وصل يوسافير والبقية ومعهم العجوز إلى الجهة الأخرى خلف الجبل، كان المكان مكتظًا بالناس في الطرقات.

كانت القرية تمتدّ على سفح صغير، بيوتها العشوائية مبنية من الطوب الحجري، متراصّة كأنها تستند إلى بعضها البعض كي لا تنهار.

الأزقة ضيّقة ومتعرّجة، تتخللها رائحة التراب الرطب وصوت الماء وهو ينساب في الجداول الصغيرة التي تشقّ القرية من أولها لآخرها.

في تلك الجداول، كانت أسماك صغيرة تسبح بخفّة، تظهر وتختفي تحت ظلّ الأعشاب المتدلّية.

أول ما ظهر في وجه المجموعة هو السوق الصغير، انتشرت المتاجر البسيطة: بائع خضار يصرخ لجذب الزبائن، وامرأة تعرض سلال البيض الطازج، ورجل عجوز يصلح شباك الصيد أمام كوخه.

الفلاحون يمشون بخطوات بطيئة، ثيابهم مغطاة بغبار الحقول، يتبادلون التحايا والحديث عن الموسم القادم.

الأطفال يركضون حفاة على طول الطريق الترابي، يلاحقون الدجاج أو يضحكون وهم يرمون الحصى في الجداول.

وفي أطراف القرية، يمكن سماع خوار البقر وثغاء الماعز، بينما يمرّ قطيع صغير يقوده صبي يحمل عصًا أطول منه بقليل.

كانت الحياة تمشي ببطء، لكنها مليئة بالأصوات: حفيف الأشجار، خبط أقدام الحيوانات، همسات الناس، وضحكات متقطعة تأتي من كل زاوية.

كل شيء فوضوي، لكن القرية رغم عشوائيتها كانت تنبض بدفءٍ خاص، يكشف عن بساطة الناس وارتباطهم بأرضهم.

وصلوا أمام متجر صغير، لكنه داخله مملوء بالأكياس الجلدية في مختلف الألوان والأشكال.

"أهلًا شيخنا"، قال صاحب المتجر وهو يحيي الرجل العجوز.

"مرحبًا، كيف تجري الأمور؟ هل التجارة تجري بشكل جيد؟" سأل العجوز.

"نعم شيخنا، كل شيء جيد، كما ترى القرية تنبض بناس."

تجولت عيني الرجل على مجموعة يوسافير: "هل يريد الأصدقاء شراء شيء؟"

كحووو... كحووو... سعل العجوز بخفة وهو يضع يده أمامه: "نعم، نريد ثلاثة أكياس كبيرة."

"حسنًا، طلبات شيخنا أوامر." همس الرجل، ثم التفت إلى متجره وبدأ يقلب الأكياس حتى أخرج ثلاثة أكياس جلدية سوداء متشابهة.

"كم ثمنها؟" سأل يوسافير وهو يخرج كيسًا صغيرًا مملوءًا بالنقود.

وضع العجوز يده أمام يوسافير: "هذه الأكياس عليّ، لا داعي للدفع."

رفع يوسافير حاجبيه ثم أومأ برأسه: "حسنًا."

"كل كيس بثلاث قطع سولار معدنية." أجاب البائع.

أخرج العجوز قطعة سولار نحاسية ثم وضعها في يد البائع، أراد البائع رد القطعة المعدنية، لكن العجوز رفع يده: "لا بأس، احتفظ بها."

ما هي إلا لحظات حتى رن جرس قوي في القرية، سمعه جميع السكان.

حدق العجوز بعيدًا بينما ضيق عينيه ثم قال: "أكملوا أنتم تسوقكم، أنا سأنجز أمرًا ما والحق بكم."

أومأ الجميع برأسه، ثم نظروا فيما بينهم.

بعد مدة قصيرة، رأت المجموعة الكثير من الناس يتجهون إلى نفس المكان، ظهر فضول على وجه يوسافير والبقية، لكن هذا الفضول اردوا نزعه ثم توجهوا هم أيضًا إلى المكان الذي يذهب إليه السكان.

وصلوا إلى مكان تجمع سكان القرية، وتوقفوا بعيدًا عندما رأوا العجوز أمام العديد من السكان، وجميعهم ينظرون إلى مكان محدد.

"يبدو أن هناك شخص قدام، وهم ينتظرونه"، تحدث يوسافير.

