جرثومة السلسلة – السوط
تحرّكت السلسلة، تجرّ خلفها صليلًا حادًا، وهي تنقضّ نحو الملازم، الذي كان يراوغ بسرعة كبيرة، يتفادى مسارها المتوحّش.
كان المكان الذي يقف فيه يوسافير والملازم قد تحوّل إلى ساحة خراب؛ حُفَرٌ غائرة، وأشجارٌ مقطوعة، وأحجارٌ متناثرة في كل اتجاه، سواء كانت من الأرض التي تمزّقت أو من البيوت التي سقطت تحت وطأة معركتهما.
تراجعت سلسلة يوسافير نحوه فجأة، ثم حدّق بالملازم وقال بابتسامة خافتة: "من هو الذي يقف خلفك حتى تتجرأ وتكون وغدًا إلى هذا الحد؟"
لهث… لهث… لهث…
مسح الملازم جبينه بيده وهو يلتقط أنفاسه، ثم ابتسم ابتسامة باهتة: "أنا ملازم في الجيش… هل يجب أن يقف أحد خلفي كي أتصرف بطبيعتي؟"
توقف لحظة، تجعّدت جبهته باستغراب، ثم أكمل: "لكن… لم أفهم ماذا تقصد بالوغد."
انطلقت سلسلة سوداء من يد يوسافير، تتلوّى كالأفعى، ثم التفّت حول جسده وصعدت نحو السماء، قبل أن يهمس بصوت منخفض: "ستعرف الآن."
وبلمح البصر، اندفع يوسافير نحو الملازم بسرعة هائلة.
بعد رؤية يوسافير يندفع نحوه، تراجع الملازم قليلًا وهو يلعن في نفسه: "هذه سلسلة لعينة… لن تتركني أقترب منه أبدًا… سحقًا له."
أمام أعين الملازم، لمح شيء يلمع يقترب منه بسرعة كبيرة. ارتبك للحظة، قبل أن يدرك أن السلسلة قد اقتربت منه للغاية، فمال بوجهه وجسده بعيدًا، لكن السلسلة ضربت بقوة، فارتطمت بالأرض بصوت مدوٍّ: بوممم…
نصف شارب الملازم الذي بقي لم يسلم؛ انتزعته السلسلة بلا رحمة.
شعر الملازم بالخطر يزداد، وصرخ بصوت حاد: "تبا لك أيها الشقي!"
اندفع نحو يوسافير، موجّهًا لكمة سريعة تخترق الهواء. اقترب من يوسافير، الذي جر السلسلة نحوه، مشكّلًا درعًا واقيًا أمام ضربته.
لكن قبل أن يكتمل الدرع، اخترقت الكمة السلسلة بين فجواتها.
بوممم…
سقطت على وجه يوسافير، فارتفعت قدماه عن الأرض واندفع إلى الوراء كصاروخ، حتى اصطدم بشجرة المدرسة بعنف.
خرج الدم من فمه وهو يسقط على الأرض، لكن ابتسامة خافتة تعلو شفتيه.
"هاه… هااه… هااه… هااه…"
خد أيها الشقي لعين.
كان الملازم يلهث، ثم ابتسم وهو ينظر إلى يوسافير المستلقي على الأرض، لكن فجأة تغير تعبيره لأنه لمح شيء على الأرض ينظر إليه، عينان سوداوان تنظران مباشرة نحوه.
"ما هذا؟" تمتم ببطء وهو يتراجع.
صليل... صليل...
مع تراجعه سمع صوت سلسلة، وأحس بقدمه ثقيلة بعض الشيء.
انزل عينيه نحو قدمه، هناك رأى سلسلة ملتفة حول قدمه.
رفع قدمه. جرثومة رفس… رفسة النهاية. صليل... بوم... بوم... بوم...
أطلق عدة ضربات نحو السلسلة لكنها لم تنزع.
رفع رأسه أخيرًا ونظر إلى يوسافير، الذي كان واقفًا بثبات، تمتم متسائلًا: "متى قام بهذا...؟"
في هذه الأثناء كان الجميع ينظر نحوهم: الجوكر واتباعه، وأهل القرية الذين ابتعدوا بعض الشيء بسبب المعركة التي تجري أمامهم.
أما أتباع الملازم واتباع ثائر كارنو فقد كانوا في موقف مميت، البعض يقاتل بعضهم بسبب الخرساء، وذلك ما زاد كرههم لها أضعاف مضاعفة.
وذلك ماكان دانفع لها.
أما البقية من أرادوا التسلل نحوها، فوجدو ميمون ينهيهم بسرعة.
"يا شيخنا، من تظن له اليد العليا؟"
كانت عيني العجوز على يوسافير من صعب التكهنة في هذه اللحظة، لكن سنرى.
