الفصل 39 : مستشفى القديس إيلاريوس (2)

- ​منظور كايل فالتير -

​الظلام في قاع "المطهر" لم يكن مجرد انعدام للضوء، بل كان كياناً حياً، يتنفس، ويراقب، وينتظر اللحظة المناسبة لابتلاعك.

​كنت ممداً على ظهري فوق شبكة معدنية صدئة، والماء اللزج الذي يغطيها يتشرب في ملابسي الثقيلة.

أزيز خافت، يشبه طنين حشرة عملاقة تحتضر، كان ينبعث من مصابيح فلورية مكسورة تتدلى من سقف لا يُرى، لتغسل الممر الطويل بضوء أخضر مريض، باهت، وكابوسي.

​رفعت يدي ببطء شديد، ورأسي يئن من ارتطام كابينة المصعد المحطمة التي تمزقت إرباً وسقطنا منها. لمست وجهي.

أصابعي لامست جلداً بشرياً شاحباً، بارداً، ومبللاً بالدم والوحل.

​أنا لم أرتدِ قناعي البلاستيكي الأسود منذ أن دخلت ال FBI .

لقد دخلت بوجهي الحقيقي. وجه "كايل فالتير". الشاب ذو الملامح الحادة، والبشرة التي تفتقر لأي دفء حيوي، والعينين القرمزيتين اللتين تتوهجان في الظلام الأخضر كقطرتي دم نقي تسقطان في بحر من السم.

​أما قناع "الجوكر الأسود"... ذلك الوجه المسرحي المكسور الذي يمثل نصف هويتي، فلم أفقده.

كان يقبع بأمان داخل فجوة وعيي الزمكانية، يسبح في بحر الإيترا المظلمة الخاصة بي، حيث يقوم بإصلاح نفسه ودمج أجزائه المحطمة ببطء، ليعود كاملاً يوماً ما.

لكني الآن لم أكن بحاجة إليه كقطعة بلاستيك؛ لقد أصبحت أنا القناع.

​جلست ببطء، وتجاهلت الدوار الذي يعتصر جمجمتي.

​على بُعد مترين مني، كانت إيفا بلاكود تستند إلى حطام جدار المصعد الفولاذي الملتوي.

كانت تلهث، وتمسك برأسها النازف. بندقيتها القناصة، "الظل الثاقب"، التي كانت تفتخر بها وتعتبرها امتداداً لروحها، ملقاة بجوارها وقد انشطرت سبطانتها إلى نصفين بسبب قوة الارتطام، لتصبح مجرد خردة معدنية بلا فائدة.

​رفعت إيفا عينيها السوداوين نحوي في الضوء الأخضر الباهت.

لم يكن هناك صدمة اكتشاف في عينيها.

هي تعرف أن المجند البائس الذي كان يبكي ويختبئ خلف ظهرها، ليس سوى الكابوس الذي شق أحشاءها يوماً في المستودع المظلم، وهو نفسه "الجوكر الأسود" الذي جعل العالم السفلي يرتجف.

​لكن معرفتها السابقة لم تخفف من حدة الرعب والاشمئزاز في نظرتها الآن.

أن نكون في ظلام دامس، معزولين عن بقية الفرقة، وفي قاع مسلخ مرعب، وأنا الشخص الوحيد الذي يقف معها... هذا كان كابوساً داخل كابوس بالنسبة لها.

​سحبت مسدسها التكتيكي الثانوي السايد آرم بيد مرتعشة، لكنها لم توجهه نحوي مباشرة، بل أبقته في حجرها، ويدها تقبض عليه حتى ابيضت مفاصلها.

​"إياك... إياك أن تقترب مني، أيها المسخ،"

همست إيفا، وصوتها يخرج مبحوحاً، ممزقاً بالحقد واليقين المطلق.

"لا تظن أن سقوطنا معاً يعني أنني نسيت من تكون. لو كان لدي خيار، لفضلت السقوط مع شيطان من الفوليدرز على أن أتنفس نفس الهواء الذي تتنفسه."

​وقفت ببطء شديد، وتجاهلت كراهيتها المحترقة.

