يبدو أن الاثنين في الداخل لم يتوقعا أن يدخل أحد المكتب في الوقت الذي كانا فيه منشغلَين. علاوة على ذلك، ومن مظهر الأمر، لو أن جاك دخل قبل خمس دقائق فقط، لكان بالتأكيد قد شهد مشهدًا مختلفًا تمامًا عمّا يراه الآن.

تجهم الاثنان ونظرا نحو الباب. بدا الرجل ذو الكرش بوجه مظلم وهو يصرخ في جاك: "ما الذي تظن نفسك تفعله هنا أيها الصعلوك؟! أتحسب أن هذا بيتك لتدخل متى شئت؟!"

أما السيدة فقد خفضت رأسها خجلاً. كانت خائفة من أن يكشف جاك ما حدث للتو. فهي كانت الطرف الذي سيتحمل العواقب الأكبر ما إن يتسرب ما جرى هنا اليوم.

لم يكن جاك غبياً، فقد كان من الواضح له ما حدث بين الاثنين. وبالطبع، لو كان الأمر في وقت آخر، لما تدخل في شأنٍ لا يخصه.

لكن بما أنهما اختارا أن "ينشغلا" بينما كان هو ينتظر، فهذا يعني أنهما قد أقحماه في شؤونهما بجعله يهدر أكثر من ثلاثين دقيقة بانتظار لا داعي له.

تجاهل صراخ الرجل تمامًا، ثم التفت نحو السكرتيرة وسألها ببرود: "هل حقًا جعلتِني أنتظر كل هذا الوقت لمجرد أن هذين الاثنين كانا يفعلان شيئًا لا علاقة له بالمكان الذي يعملان فيه؟"

كانت السكرتيرة شاحبة الوجه تمامًا في تلك اللحظة. فقد تلقت تعليمات صارمة بألا يدخل أحد المكتب إلا إذا سمح المدير نفسه. لكنها لم تتوقع أن تواجه موقفًا كهذا أبدًا.

لم يكن يهمها كيف سيتعامل المدير مع جاك، بل ما كانت تخشاه حقًا هو أن المدير سيصب جام غضبه عليها، ولن ينتهي ذلك بخير.

حاولت جاهدة أن تفلت من قبضة دينالي، لكنها لم تستطع مهما فعلت. والأسوأ من ذلك أن قبضة دينالي لم تكن كمن يمسك بشخص يقاوم، بل أشبه ما تكون بقبضة أم تمسك بطفل مطيع.

أما الرجل ذو الكرش، فغضب بشدة من تجاهل جاك له. وبعد أن عدّل ملابسه، مشى بغطرسة نحو جاك وكأنه على وشك أن يضربه في اللحظة التالية.

لاحظت دينالي ذلك، فتقدمت للأمام وهي ما تزال ممسكة بالسكرتيرة، ووقفت في طريقه.

صرخ الرجل بغضب: "ابتعدي من طريقي أيتها العاهرة! ليس لدي وقت لأضيع معكِ الآن. أريد أن ألقن ذلك الصعلوك درسًا لأنه تجرأ واقتحم مكتبي دون إذني!"

مد يده السمينة ليدفعها جانبًا، لكن دينالي سألته ببرود: "وهل تظن أنك مؤهل لتتعامل مع سيدي؟"

وفور أن اقتربت يده منها، أمسكتها بيدها الحرة وأدارتها بعنف.

"آااااه!" دوّى صراخه في الطابق كله وهو يُجبر على الركوع أرضًا. ومهما حاول أن يفلت، لم يستطع التحرر من قبضتها، وظل يصرخ متألمًا.

كانت دينالي ذكية بما يكفي لتختار زاوية في المكتب لا تصلها الكاميرات. كما أنها تعمدت أن لا تُحدث إصابة واضحة، بل جعلت الألم صادرًا عن شدّ المفاصل المفرط دون أن تخلع الذراع.

أما الذين شهدوا المشهد، فقد أصابهم الذهول. فمن يصدق أن فتاة صغيرة المظهر كهذه تطرح أرضًا رجلاً يكبرها حجماً ووزناً وضعفَيها، وفوق ذلك رجل؟!

ثم تحولت أنظارهم نحو جاك، "الرئيس" الذي تعمل تحت أمره هذه الفتاة. وتساءلوا: أي خلفية يملك حتى يرافقه حارس شخصي بهذه القوة؟

طبعًا لم يخطر ببالهم أن جاك نفسه أقوى من دينالي، وإلا لكانت ردة فعلهم أعظم بكثير.

صرخ الرجل: "اتركيني أيتها العاهرة! هل تعرفين من أكون؟ سأجعلك تدفعين الثمن غاليًا… آاااه!"

لم يُكمل تهديده، إذ شددت دينالي قبضتها فاشتد الألم أكثر.

تقدم جاك بخطوات ثابتة، ونظر إلى الرجل الذي صار غارقًا في عرقه، ثم سأله بهدوء: "هل تعرف الخطأ الذي ارتكبته اليوم؟"

زمجر الرجل محاولًا التهديد: "أي خطأ تتحدث عنه؟ أقسم أنني سأجعلك—آاااه!"

قُطع كلامه مجددًا تحت وطأة الألم.

أومأ جاك برأسه نحو دينالي، ففهمت وأفلتت ذراعه. سقط الرجل على الأرض متعرقًا كمن أنهى لتوه سباق عشرة كيلومترات.

لكنه هذه المرة لم يجرؤ على إطلاق أي تهديد، مدركًا أن كلمة واحدة تكفي ليعود الألم.

