجه الطفل: هوهوهوهو... بدأ العجوز يضحك.
ـ هل تظن أيها الصبي أن العلم فيه كبير وصغير؟ العلم غير محدود يا صغيري!
رفع العجوز العصا الطويلة ثم ضرب بها من تكلم.
ـ باق! هذه ضربة ستذكرك بما قلته لك الآن.
ـ ازززز... تألم الصبي من ضربة الرجل وأمسك برأسه ثم قال: حسنًا...
جلس يوسافير ويوراي وميمون والخرساء خلف التلاميذ.
كانت المجموعة تستمتع وهي تدرس مع العجوز. مر الوقت بسرعة وانتهى الدرس.
وقف أحد الأطفال بسرعة يريد المغادرة.
ناداه العجوز: توقف! أين أنت ذاهب؟ لا زال هناك قصة سأحكيها لكم الآن.
ـ وهل القصة مهمة؟ تحدث صبي.
ضيّق العجوز عينيه. شعر الصبي بالخوف وتراجع إلى مكانه.
ـ حسنًا، فلتستمعوا جيدًا. قال العجوز وعيناه على يوسافير والبقية.
ــ في قرية نائية عاش رجل عجوز وحفيده الصغير. كان ذلك صبيًّا يدعى سامو.
ذلك الفتى كان معجبًا بجده كثيرًا ويحبّ التعلّم، في أحد الأيام سأل جده:
ـ جدي، أريد أن أكون حكيمًا مثلك، أعرف كل شيء. كيف أفعل ذلك؟
تعجب الجد وهو يطالع باحفيده ثم ابتسم، وأعطى لحفيده قارورة صغيرة ثم قال له: املأها بالمعرفة، وحين تمتلئ ستصبح حكيمًا.
تأمل سامو في القارورة وهي في يده، ثم نظر إلى جده: حسنًا.
خرج سامو وذهب إلى المعلمين والأساتذة والعلماء، سمع القصص وقرأ الكتب، وطاف البلدان ثم زار القارات ونبش في التاريخ، وتعلّم العلم من كل بقاع الأرض حتى امتلأت القارورة... أو هكذا كان يظن.
عاد إلى جده فرحانًا مبتسمًا بعد طول غياب وقال: انظر يا جدي، لقد امتلأت! فأنا الآن صرت حكيمًا!
أخذ الجد القارورة ونظر داخلها بابتسامة، ثم هز رأسه وقال: انظر جيدًا يا سامو، إنها لم تمتلئ بعد.
ـ ماذا؟! اندهش الشاب... نعم، لقد كبر سامو، صبي صار شابًا.
اقترب سامو من القارورة ونظر داخلها وتفاجأ لأنها حقًا لم تمتلئ بعد.
أخذ سامو القارورة من يد جده ثم انطلق في رحلة أخرى.
هذه المرة صال وجال في كل بقاع الأرض، أراضٍ لم يزرها من قبل ذهب إليها، أماكن لا يصلها أحد ذهب إليها. لم يترك سامو أي مكان لم يصله.
ثم بعد مدة طويلة عاد إلى جده وهو يحمل القارورة.
ـ جدي، القارورة ملأتها الآن! انظر!
ابتسم الجد وهو ينظر إلى حفيده الذي صار شابًا في أواخر العشرينات من عمره.
نظر إلى القارورة مرة أخرى.
ـ سامو... إنها لم تمتلئ بعد.
صدم سامو مرة أخرى، ثم اقترب ورأى فعلاً أنها لم تمتلئ بعد. ضيق سامو عينيه وهو ينظر إلى جده.
ـ هاهاهاها! أطلق الجد ضحكة خفيفة، ثم قال: كلما أضفت شيئًا جديدًا وُلد فراغٌ في القارورة.
ـ ماذا؟! ألقى سامو نظرة على جده ثم أضاف: إذن… متى ستمتلئ؟
أجاب الجد بكل هدوء وهو مبتسم: عندما تتوقف عن السؤال.
ارتفعت حواجب سامو: إذن هكذا لن تمتلئ أبدًا يا جدي!
شعر سامو بالخيبة وهو يتأمل في القارورة. منذ ذلك الحين عرف أن القارورة لن تمتلئ أبدًا، لأن الأسئلة لا تنتهي.
حدق العجوز في الصبية أمامه، ثم في يوسافير والبقية: هل الاستاذ أو العالم أو من يمتلك المعرفة بشكل عام هو شخص كامل، لا كل شخص وهناك شيء يفتقر له، الحكمة من هذه القصة يا صغار أن المعرفة ليس لها حدود طالما هناك سؤال.
من سؤال يولد الفراغ، وذلك الفراغ هو المعرفة.
وفي النهاية أقول: السؤال هو مفتاح المعرفة...
النهاية.