نفضت الغبار والدم عن معطفي الأسود الممزق، وعدلت ياقته ببرود قاتل، لا يمت بصلة لـ "كايل" المجند.

​"وفري كراهيتكِ لما هو قادم يا إيفا،" قلت بصوتي الطبيعي، الخشن والعميق، والذي تردد في الممر المعدني كوعيد قادم من القبر.

"أنا الجوكر، نعم، وأنا من مزقكِ. لكنني أيضاً تذكرتكِ الوحيدة للخروج من هذا المطهر اللعين حية. لا توجد فاليسيرا هنا لتحميكِ، ولا داميان ليكون درعكِ. أنتِ معي الآن، وإذا أردتِ النجاة للعودة وقتلي لاحقاً... يجب أن نتحرك."

​"أنا لا أحتاج حمايتك!" صرخت إيفا بهستيريا خافتة، وعيناها تدمعان من القهر والألم الجسدي.

​"بل تحتاجين،" خطوت خطوة نحوها. تراجعت هي للوراء غريزياً، ظهرها يلتصق بالحديد المشوه.

"انظري حولكِ يا قناصة النخبة. انظري جيداً إلى ما يحميه ألكسندر فانس. هل تظنين أن كرهك لي هو مشكلتكِ الأكبر الآن؟"

​حولت إيفا نظرها عني ببطء، ونظرت إلى الممر الذي سقطنا فيه.

​الممر لم يكن له جدران.

كان عبارة عن ممشى معدني شبكي ضيق جداً، يمتد إلى ما لا نهاية في الظلام الأخضر الكابوسي.

وعلى جانبي الممشى، كانت تتدلى من السقف مئات... لا، آلاف الأقفاص السداسية الشكل، المصنوعة من حديد صدئ وملطخ بالدماء الجافة.

​الأقفاص كانت تتمايل ببطء، مصدرة صريراً يمزق الأعصاب.

وبداخلها... كانت الكارثة التي تدمر العقل البشري.

​بشر.

أو ما تبقى من إنسانيتهم.

كانوا عراة، أجسادهم الهزيلة مغطاة بكدمات أرجوانية وخضراء، وأنابيب بلاستيكية شفافة تخترق أوردتهم، ليس لتغذيتهم، بل لضخ سائل كيميائي يحافظ على نبض قلوبهم ويمنعهم من النعمة الوحيدة المتبقية: الموت.

​لكن البشاعة المطلقة كانت في وجوههم.

​كانت الجفون مفقودة.

مقطوعة تماماً بحواف خشنة ومحترقة كي لا تنزف وتتعفن.

العيون البيضاء، الجاحظة والمحتقنة بالدم، كانت تحدق في الفراغ، مجبرة على رؤية هذا الجحيم في كل ثانية، غير قادرة على الرمش، غير قادرة على إغلاق ستار الرحمة عن هذا العذاب.

شفاههم كانت مخيطة بخيوط معدنية غليظة، تمنعهم من الصراخ، ولا تسمح إلا بخروج أنين مكتوم، جماعي، متصل كطنين النحل، يهتز له هواء الطابق بأكمله كترتيلة ملعونة تُعزف للساميين السادية.

​سقط المسدس من يد إيفا ليرتطم بالشبكة المعدنية.

انهارت على ركبتيها، ووضعت يديها على فمها لتكتم صرخة رعب نقي كادت تمزق حنجرتها وتدمر عقلها العسكري الذي اعتاد على القتل النظيف.

​"يا إلهي... يا إلهي السماوات..." بدأت إيفا تنتحب بصمت، وجسدها يهتز بعنف.

"هؤلاء هم... الناس... المفقودون... أطفال... شباب... إنهم هنا... إنهم معلقون كقطع اللحم في مطهر ملعون... لماذا؟ ما الغرض من هذا الجحيم؟!"

​"هذا هو الطابق B1. غرف الفرز. المطهر،" قلت ببرود، وأنا أسحب مسدسي الـ 'ماغنوم' الأسودين، وعيناي القرمزيتان تمسحان الظلام.