هز جاك رأسه راضيًا، ثم التفت نحو المرأة التي كانت في المكتب.

لم تكن بجمال دينالي أو سيلين، لكنها مع ذلك تستحق تقييمًا يصل إلى 86 من 100. هز رأسه بلا اهتمام، وأعاد نظره إلى الرجل الذي جلس على الأرض دون اكتراث بسمعته.

قال جاك ببرود: "تعرف كيف تمضي وقتك جيدًا، أليس كذلك؟ دخلت المكتب في السابعة صباحًا، والآن قاربت الساعة التاسعة، وما زلت منشغلًا، غير مبالٍ بأن لنا جداول وأعمالاً أيضًا."

تفاجأ الرجل والسكرتيرة معًا: كيف عرف جاك وقت وصوله بالضبط؟ هل كان يراقبه؟ لكن ذلك لم يكن منطقيًا. فهذا اليوم وحده هو المرة الأولى التي يصل فيها في السابعة، وليس عادته الثابتة.

فكّر الرجل أن جاك ربما رآه يدخل المكتب صباحًا، وإلا فلا تفسير.

قال جاك ببرود: "أتيت لأرفع هذه البطاقة إلى أعلى مستوى، لكن يبدو أنك لا تكترث لعملاء البنك. ترى كيف سيفكر كبار المسؤولين في البنك إذا عرفوا ما حدث هنا اليوم؟"

ما إن سمع ذلك حتى نسي الألم، وقف بسرعة وقال متبجحًا: "هل تعرف من هو والدي؟ إنه أحد المساهمين في بنك فلايرز! أتظن أنك قادر على لمسي إن أخبرت الكبار؟ انتظر فقط، سأجمّد كل حساباتك في البنك!"

بدت على وجهه علامات الغطرسة بعد أن اختفت مخاوفه.

ابتسم جاك بسخرية وقال: "حقًا؟ وأتساءل، كيف ستجمد حسابي وأنت لا تعرف أي معلومة عني؟"

ظل الرجل صامتًا… مدركًا أنه لا يملك أي بيانات عن جاك.

ثم صرخ بجنون: "أعطني كل بيانات حساباتك الآن! أريد أن أجمدها وأرى ماذا ستفعل وأنت عاجز عن استخدام أموالك!"

حدق جاك والآخرون فيه بدهشة: هل هذا الرجل أحمق؟ من ذا الذي يعطي بيانات حسابه ليُجمد عمدًا؟! كيف وصل هذا الغبي لهذا المنصب أصلاً؟

قال جاك ساخرًا: "تعيش فعلًا على سمعتك في الغباء. حسنًا، سأساير حماقتك، ولنرَ كيف ستجمد حسابي."

ثم مد يده وأعطاه بطاقة "البلاك غولد".

ظن الحاضرون أن جاك يمزح، لكن عندما رأوه يسلّم البطاقة فعلًا، صُدموا. ثم ازدادت دهشتهم حين عرفوا أنها بطاقة "البلاك غولد"، التي لا تُمنح إلا لمن يملك وديعة تفوق المليار. أي أن جاك لديه الآن ما لا يقل عن مليار في حسابه!

أخذ الرجل البطاقة بانتشاء وهو يفكر: "هاه! أردت أن تتظاهر بالقوة أمامي؟ انظر كيف خفت فورًا لمجرد أن سمعت أن والدي مساهم في البنك! الآن سأجمد حسابك بسهولة!"

جلس خلف جهازه وحاول تجميد حساب جاك، بينما قال جاك لدينالي: "خمس دقائق."

أجابته: "حسنًا، سيدي."

ثم تركت السكرتيرة، وخرجت لتجلب حاسوب جاك المحمول، وبدأت تعمل.

لم يفهم الحاضرون ما قصد جاك بخمس دقائق، وظنوا أنها المهلة اللازمة لتجميد حسابه.

بعد خمس دقائق فقط، دوّى صراخ الرجل خلف مكتبه: "مستحيل!"

فقد اكتشف أن حساب جاك يحوي أكثر من مئة مليار! لو كان مليارًا أو خمسة، لربما استطاع تجميده بصعوبة. لكن حساب بهذا الحجم؟ حتى والده لم يجرؤ على المساس به.

فوالده لا يملك سوى 2% من أسهم بنك فلايرز، ما يعادل عشرة مليارات. ومع أن له أصولًا أخرى، إلا أن كل ذلك لا يقارن مع سيولة جاك المالية.

ارتجف عرقًا وهو يتخيل كيف جعل هذا الرجل ينتظره نصف ساعة بينما كان هو يلهو بشيء مرفوض في العمل والمجتمع.

في تلك اللحظة دخلت دينالي وقالت: "انتهيت يا سيدي."

أومأ جاك راضيًا، سعيدًا بدقتها في الوقت.

أما البقية، فبقوا صامتين مذهولين من تحول المشهد. الرجل المتبجح منذ قليل صار شاحبًا كالأموات.

رن هاتفه فجأة، فإذا بالمتصل والده. تردد قليلاً ثم أجاب.

وبعد لحظات، بدا وكأنه بالون مفرغ من الهواء، انهار على مقعده بلا حراك. كان يعرف أنه انتهى.

حينها فقط أدرك معنى "الخمس دقائق": لم تكن المهلة لتجميد الحساب، بل كانت المدة الممنوحة لانتهاء مسيرته. لقد قُضي عليه خلال خمس دقائق فقط.

2025/09/19 · 111 مشاهدة · 1139 كلمة
Kaper
نادي الروايات - 2026