"يا شيخنا، قتال هؤلاء الممسوسين شيء يفوق العقل."
تدخل آخر وقال: "ولماذا يسمونهم ممسوسين من الأساس؟ لأجل هذا شيء."
"إنهم مرعبون حقًا، لقد دمّروا سبع منازل حتى الآن."
على طاولة الطعام، كان الجوكر يتأمل في يوسافير بعينين مركزتين: "هذا الفتى خطير حقًا."
تأمل نورمان في يوسافير مطولا ثم قال"معك حق، خصوصًا وأنه لا يظهر عليه ذلك."
"ألم يحن وقت المغادرة بعد جوكر؟" تساءل هارلوك وهو يجلس مسترخيًا، ينظر نحو السماء السوداء. فجأة سقطت قطرة من المطر على وجهه.
قطرة... قطرة... قطرة...
بدأ المطر ينزل قطرات متفاوتة على الأرض، وكان صوته يترفع مع كل قطرة تنزل.
سننتظر قليلا. اجاب الجوكر.
بالرجوع إلى يوسافير والملازم،
حركت الرياح شعر يوسافير الأسود، وهو يشد سلسلته بقوة، أعادها بسرعة.
انخطف قلب الملازم وهو يُجر بسرعة.
بوم... ارتطم الملازم بأحد المنازل وهو يضع يده خلف رأسه.
بوم... ثم منزل آخر.
"هيهيهي" سخر يوسافير، ثم رفع سلسلته في السماء، ومعها ارتفع الملازم، وارتفع صراخه في السماء، والمطر بدأ ينزل عليه بغزارة: "لعنة عليك أيها الغر..."
تك… تك… تك… تك… تك… تك… تككككك…
شتدت قوة الرياح والمطر.
"هووو!" صرخ يوسافير ضاحكًا، ومع صوته هوى الملازم.
بومممم...
سقط على ظهره على أحد الأشجار، حتى خرجت دماء من فمه.
نقسمت الشجرة إلى نصفين، وفي منتصفها الملازم مستلقٍ على ظهره.
في الجهة الأخرى بين الجبال، كان يوراي وكارنو واقفين ينظران إلى بعضهما.
لهث... هاهى... هاهى... هاهى...
تمتم كارنو باستغراب وهو يلهث: "غريب جدًا… هذا غريب، رغم أنك تتمشى أمامي لا أسمع خطواتك، تبدو كمغتال أيها الوغد أكثر من ثائر."
"ما الذي كنتم تنون فعله في هذا المكان؟" تسائل يوراي
"لقد كانوا على وشك بناء مصنع في هذه الجزيرة، يوراي."
فجأة رن صوت في عقل يوراي. "هاه..." تفاجأ يوراي من سماع كلام لم يسمعه منذ مدة.
ابتسم يوراي، ثم همس في داخله يورينا: "لقد مر وقت طويل."
"نعم، ثلاث سنوات أو أربع على ما أظن." ردت يورينا.
"كيف تعرفين هذا؟" تساءل يوراي.
رؤية يوراي يبتسم وحده وينظر بعيدًا جعل كارنو ينظر إلى نفس المكان، لكنه لم يجد شيئًا: "ما الذي يفعله هذا الغبي؟"
في المكان الذي كانت تجلس فيه يورينا فوق السطح، كانت تضع يدها الرقيقة على وجهها، تحدق في يوسافير وهو يقاتل الملازم.
"يالَك من غبي، هل نسيت قدرتي؟" تحدثت الفتاة.
ابتسم يوراي: "آه، المهم، هذا جيد لأنك أخبرتني، لأننا قبل مجيئنا إلى هذا المكان صادفنا مصنعين، أنا ويوسافير."
"هل هذا صحيح؟" تساءلت يورينا، وهي لا تزال تحدق في يوسافير رغم أنها تضع عصابة حول عينيها.
أجاب يوراي: "سنخبرك بهذا الأمر لاحقًا."
"حسناً، كن حذرًا أخي..."
ابتسم يوراي لكنه لم يقل شيء.
كان يوراي حاليًا بعيدًا عن يورينا، مواقعهم مختلفة، لكن كيف تحدثوا مع بعض؟ هذا شيء هم وحدهم من يعرفوا ذلك...
"ما الذي دهاك أيها الأعمى؟" قال كارنو.
"لا تهتم بذلك، كيف تريد الموت؟" سأل يوراي.
رفع كارنو حاجبه، ثم ضحك عاليًا:
هاهاهاهاها....
"أنت أيها النحيف تقتلني… يا لها من مهزلة!"