"هنا يتم تجريدهم من هويتهم، وإبقاؤهم أحياء قسراً لتهيئة أجسادهم قبل أن يحين دورهم للنزول إلى مزارع الدماء في الأسفل، أو إلى مختبرات التقطيع ليتحولوا إلى مسوخ. هذا هو الجحيم الذي أردنا اقتحامه يا إيفا."

​مشيت نحوها، ولمست كتفها.

انتفضت وكأنني أحرقتها، لكنني أمسكتها من ياقة سترتها التكتيكية، ورفعتها بقوة على قدميها.

​"لا وقت للبكاء يا إيفا. البكاء هنا يعتبر دعوة للعشاء،" همست في أذنها بصرامة، ودفعتها للأمام.

"احملي مسدسكِ وسكينكِ. إذا انفصلنا، ستموتين قبل أن تصرخي."

​ابتلعت إيفا ريقها، ومسحت الدم النازف من جبينها.

غريزة البقاء لدى النخبة استيقظت أخيراً، وانحنت لتلتقط مسدسها، ممسكة إياه بكلتا يديها المرتجفتين.

​بدأنا نمشي في الممر المعدني الضيق.

صوت خطواتنا كان يتردد فوق الشبكة الحديدية كقرع طبول الإعدام.

تحتنا، كان الظلام مطلقاً، لا نعلم كم يبلغ عمق الهاوية التي تبتلع الأقفاص الساقطة.

وعلى جانبينا، العيون المفتوحة قسراً تراقبنا بيأس، تتوسل إلينا بصمت أن ننهي حياتها.

​لكن الصمت المشحون لم يدم طويلاً.

​كراااك... خششششش...

​توقفتُ في مكاني.

رفعت يدي اليسرى كإشارة لإيفا لتتوقف فوراً.

الصوت لم يأتِ من الأقفاص المليئة بالبشر.

كان صوتاً خشناً، لزجاً، يشبه احتكاك مخالب فولاذية على الحديد الصدئ واللحم الرطب.

وكان يأتي من كل مكان.

من السقف المظلم فوقنا، ومن الأنابيب التي تتلوى كالأفاعي الغليظة بين الأقفاص.

​"هل تسمع ذلك؟" همست إيفا، وظهرها يلتصق بظهري غريزياً، متناسية كرهها لي لثانية واحدة لتغطي الزاوية العمياء.

​"إنهم حراس الأقفاص..." همستُ، وعيناي القرمزيتان تضيقان لتخترقا الظلام الأخضر.

"المسلوخون."

​وفجأة، سقط شيء من السقف، مخترقاً الضوء الأخضر، ليسقط مباشرة أمامنا.

​ارتطم بالشبكة المعدنية بصوت لزج، رطب، ومقزز.

​لم يكن بشراً. كان مسخاً.

جسد بشري يتجاوز طوله المترين، لكنه بلا جلد إطلاقاً.

العضلات الحمراء النابضة، الأوتار البيضاء المشدودة كأوتار آلة موسيقية مشوهة، والعروق الزرقاء المنتفخة كانت مكشوفة تماماً للهواء البارد، تفرز مادة لزجة تحميها من الجفاف.

أطرافه كانت مستطالة بشكل غير طبيعي، مفاصله مكسورة ومُعاد تشكيلها ليمشي على أربع كعنكبوت بشري مسلوخ.

رأسه كان خالياً من العينين أو الأنف، مجرد فم هائل يمتد من الأذن للأذن، مليء بثلاثة صفوف من الأسنان الإبرية الشفافة التي تقطر لعاباً أسود حامضياً يذيب الصدأ تحته.

​المسخ لم يزأر.

أطلق فحيحاً يشبه صوت تسرب غاز سام من أنبوب مكسور، وانقض مباشرة نحوي!

​"موتي!"

​لم أتراجع إنشاً واحداً.

رفعت مسدسي الماغنوم الأيمن بيد ثابتة كالصخر.

بام!

​الرصاصة الإيترالية المتفجرة انطلقت، مخلّفة خطاً مضيئاً في الظلام، لتدخل مباشرة في فم المسخ المفتوح.

