كان المطر يهطل بغزارة، يصفع الأرض كطبول الحرب. وقف يوراي ثابتًا، وقطرات الماء تنزلق فوق ملابسه.

ابتسم كارنو ابتسامة مائلة، وذراعاه تتحركان بانسيابية غير طبيعية، وكأن عظامه قد اختفت تحت جلده. قال بصوت منخفض: جرثومة العظام… قوية حقًا. لكن جرثومتي أكثر ليونة مما تتخيل.

مدّ يده، فانحنت ذراعه بزاوية مستحيلة، ثم امتدت بسرعة. جرثومة الليونة… سوط… هجمة مخيفة اتجهت نحو وجه يوراي.

تشيك!

رفع يوراي ساعده، فاندفعت العظام من تحت أكمامه لتشكل درعًا أمامه.

برّاق…

اصطدمت به ذراع كارنو وارتدت بسرعة.

ضحك كارنو: تلك العظام حقًا صلبة.

ابتسم يوراي، ووضع يده اليسرى على عنقه ثم أمال رأسه. طاق… طاق… طاق… تفرقعت العظام داخل عنقه، ثم اندفع بسرعة نحو كارنو.

سخر كارنو وهو يتقدم أيضًا: أيها الهيكل العظمي، لديك جرثومة قوية حقًا، لكن لسوء حظك أنك تواجهني.

مع اقترابه من كارنو رفع يوراي يده قليلًا، ثم غلفها بالعظام.

انحنت ساقا كارنو وارتختا كالمطاط بشكل لولبي، ثم قفز بسرعة مذهلة باتجاه يوراي بحركة ملتوية لولبية، وذراعاه تدوران حول بعضهما كحبلين.

ثبت يوراي قدميه، وانفجرت من كتفه عظمة طويلة، اندفعت كرمح مستقيم نحو صدر كارنو. بوووم!

سقط الرمح على الأرض بشكل متفجر. كارنو في اللحظة الأخيرة انحنى للخلف حتى لامس ظهره الأرض دون أن يسقط، وهكذا تجنب الرمح العظمي.

يالك من وغد مخادع، قال كارنو، وعلامات العرق تنبثق من جبهته رغم شدة المطر والبرد.

كان الرمح الذي توجه نحوه لم يضرب له حساب، وهذا ما فاجأه.

مرة أخرى اندفع للأمام بسرعة. كفه تحوّل إلى شريط مرن.

تمتم يوراي ببطء وهو يبتسم: اقترب يا هلام اللحم…

سخر كارنو: سأريك أيها الهيكل العظمي.

بسرعة وقف الاثنان أمام بعضهما وكأن الهواء تجمّد حولهما. توجهت لكمة يوراي، التي تلامسها قطرات المطر وتتشتت ببطء شديد.

أما كارنو فكانت يده تتجه نحو يوراي هي أيضًا ببطء شديد، تقسم قطرات المطر إلى نصفين.

مع اقتراب يد يوراي من وجه كارنو أحسّ الأخير بالخطر، وأدار يده التي تبدو مثل شريط مرن فالتفت حول ذراع يوراي.

بووووم…

أدّت سرعة لكمة يوراي، التي التفّت عليها يد كارنو، إلى ارتفاع الاثنين في الهواء وسقوطهما فوق الصخور التي تحتهم.

باق… باق… باق…

لمس يوراي بيده الأرض، ثم بشكل لولبي وقف ليجد يده الأخرى ملتوية عليها يد كارنو.

وقف كارنو مبتسمًا، لكن يوراي محا هذه الابتسامة لأنه رفع قدمه في السماء، ولأن يد الأخير كانت تجرّه بقوة، اندفع بسرعة كبيرة.

تبا…! هذا ما خرج من فم كارنو. بووووم! قدَم يوراي سقطت على وجهه بسرعة. انزلقت يد كارنو من يد يوراي وتراجع بسرعة كورقة طائرة نحو الجدار الصخري.

بووووم.

انفجار آخر… سقط كارنو، وفوقه سقطت العديد من الصخور الكبيرة.

أرِني الآن ما تفتخر به يا كتلة اللحم، تكلّم يوراي وهو يقترب منه.

وقف كارنو من تحت الأنقاض، والصخور تتساقط مع وقوفه. بصوت متقلب كأن حنجرته نفسها لينة قال: لن تفلت هذه المرة… سأجعل عظامك منصهرة حتى تصبح مثلي.

سخر يوراي بصوت هادئ دون أن يغيّر ملامحه: العظام لا تلين يا كتلة اللحم. رفع يوراي يده وبدأت عظامه تخرج من تحت ردائه وتتكتف، تتشابك حول ذراعه.