تمتم ميمون ببطء وهو يشبك دراعيه"يا ترى من هذا الشخص القادم ليجتمع هذا العدد من الناس لكي يستقبلونه"

فور طرح ميمون للسؤال، ظهرت مجموعة من الأشخاص أمام أعينهم.

ظهرت لمحة من دهشة على وجوههم.

"إنهم من الجيش!" رن صوت الخرساء في عقول الجميع.

اقترب يوسافير والبقية معه، لأن المكان الذي كانوا يقفون فيه بعيد جدًا.

ومع اقتراب أفراد الجيش أمام السكان، ظهرت ملابسهم واضحة للجميع.

"يبدو أنه الملازم الذي تكلم عنه العجوز." تحدث يوسافير

كان شخص في مقدمة الجنود يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها رون الذي التق به يوسافير ويوراي في عرض البحر.

فور وصول الملازم وجماعته، فتح فمه مباشرة: "مرحبا مرحبا كيف حالكم، هل جهزتم ضريبتكم لهذا الشهر؟"

بعد صمت اجاب العجوز: "كما ترى هذه لاشهر القليلة الماضية كانت صعبة جدا لهذا لقد جهزنا نصفها، وإن صبرتم علينا أسبوع آخر سنجهز النصف الآخر."

تجهم وجه الملازم: "أيها العجوز الخرف، ما الذي تتكلم عنه؟ إن لم تدفع كل ما عليك، كيف تريد منا حمايتكم؟"

أجاب العجوز بكل هدوء: "لكن ليس معنا المال الكافي."

"لا يهمني، عليكم دفع الضريبة التي عليكم، فعدم دفعها يعد تمردًا على الجيش."

رفع العجوز يديه وقال "فل تعطنا مهلة لمدة أسبوع، سنجهز كل ما علينا."

في تلك اللحظة وصل الأطفال الذين كانوا يلعبون في مكان ما بعد انتهاء وقت المدرسة.

الطفل الذي ضرب يوسافير بالحصى، والذي كان متسببًا في دخول الفتاة إلى السجن، تحدث: "اغربوا عن وجهنا أيها الجيش، لن ندفع لا ضريبة لكم ولا لأمكم، نحن قادرون على حماية أنفسنا، فقد غادروا هذا المكان."

وراء الطفل وقفت امرأة، وبسرعة أغلقت فمه بيديها: "أصمت..."

نظرة شرسة ارتفعت على وجه الملازم.

لكن جندي آخر تحدث: "يبدو أنك تسعى لموتك أيها الصبي."

وقفت المرأة أمام الصبي: "إنه لا يزال صغيرًا."

"ندفع أحد الجنود: "لا يهمني إن كان صغيرًا أو كبيرًا، كل من اعترض أفراد الجيش وقلل احترامه اتجاه الملازم سيلقن درسًا."

شهقت المرأة بينما نزلت دمعة من عينيها خوفا على ابنها: "إنه لا يزال صبي صغير، هل هذه هي حقيقتكم وأنتم تدعون أنفسكم حماة العالم؟"

ضيق الجندي عينيه، ثم اقترب منها، لكن ما وجد أمامه هو العجوز.

"أيها الجندي الشاب، لماذا لا تتراجع من أجلي؟"

"اغرب عن وجهي أيها العجوز، براق..."

قبضة نزلت على وجه العجوز، أرسلته إلى الوراء يترنح.

"ما الذي تفعله؟" انفعل السكان وبدأوا يتقدمون. خاف الجندي وتراجع قليلاً للوراء، ثم استل سيفه ووضعه أمامه.

"إن تقدم أحدكم فلن أرحمه."

توقف السكان.

"عار عليكم!" تكلمت المرأة: "عار عليكم ما تفعلونه!"

بدأ الصبي يبحث بعينيه عن شيء في الأرض، ثم أبصر حصى أصغر من قبضة يده بقليل، حملها التف حول أمه. ما رأى أمامه هو الجندي الذي ضرب العجوز.

أرجع يده للخلف ثم ضرب بالحصى: "خذ يا ابن العاهرة!"

فغففف... بوم!

نزلت الحصى على عين الجندي.

واعععع....

صرخ الجندي وهو يسقط سيفه بينما يده على عينه اليسرى.