​بوووووم!

انفجرت جمجمته من الخلف.

تناثر الدماغ الأسود وقطع العظام على الأقفاص المجاورة ليرتعب من فيها.

سقط المسخ المسلوخ عند قدمي، يتلوى لثانية، وتشنجت أطرافه المستطالة قبل أن يسكن تماماً.

​"لا تسترخي!" زأرت لإيفا.

​لأن موت المسخ الأول كان بمثابة جرس العشاء لبقية القطيع.

​من كل زاوية، من بين الأقفاص المعلقة، من السقف المظلم، ومن حواف الهاوية السفلية... ظهروا.

عشرات، بل مئات من الكائنات المسلوخة بدأت تزحف بسرعة مرعبة نحو الممشى الضيق الذي نقف عليه!

​كانت أشبه بموجة من اللحم الحي المتلوي، تندفع نحونا لتمزيقنا والتهامنا.

​"اللعنة!" صرخت إيفا، وبدأت تطلق النار بمسدسها التكتيكي.

​بام! بام! بام!

كانت تصيبهم في رؤوسهم بدقة قناصة، لكن أعدادهم كانت هائلة، ومسدسها كان ضعيفاً، لا يملك قوة إيقاف البندقية التي خسرتها.

​انقض مسخ مسلوخ من الأعلى، مخالبه الملوثة بالصديد تتجه نحو عنق إيفا من الخلف.

​انطلقت كشيطان في الممر.

ركلت المسخ في صدره العاري في منتصف الهواء قبل أن يلامسها، قوة الركلة المدعومة بإيترا الغول حطمت قفصه الصدري وأطارت به ليسقط في الهاوية المظلمة مصدراً فحيحاً متلاشياً.

​"وراءكِ!" صرخت.

​التفتت، لأجد ثلاثة مسوخ يزحفون على الشبكة نحوي بسرعة البرق.

​بدأت أطلق النار بكلتا يدي.

الماغنوم كان يهدر كالرعد في الطابق B1.

كل رصاصة كانت تمزق مسخاً إلى نصفين، واللحم الأحمر يتطاير ليغطي ملابسي ووجهي العاري بقطرات ساخنة.

​المعركة تحولت إلى فوضى دموية، طاحنة، ولا ترحم.

كنا محاصرين في ممر عرضه لا يتجاوز المترين.

لا يوجد مكان للهرب أو للمناورة. إما أن نقتل، أو نُأكل أحياء.

​إيفا أفرغت مخزن مسدسها الأول، وسحبت خنجرها التكتيكي الأسود بيدها اليسرى بينما تلقم باليمنى.

كانت تقاتل بشراسة النخبة المجروحة.

مسخ انقض على خصرها، فغرزت الخنجر مباشرة في منتصف جمجمته العارية، وسحبته لتقطع رقبته، والدم الأسود يغسل يديها ويبلل وجهها الشاحب.

​لكنني كنت مركز المذبحة.

​لم أستخدم "النصل المنسي".

كنت أخشى أن يبتلع ما تبقى من زمني ويصيبني بالشلل، وكنت بحاجة للاحتفاظ به للرتبة S التي تقود هذا الطابق.

اعتمدت كلياً على سرعتي المعززة بنواة الغول، وقوتي الجسدية الوحشية، وغريزة البقاء المظلمة.

​مسخ قفز نحوي من قفص معلق على يميني.

أسقطت مسدسي الفارغ، وأمسكته من رقبته اللزجة والمسلوخة في منتصف الهواء!

​"اغغغغ!" فحت المسخ، وحاول قضم ذراعي بأسنانه الإبرية.

​لكنني ضغطت بقبضتي. كرااااااك!

سحقت حنجرته وفقرات رقبته بيدي العارية حتى التقت أصابعي في منتصف لحمه.

استخدمت جثته الثقيلة كدرع بشري لأصد هجوم اثنين آخرين اندفعا نحوي، ثم ألقيته عليهما ليتساقطوا جميعاً من حافة الممشى في الفراغ.

​سحبت سكيني التكتيكي الأسود، وبدأت أرقص رقصة الجوكر في الممر.