تراجع كارنو خطوة، جسده يرتعش باهتزاز غريب. حسنًا… لنرَ إن كانت عظامك ستقاوم هذا.

ارتخى جسد كارنو بالكامل بشكل فظيع، وصوت يشبه العجين يرتفع في الهواء. فجأة تحوّل إلى كتلة لينة تنساب على الأرض، يتقدم نحو يوراي كشكل بلا عظام، شكل مخيف، ثم امتزج معًا وأصبح بشكل كروي.

المطر يشتد. الهواء يضيق. الجرثومتان تتصارعان. صلابة ضد ليونة.

في الجهة الأخرى كان يوسافير والملازم في أوج معركتهما.

السماء مشتعلة بالرعد، والمطر يهوي كستار فولاذي. وفي وسط القرية بين المنازل كانا يقفان.

يوسافير، وعيناه سوداوان كليل بلا قمر، حوله تدور سلسلة سوداء رقيقة كالثعابين تتحرك بلا توقف كأنها تتنفس.

والملازم، ساقاه المفتولتان بعضلات ملتوية، تلمعان تحت المطر والهواء حولهما يتجنبهما كلما حرك قدميه.

كان الاثنان يلهثان، وملابسهما متسخة جدًا بسبب الأرضية التي صارت كلها حفرًا مملوءة بالماء المتسخ، والأحجار المرمية في كل مكان.

صليل… صليل…

ابتسم يوسافير وهو يرفع يده، والسلاسل تتلوى حوله كزوبعة معدنية. شششش… اندفعت سلسلة فجأة في الهواء واتجهت نحو الملازم.

لكن الملازم ضرب الأرض بقدمه، واختفى. ظهر خلف يوسافير في ثانية وركل الأرض بقوة. بوووم! أشلاء الأحجار تتجه نحو يوسافير، الذي حرك سلسلته بسرعة مانعًا أي شظية أن تقترب منه.

اختفى الملازم مرة أخرى. هذه المرة ظهر في الجهة الأخرى. يوسافير في الوسط يضرب بسلسلته في كل الاتجاهات.

خرجت سلسلة أخرى من يد يوسافير واندفعت مثل أختها. "أطبقوا عليه!" صرخ يوسافير. تك… تك… تك… تك… تك…

كاسرتا قطرات المطر. هاجت السلاسل في المكان.

"هاهاهاهاها!" أطلق يوسافير ضحكة قوية وهو يشاهد الملازم يركض بأقصى ما لديه ليتفادى سلسلته.

"اللعنة!" صرخ الملازم وهو يتهرب من سلسلة التي تلحقه في كل مكان. بوووم… بوووم… بوووم…

وقعت عدة انفجارات مع كل ضربة يتفاداها الملازم.

كان السكان لا يزالون هناك يشاهدون المعركة الضارية، وعيونهم وأفواههم مفتوحة عن آخرها.

"هؤلاء الأشخاص غير طبيعيين…"

"انظروا إلى الصبي، إنه يضحك وكأنه لا يخوض معركة بل يلعب…"

"يا لدمائه الباردة…" تمتم آخر.

"يبدو أن الصبي هو من سينتصر…" تكلّم آخر.

"معك حق، هو الوحيد الذي يهاجم، والآخر فقط يفرّ مثل الفأر من كان يظن أن هذا الملازم المتغطرس سيصبح في مثل هذا الموقف…" قال آخر.

"لا تستبقوا الأمور…" همس العجوز وهو يشاهد المعركة، وكله أصبح مبتلًا بسبب المطر.

"لماذا؟" سأل شخص قريب من العجوز.

لم يجب العجوز، لكن آخر تدخّل وقال: "أرجو أن يفوز الصبي، فـأمل قريتنا على عاتقه وعاتق أصدقائه."

فوق المنزل كانت يورينا تشاهد المعركة. فجأة قالت:

"يبدو أنك لا تحتاج مساعدة." ثم نظرت باتجاه الخرساء وميمون، ثم اندفعت بسرعة.

ميمون، الذي كان يتجه نحو أتباع الملازم والثائر كارنو، كان قد قتل اثنين لتوّه، لكن فجأة استدار وهو يشاهد يورينا تقف خلفه.

وشعرها الأبيض تتلاعب به الرياح، خصوصًا الريشة البيضاء التي بين شعرها الذي يشبه الفراء.

"هل تحتاج مساعدة؟" همست بصوت خافت. ثم استدارت نحو الخرساء فوق المنزل، التي وجدت عينيها تبرقان ببريق لامع.