لم يهتم يوراي لكلامه، ثم سأل مرة أخرى: "هل تودون بناء مصنع في هذا المكان؟"
صمت كارنو فجأة بعد سماع كلمات يوراي، اندهش لأن هذا الموضوع لا يعرف عنه إلا هو والملازم، وقبل مدة قصيرة قد أخبروا الجوكر، لكن لم يكونوا هناك.
"كيف عرفت ذلك؟" تساءل كارنو وهو متجهم الوجه.
وضع يوراي يديه قرب صدره: "هل تظنني أحمق كي أخبرك؟"
"إن أبرحتك ضربًا ستخبرني؟" قال كارنو منزعجًا.
أمال يوراي رأسه للجانب: "حاول أن تفعل ذلك إن استطعت." صمت قليلاً، ثم أكمل: "هل ليونهار هو من أخبرك ببناء في هذا المكان؟ هل هو من يقف خلفك؟"
كلمات يوراي جعلت كارنو يفتح فمه عن آخره، لأن كلمات يوراي كانت صحيحة مئة بالمئة، لكن المشكلة: كيف عرف ذلك؟ هذا ما جعل كارنو مندهشًا للغاية.
"أيها العين، كيف تعرف كل هذا؟ من أنت؟ من تتبع؟"
تسلل خوف إلى ملامح كارنو الآن، من يعرف هذه الأشياء فهو ليس شخصًا عاديًا.
"من أنا؟ هل تريد حقًا معرفة اسمي؟ اسمي يوراي."
"ما هو اسمك الكامل؟" تساءل كارنو.
ابتسم يوراي: "ولماذا تظن أني سأخبر غبيًا مثلك؟ حتى لو أخبرتك، فلا شيء ينتظرك سوى الموت."
"كيف تعرف بأمر المصانع؟" ضغط كارنو على يده وهو يتكلم.
أجاب يوراي بهدوء " ااه هذه ليست أول مرة أرى فيها مصانع، لقد كان هناك مصنعان في غابة قرب راندور، وقمنا بتدميرهما."
ضيق كارنو عينيه، وبعد صمت دام للحظة: "إذا أنتم سبب تدمير تلك المصانع؟ أنتم حقًا لا تعرفون مع من عبثتم.
سأخبرك بشيء أيها الغر الصغير: عدم معرفتكم بالثائر ليونهار سيكلفكم حياتكم."
لم تختفِ الابتسامة عن وجه يوراي، وضع يده أمامه: جرثومة العظام: عظام الهاوية.
انطلقت مجموعة كبيرة من العظام على شكل أشواك بسرعة نحو كارنو.
كارنو، بعد رؤية الهجوم، استدار بجسمه وقفز على الصخور بسرعة، وبعد كل صخرة يقفز منها، يتم تحطيمها بقوة بعظام يوراي.
انزلقت قدم كارنو فجأة،.
استغل يوراي تلك الهفوة، ووجه الكثير من الأشواك العظمية بتجاهه.
في تلك اللحظة خرجت كلمات من فم كارنو : جرثومة اليونة – ليونة الأطراف.
تمددت أطراف كارنو، كل جسمه بدأ يتمدد حتى صار كخيط رقيق.
بك... بك... بك... بك... بك... انغرست العظام في الأرض بسرعة، لكن كارنو تسلل بين تلك العظام المتشابكة، ثم اندفع نحو يوراي.
"يالَك من خبيث" تمتم يوراي وهو يتراجع.
استرجع كارنو نفسه وبدأ يبتسم: "هل تظن أن ليونهار جعلني في هذا المكان من فراغ؟"
"واو، واو!" حرك يوراي رأسه للجانبين: "يا له شيء عظيم تعتز به."
سيف العظام نزلق سيف من العظم إلى يد يوراي من تحت أكمامه، ثم اندفع بسرعة وكأنه لم يندفع، لأنه لم يسمع صوتًا عندما تحرك.
"ليونة الأطراف" تمتم كارنو ببطء.
في هذه اللحظة بدأ المطر ينزل بقوة.
في الجهة الأخرى نظر ميمون نحو الخرساء: "هل أنهىهم؟"
أومأت برأسها: "أفعل ما يحلو لك."
بوم! صوت رعد قوي دوى في المكان، جتاح برد قارس المكان. نظر الجميع نحو الجانب، فإذا بشخص قادم، من شدة الغبار والرياح كانت عيونه زرقاء تشع ببريق غريب، حاملاً منجله طويلًا، كأنه حاصد للأرواح، قادم لأخذ أرواحهم.
يورينا، على سطح المنزل، وقفت بعد انتهائها من الطعام، ووجهها موجه نحو يوسافير: "لنرى من سنساعد أولًا..."
النهاية.
تعليقاتكم مهمة لنا