​دوران، طعن، قطع أوتار.

كنت أتحرك كظل أحمر وسط الضوء الأخضر الكابوسي.

كل طعنة كانت دقيقة، تمزق الشرايين الحيوية. الدماء غطت الأرضية الشبكية، وجعلتها زلقة جداً وخطيرة.

​"كايل! السلاسل!" صرخت إيفا، وهي تلهث وتشير للأعلى بيأس.

​نظرت للأعلى.

المسوخ كانت تتجمع بالمئات على السلاسل الغليظة التي تحمل الأقفاص التي نعبرها، تحاول قطعها بأوزانها وبمخالبها لنسقط معها في الهاوية!

​"اركضي!" زأرت.

​بدأنا نركض بأقصى سرعة على الممشى المعدني الملطخ بالدماء واللزج.

وراءنا، الأقفاص كانت تسقط بآلاف الأطنان من الحديد، ساحبة معها البشر المذعورين الذين يئنون بصمت في الهاوية المظلمة، مصدرة صوتاً مرعباً يشبه تحطم نيازك معدنية في قاع الجحيم.

​المسوخ كانت تطاردنا ككلاب صيد جائعة، تركض على أربع خلفنا، فكوكها تطقطق بشراهة وتقطر حمضاً.

​نفدت ذخيرتي بالكامل.

مسدساتي أصبحت قطع حديد خردة معلقة في حزامي.

خنجر إيفا كان قد كُسر في جمجمة أحد الوحوش الضخمة. كنا نركض ونحن نلهث، والهواء البارد الفاسد يمزق رئتينا.

​وفجأة...

توقفنا بقوة كادت تسقطنا على وجوهنا.

​الممشى المعدني انتهى.

كان مقطوعاً تماماً.

أمامنا فجوة هائلة بطول عشرة أمتار، والجانب الآخر من الممر يقبع في الظلام المطلق.

لا يوجد جسر. لا يوجد حبل.

​ووراءنا... مئات المسوخ المسلوخة تتوقف، وتسد الممر بالكامل، وتشكل جداراً من اللحم الحي.

عيونهم العمياء تحدق بنا، وشفاههم تقطر حمضاً وصديداً، يستعدون للانقضاض الأخير.

​"لقد حوصرنا..." همست إيفا، وصوتها ينهار تماماً.

سقطت على ركبتيها، وعيناها السوداوان تنظران إلى جيش اللحم الزاحف نحونا ببطء للاستمتاع بالوليمة.

"انتهى الأمر. سنُؤكل هنا. اللعنة عليك يا كايل... اللعنة عليّ لأنني تبعتكم."

​وقفت أمامها، ألهث.

جسدي كان مغطى بالكامل بدماء المسوخ اللزجة. صدر معطفي يتمزق مع كل لهثة.

​أخرجت يدي اليمنى من جيبي.

العروق السوداء لا تزال تنبض فيها بخفوت، تنتظر الأوامر.

هل أستخدمه؟ هل أستدعي النصل المنسي لأمزق هذا القطيع بأكمله؟ لكن إذا فعلت... سأستنزف عمري، وقد لا يتبقى مني شيء لمواجهة وحش الطابق.

​لكن... بينما كانت المسوخ تتراجع للوراء قليلاً استعداداً للقفزة الجماعية الأخيرة لتمزيقنا...

حدث شيء غريب جداً.

​توقفت المسوخ.

جميعها، بلا استثناء.

​تراجعت خطوة للوراء، ثم خطوتين.

الزمجرة الوحشية في حناجرها تحولت فجأة إلى أنين خافت... أنين رعب خالص!

كأنها حشرات استشعرت قدوم حريق غابات قادم ليبيدها.

ثم، وبحركة جماعية هستيرية، بدأت المسوخ بالهرب! تسلقت الأقفاص المتبقية، وقفزت في الهاوية طواعية، وهربت في الممرات الجانبية كأن الموت المطلق يطاردها.

​في أقل من عشر ثوانٍ... فرغ الممر وراءنا تماماً.