"يورينا…" تمتم ميمون. "هل تظنين أنني احتاج مساعدة؟"

لم تجب يورينا، وقفزت نحو الخرساء.

حدّق ميمون فيها بينما رفع حاجبه. "كعادتها… لم تتغير قط."

وقفت يورينا أمام الخرساء، التي تقدمت وعانقتها الأخت يورينا.

يورينا عانقتها أيضًا وهي تبتسم.

"أين كنت؟ لقد اشتقت لك." سألت الخرساء.

أجابت يورينا ببطء: "سأخبركم لاحقًا… أين ريشتك؟" سألت يورينا.

رفعت الخرساء حاجبيها وهي تضع يدها على شعرها. "هيهي… لقد سُرقت مني."

"سُرقت؟" تمتمت يورينا، ثم سألت مرة أخرى: من سرقها؟

"دعينا ننهي هذه الأمور كما قلت، وسأحكي لك كل شيء لاحقًا منذ افتراقنا."ردت الخرساء

"حسنًا." قالت يورينا، وهي تضع يدها أمامها. داخل كفّها بدأت خيوط بيضاء تلتصق ببعضها. رأت الخرساء ذلك، ثم ابتسمت.

بدأت الخيوط البيضاء الرقيقة تُحاك مع بعضها، ثم تشكّلت ريشة بيضاء طويلة.

أمسكت بها يورينا ووضعتها بين شعر الخرساء، وقالت: "هذا أفضل الآن."

احمرّت وجنتا الخرساء، ثم قالت: "شكرًا، يورينا."

"لا تقلقي، هذا لا شيء." ردّت يورينا ببطء.

في تلك اللحظة ارتفع صراخ في الهواء جعل الجميع ينظر نحوه.

"توقّفوووو الآن!"

أعين الجميع تمركزت على فرد من الجيش يمسك بطفل يبكي بين ذراعيه، وهو واضع مسدسه نحو رأسه.

"أمي… أبي… هاااااا"

ميمون، بعد رؤية ذلك، توقف في مكانه.

داخل جموع السكان الذين يشاهدون، صاح الرجل بينهم: "بني…!" قال هذه الكلمة واندفع يركض، لكن أحد الرجال وصل إليه وأوقفه.

"ما الذي تحاول فعله؟"

"ابني!" صرخ الرجل مرة أخرى.

"توقف أيها الغبي، هل تريد الموت لإبنك"

بالرجوع إلى يوراي وكارنو:

كان كارنو مثل قذيفة متفجرة يرتطم بكل مكان.

يوراي يركض بخفة غريبة، متجنبًا جميع هجمات الأخير برشاقة.

"جرثومة العظام… رمح."

خرج رمح طويل مركزًا نحو نقطة محددة في منتصف الكرة التي تتجه نحوه.

لكن تلك الكرة انفتحت فجوة وسطها، وتوسعت قليلًا، سامحة للرمح أن يخترق من خلالها.

بووووم.

وقع الرمح على الأرض، تطايرت الحجارة في كل مكان.

واصلت الكرة تقدمها نحو صدر يوراي، الذي انحنى وسط طقطقة تفرقع في المكان.

طق… طق… طق…

مرت الكرة اللينة فوق جسم يوراي بقليل.

لكن الآخر التف بسرعة وعاد مرة أخرى متجهًا نحو يوراي.

بوم…

ركض يوراي، ثم خرجت عظمة طويلة من أكمامه. وقف منتظرًا كارنو ليقترب أكثر.

أحس كارنو بشيء خاطئ. رجع إلى حقيقته بسرعة ليشاهد عظمة تسقط عليه مباشرة.

"ليونة!" صرخ بفزع.

التوت يده للخلف، ثم استدار بجسمه لتنزل العظمة بقوة بجانب وجهه.

بوووم.

تراجع كارنو وهو يتلوى للخلف.

فجأة، يوراي لم يعد في مكانه. بوممم! سقطت قدم مملوءة بالعظام على ظهر كارنو.

بسرعة اندفع حتى ارتطم بعدة صخور.

بوم… بوم… بوم…

وقف يوراي قرب كارنو، الذي ينهض، ثم قال:

"هل هناك ثائر يقف خلف ليونهار؟"

"هاهاهاهاها!" ارتفع ضحك كارنو بين الصخور الحادة بجنون. "فلتعرف أيها الوغد أن أصعب شخص ستواجهه هو من لا تعرف عنه شيئًا.

كلكم أيها الأوغاد لا تعرفون شيئًا عن الزعيم، وهذا سبب في مقتل العديد من الأشخاص. ستدفعون ثمن تهوركم."