بعد رؤية الجندي يصرخ، تقدم الملازم ذو الشوارب الطويلة وهو يبتسم: "تعدي على جنود الجيش عقوبتها هي الإعدام، ألا تعرفون ذلك؟"

جرت المرأة ابنها خلفها، لكن الملازم كان أمامه مباشرة، رفع يده: "باق..."

صفعة قوية رفعت المرأة، ثم طارت حتى اصطدمت بالناس خلفها وسقطت فاقدة للوعي.

رؤية الأم فاقدة الوعي، نظرة شرسة ظهرت على وجه الصبي.

"هووو... هل تريد ضربي؟" سخر الملازم.

تقدم الصبي نحو الملازم، لكن الأخير رفع قدمه وبسرعة نزلت على وجه الصبي مثل أمه، ترجع محلقًا حتى اصطدم بالناس خلفه.

وقف العجوز وهو يمسح دمًا من أنفه: "كيف لك أن تضرب امرأة وصبي صغير؟ هل هذه هي القوة التي تتفاخر بها أمام الضعفاء؟"

"ماذا، ألم يعجبكم الأمر؟ أنا مستعد لضربكم جميعًا." ظهرت لمحة ساخرة على وجه الملازم بعد أن تكلم.

تماسك السكان ولم يقولوا شيئًا.

"عليكم ألا تتذمروا، عليكم أن تشكروني لأني لم أقتله."

توقف الملازم عن الكلام وهو يحدق في الجميع، ثم أكمل: "سأمهلكم يومًا واحدًا، في الغد سأكون هنا. إن لم أجد مالي هنا، فأنتم لا تريدون أن تعرفوا ما سيحصل، صحيح؟"

ابتسم الملازم عندما حل صمت في المكان، لأن لا أحد كان قادرًا على التحدث: "جيد جدًا، لقد بدأتم تعجبونني."

بالرجوع إلى يوسافير والبقية.

"يالهم من لعناء أوغاد!" قالت الخرساء.

"هل نقتلهم يا يوسافير؟" سأل ميمون.

لم يجب يوسافير، واكتفى بصمت.

بينما تحدث يوراي بكل هدوء: "أنا متفق مع ميمون، علينا قتلهم جميعًا."

ابتسم ميمون، بينما سأل مرة أخرى: "ألن نتدخل بعد يا يوسافير؟"

أجاب يوسافير: "لقد كنت أريد معرفة شيء ما، لكن يبدو أني كنت أتخيل. حسنًا، هي بنا."

كان يوسافير والبقية على وشك التحرك، لكن أمامهم ظهر ثلاثة جنود بدأوا يتحدثون مع الملازم.

"هل هذا صحيح؟" ظهرت لمحة من المفاجأة على وجه الملازم.

فكر قليلًا وهو ينظر إلى الأرض: "حسنًا، هي بنا، لنذهب بسرعة قبل أن يهرب."

التف الملازم بعد أن أدار جسمه عن السكان، ورفع إصبعه: "يوم واحد، إن لم أجد مالي أمامي ستكون النتيجة بعيدة عن تفكيركم."

هاهاها، سخر الجنود، ثم اندفعوا مسرعين.

تحت الشجرة الكبيرة وعلى العرش الحجري جلس الجوكر وهو يضحك، فجأة سمع صياحًا من بعيد:

"سيدي القديم العظيم! سيدي القديم العظيم!"

لهث... لهث... لهث...

جاء شخص يركض بسرعة ووقف أمام الجوكر وهو يلهث.

نظر إليه الجوكر نظرة استغراب، ثم وقف من مكانه واقترب من الشخص وركله في وجهه: "تحدث، أيها الغبي، تحدث، ماذا تريد؟"

هاه... هاه... هاه...

كان الشخص لا يزال يلهث، مما أدى إلى تحول وجه الجوكر إلى وجه غاضب، ثم نقض عليه.

بوم... بوم... بوم...

بدأ يلكمه في وجهه: "تكلم، تكلم، تكلم!"

صاح ذلك الشخص: "هااااا، ساعدوني!"

بعد مرور بعض الوقت، كان الشخص على ركبته ووجهه متورم، والجوكر أمامه مباشرة تحدث: "سيدي القديم العظيم، الملازم من الجيش قادم نحونا!"

ماذا..؟ تغير تعبير وجه الجوكر بعد أن كان أبيض، صار أخضر مثل شعره للحظة.

"هل أنت متأكد؟" سأل الجوكر.

"نعم سيدي القديم العظيم، لقد رأيته بأم عيني."