بقينا أنا وإيفا وحدنا في الصمت المطلق.

​"لـ... لماذا هربوا؟" سألت إيفا، وهي تنظر للوراء بذهول وعدم تصديق.

​لم أجبها.

لأن حواسي الغريزية، ودم الغول في عروقي، كانت تصرخ بإنذار من الدرجة الكونية، إنذار يوقف شعر الرأس.

​الهواء في الممر... تغير.

البرودة القارسة والرطوبة العفنة التي كانت تخنقنا... اختفت فجأة، كأنها تبخرت.

وبدلاً منها، بدأ الهواء يسخن.

يسخن بسرعة مرعبة، غير منطقية.

​الضوء الأخضر المريض في الممر بدأ يرمش بجنون، ثم انطفأ وتفجرت المصابيح.

بدلاً منه، بدأ ضوء آخر يغمر المكان.

ضوء برتقالي، محمر، وغاضب، يزحف من الجانب المقطوع للممر.

​ومن نهاية الممر المقطوع، في الجانب الآخر من الفجوة... بدأنا نسمع الصوت.

​تششششك... كراااااااك... تششششك...

​صوت سلاسل.

لكنها ليست سلاسل صدئة عادية كالتي تحمل الأقفاص.

كان صوتاً ثقيلاً جداً، كأن أطناناً من الفولاذ النقي تُجر على الأرضية المعدنية.

ومع كل سحبة سلسلة، كان يُسمع صوت "هسسسس" مرعب، كصوت لحم يُشوى ببطء على جمر حي.

​درجة الحرارة ارتفعت بشكل جنوني.

عرق ساخن بدأ يتصبب من جبهتي ليغسل الدماء عن وجهي.

المعدن تحت أقدامنا بدأ يسخن لدرجة أنه كاد يحرق نعال أحذيتنا التكتيكية ويصهرها.

​"كايل..." همست إيفا، وعيناها تتسعان برعب لا يوصف وهي تنظر إلى الجانب الآخر من الفجوة.

​ومن بين الظلام المتوهج... ظهر.

​لم يكن مسخاً مسلوخاً.

كان كابوساً هبط من أعمق دوائر الجحيم ليحرس هذا المطهر.

​الكيان، أو الوحش الذي يُعرف في ملفات الاستخبارات السرية جداً باسم "الجلّاد"، ظهر في الطرف الآخر، واقفاً على حافة الفجوة.

​كان ضخماً جداً.

يبلغ طوله حوالي أربعة أمتار.

لم تكن بنيته بشرية؛ كان يرتدي درعاً ثقيلاً جداً، مصهوراً ومندمجاً مباشرة مع لحمه الأسود المتفحم.

الخوذة التي تغطي رأسه كانت عبارة عن قفص حديدي هرمي الشكل، لا توجد فيه ثقوب للعينين، بل مجرد فجوات قذرة ينبعث منها نور جحيمي أحمر كأنه بركان على وشك الانفجار.

​لكن الرعب الحقيقي الذي جمد الدماء في عروقنا لم يكن في حجمه ولا في درعه.

كان في أسلحته.

​في كل يد من يديه الضخمتين والمسلختين، كان يمسك بسلسلة فولاذية غليظة، طولها يتجاوز العشرين متراً.

هذه السلاسل لم تكن مجرد حديد يُستخدم للضرب. كانت "مشتعلة".

سلاسل ملتهبة بالكامل، تنبض بنار برتقالية وصفراء كاوية، كأنها سُحبت للتو من قلب نجم يحتضر.

السلاسل كانت تقطر حمماً بركانية سائلة تذيب الشبكة المعدنية التي يجرها عليها، وتترك مساراً من النار التي لا تنطفئ!

​هذا هو الرتبة S-. وحش المطهر.

حارس الأرواح المعذبة. الجلّاد.

​"هذا... هذا مستحيل..." صرخت إيفا، وهي تتراجع للخلف على ركبتيها، والحرارة تلفح وجهها وتحرق أطراف شعرها الأسود.

"لا يمكننا قتل هذا الشيء! لا نملك أسلحة! لا نملك تعويذات! نحن أموات يا كايل! أموااات!"