بشكل متقاطع وضع يوراي يده قرب صدره: "سأخبرك بشيء ما… زعيمك الذي تفتخر به سيلقى نفس مصيرك.

وسأخبرك بشيء آخر… سيكون سبب موت زعيمك هو استخفافه بنا. لكنّك لن تبقى على قيد الحياة لترى ذلك."

"كفى كلامًا أيها النذل!" تحولت ذراع كارنو إلى شريط لزج طويل يمتد لخمس أمتار، يضرب الهواء بسرعة كالسوط.

فشششش.

"مجرد لحم مرتخٍ وتتباهى به؟" سخر يوراي، واندفع نحوه.

زمجر كارنو بقوة: "بل سلاح لا ينكسر، أيها الهيكل العظمي!"

سوط من العظام وسوط من اللحم اصطدما في الهواء.

تك… تك… تك… تك… اصطدامات تدوي في كل مكان، وصخور ترتفع من الأرض بقوة، متناثرة في كل مكان.

رغم هجومه، اقترب كارنو من يوراي، الذي شعر به. غلف يده بالعظام ووجهها مباشرة نحو الآخر.

سخر كارنو: "سأهضمك أيها الهيكل العظمي!"

ارتخى جسده، والتصق لحمه بيد يوراي كالعجينة الحية، وبدأ يصعد حتى التف حول جسم يوراي بالكامل، ولم يبقَ سوى رأسه.

لكن يوراي تمتم بعبارة قصيرة وهو يبتسم: "لقد جئت لحتفك بيدك."

تغيّر تعبير وجه كارنو، الذي كان مثل العجينة على صدر يوراي.

"جرثومة العظام… أشواك العظام!"

في لحظة واحدة، بدأت العظام تنفجر من جسده في كل الاتجاهات.

ارتفع صوت العظام وهي تندفع من جسد يوراي… شعر يوراي ببعض الألم، لكنه كان قادرًا على احتواء هذا الألم.

برّاق… برّاق… برّاق… برّاق… تك… تك… تك… تك…

صوتان ارتفعا في الهواء: صوت خروج العظام من جسد يوراي وصوت تمزيق اللحم.

"تبااااااا!" صرخ كارنو وهو يتراجع بعنف.

"تبا… تبا…" تمتم كارنو وهو يعيد تشكيل جسمه، الذي يبدو مليئًا بالثقوب، والدماء تنزل منه ببطء.

لهث… لهث… اشتد المطر فجأة، وكأن السماء نفسها تريد إنهاء هذا القتال.

تراجع كارنو للخلف. لأول مرة أحس بالخوف وهو يرى عظمة طويلة تخرج من خلف ظهر يوراي… عظمة لم يرها قبل في هذا القتال.

"م… ما هذا…؟" تمتم كارنو ببطء.

"نهايتك." أجاب يوراي.

عظمة بعرض خمسة عشر سنتيمترًا ترتفع في الهواء لعشرة أمتار… رأسها حاد للغاية.

جرثومة العظام: انكوندا العظام. بسرعة كبيرة وبتلويحة واحدة، كانت العظمة بجانب كارنو.

بووووم…

أفرغ كارنو كمية كبيرة من الدم وهو ملتصق بالجدار، والعظمة الطويلة معه أيضًا مثبتة إياه هناك.

اقترب يوراي ببطء تحت وطأة المطر.

ذاب جسد كارنو متخلصًا من العظمة، وقف وابتلع ريقه، ثم بدأ يتراجع. هو يشعر برعب… "اللعنة… ما بال ضخامة هذه العظمة…؟"

عند رؤية اقتراب يوراي منه، ورؤية العظمة طويلة في الجانب الأيمن استدار كارنو للهرب.

"تريد الهرب؟ أين المفرّ؟" تمتم يوراي بهدوء. جرثومة العظام: انكوندة العظام

تراجعت العظمة من الجدار وتوجهت نحو كارنو. وصلت بسرعة إليه. التفت، وضع يده أمامه، وقال: "ليونة!"

لكن في تلك اللحظة سمع آخر كلمات في حياته:

"العظام لا تلين."

برااااق…

"أععععع! صراخ خرج من فمه ومعه أفرغ كمية كبيرة من الدم وهو يشاهد تلك العظمة تخترق صدره من جهة قلبه. حملته العظمة في الهواء وهو يرمق يوراي بآخر نظراته.

فجأة التوى عنقه للوراء.

مات كارنو.

النهاية

تعليقاتكم المحفزة مهمة لنا

2025/12/19 · 13 مشاهدة · 1794 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026