"باق... باق..."

"لماذا لم تقل هذا من البداية؟" بدأ يركله مرة أخرى.

"هيا بنا! هيا بنا!"

بدأ الجوكر يركض وهو يبكي: "أخخ، أيها الجيش لعناء، أينما أذهب أجدكم، العنة عليكم العنة عليكم! لما لا تتركوني أعيش بسلام؟ أخ، يا قريتي، سأتركك."

هاهاهاها...

هارلوك بسرعة كان يجري بجانب الجوكر وهو يضحك: "تبدو مضحكًا يا جوكر."

"ماذا تقول أيها الوغد؟" مسح الجوكر مخاطه الذي يتدلى من أنفه وهو يتكلم.

وصل الجوكر بسرعة إلى أحد المنازل الكبيرة ودخلها هو وأتباعه.

"بسرعة أيها الأغبياء، اجمعوا امتعتكم."

"هل سنرحل يا سيدي؟"

"ابتسم الجوكر وقال لا، سنرقص مع أمك، بسرعة أيها الغبي."

براق، بوم، باق، طيب...

وهم يجمعون أمتعتهم، سمعت جميع الأصوات داخل المنزل.

لكن من الخارج، ندفع صوت نحو داخل: جوكر لقد وجدتك! أخرج من جحرك، لقد بحث عنك كثيرًا يا صديقي وأنت في هذا المكان، أنت ذكي حقًا."

"كيف عرف هذا... الابن العاهرة هذا المكان.." تساءل الجوكر في نفسه.

"هاهاهاها... يا زعيم، لقد وقعنا في ورطة!" قال هارلوك وهو يضحك.

"أبناء العاهرات من الجيش وأعوانه، تبا، تبا، تبا لكم جميعًا، سأتأكد من زوالكم جميعًا يومًا ما!" كانت تعابير وجهه فضيعة وهو يتكلم.

كان الملازم في الخارج هو وأعوانه يطوفون بالمنزل من كل الجهات.

خرج الجوكر، وهو نورمان الذي وصل في وقت سابق، وبجانبه هارلوك أيضًا، الذي يضع يديه خلف رأسه وهو لا يزال يضحك.

بدأ الجوكر ينظر يمينًا ويسارًا، وكأنه يبحث عن ثغرة للهرب.

رأى الملازم ملامح الجوكر، ثم قال: "لا داعي للقلق، فليس هناك منفذ للهرب."

ضحك الملازم بسخرية، ثم أكمل: "لا داعي للقلق، لست هنا للإمساك بك، فأنا هنا من اجل هدنة."

فتح الجوكر فمه: "هدنة؟ عن أي هدنة تتحدث؟"

تجولت أنظار الملازم في كل مكان: "ألا ترى هذا المكان الجميل؟ أليس يستحق أن نستخدمه في صالحنا؟"

ضيق الجوكر عينيه: "هل تريد مني العمل معك؟"

رفع الملازم الأصلع يده على شكل مسدس: "هذا صحيح، أنت أذكى مما ظننت."

"عن أي عمل تتحدث عنه؟" سأل الجوكر بفضول

"الكلام لن يكون هنا، أنا أدعوك إلى وليمة غدا صباحا، هناك سأخبرك ما الذي سنفعله وما هو العمل الذي سنديره في هذا المكان."

نظر الجوكر في عيني الملازم وبعد تفكير طويل قال: "حسنًا، في صباح سأكون هناك ."

ابتسم الملازم: "هذا جيد، سأكون سعيدًا للتصرف معك."

"هي بنا لنزول ثائر الآخر"، قال الملازم بصوت عالي.

بالعودة إلى الصبي الذي فقدت أمه وعيها، كان الجميع مجتمعين حولها.

"أمي... أمي... أمي!" سمع صوت صراخ الصبي: "انهضي أرجوكِ!" بكى طفل بحرقة ودموع تنهمر من عينيه كأنها اعين تجري.

كان الناس الذين احاطوا بالمرأة ملامحهم تحمل الألم والضعف في نفس الوقت.

حمل أهل القرية المرأة ببطء وهموا بأخذها إلى طبيب.

شيخنا نادى أحد الرجال: "عليك أنت أيضًا أن تذهب نحو طبيب."

أومأ العجوز برأسه: "سألحق بكم فقط اذهبوا ."

النهاية

2025/12/13 · 13 مشاهدة · 1755 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026