​لم أكن أستمع إليها.

​عقلي كان في حالة صدمة بيولوجية ونفسية تامة.

النار.

لون النار. الحرارة الخانقة. الرائحة.

رائحة اللحم البشري المشوي.

​الجلّاد رفع إحدى سلاسله الملتهبة ببطء شديد، كأنه يستعرض قوته.

الهواء حوله تموج من فرط الحرارة حتى بدت صورته مشوهة.

القفص الحديدي الهرمي على رأسه انبعث منه دخان أسود كثيف، كأنه يحدد موقعنا بالحرارة التي تنبعث من أجسادنا المرتجفة.

​ثم...

​أحسست بلسعة.

لسعة حارة جداً، لاذعة، ومؤلمة كإبرة من جمر نقي غُرزت في وجنتي اليمنى!

​رفعت يدي ببطء لألمس خدي العاري، الخالي من قناع الجوكر الذي طالما احتميت خلفه.

كانت شرارة... مجرد شرارة صغيرة جداً طارت من السلسلة الملتهبة وعبرت الفجوة العشرة أمتار لتلامس وجهي وتكويه.

​اللسعة الحارة.

رائحة اللحم المحترق التي لامست أنفي.

الوهج البرتقالي الذي يضيء الظلام ويصبغ العالم بلون الموت.

​مورفيند... فيكتور...

​الأسماء الميتة ترددت في عقلي، ليس كذكرى بعيدة، بل كواقع يحدث الآن.

رأيت جسد أبي "مورفيند" المتفحم أمامي، يحتضنني ودمه يغلي. رأيت أخي "فيكتور" يذوب في النار الزرقاء والبرتقالية وهو يصرخ اسمي.

​تراجعت خطوة للخلف.

عيناي القرمزيتان، اللتان كانتا قبل دقائق تشتعلان ببرود القاتل الشيطاني، امتلأتا الآن بدموع الرعب المطلق، الطفولي، والعاجز. كنت أرتجف كطفل في الخامسة يرى والديه يحترقان مجدداً.

​المكان من حولي تلاشى. الأقفاص المعلقة، إيفا المنهارة، الممر الشبكي... كله اختفى من إدراكي.

لم أرَ سوى النار.

النار العظيمة، الجبارة، التي تستعد لالتهامي وإكمال ما بدأته في الميتم.

​الجلّاد أصدر زئيراً معدنياً صم الآذان، ورفع كلتا يديه معاً، ملوحاً بالسلاسل الملتهبة في الهواء بحركة دائرية هائلة ولدت زوبعة من الشرر.

​ثم... هوى بهما للأمام!

​تسووووووووش! ببووووووووووووم!

​لم تكن مجرد ضربة سلاسل مادية تحطم الحديد.

في اللحظة التي ضربت فيها السلاسل الملتهبة حافة الممشى المقطوع في جانبنا، انفجرت الإيترا النارية المحتقنة فيها بضغط لا يمكن استيعابه!

​مشهد عظيم، رهيب، وفائق الوصف، كأنه يوم القيامة نزل إلى قاع إيليزيوم.

تسونامي كامل من النيران الهائلة، المتوحشة، والجحيمية، ارتفع في الهواء كالوحش، متجاوزاً الفجوة بأكملها، واندفع نحونا في الممر الضيق!

​موجة من النار النقية، بارتفاع خمسة أمتار وعرض الممر بالكامل، تأكل الأكسجين، وتصهر الحديد الصدئ ليقطر كالشموع، وتضيء سماء المطهر المظلم بوهج القيامة الأخير، زاحفة نحوي لتبتلعني حياً!

​وقفت هناك، وجهي العاري يفيض بالدموع، وعيناي القرمزيتان تحدقان في الجحيم القادم، عاجزاً تماماً عن الحركة، عاجزاً عن التفكير، عاجزاً عن استدعاء النصل، بينما موجة النار العظيمة تستعد لتحويلي إلى رماد بجوار أشباح عائلتي.

2026/05/06 · 25 مشاهدة · 2677 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026