الفصل الثامن والثلاثون: مستشفى القديس إيلاريوس (1)

- ​منظور كايل فالتير -

​الساعة الرابعة وثلاث عشرة دقيقة فجراً.

المدينة كانت تغط في سبات عميق، والضباب الشتوي الكثيف يزحف على إسفلت الشوارع كأرواح هائمة تبحث عن قبورها.

​وقفنا في الزقاق المعتم المقابل للواجهة الرئيسية لمستشفى "القديس إيلاريوس".

​من بعيد، كان المبنى يبدو كمعجزة معمارية هبطت من السماء لتطهر أرض إيليزيوم المدنسة.

واجهة هائلة من الرخام الأبيض الناصع، تتلألأ تحت أضواء كاشفة دافئة ومريحة للأعصاب.

أعمدة رومانية ضخمة تحمل سقف المدخل، ونافورة مياه نقية تتوسط الساحة الأمامية، يتوجها تمثال ضخم من المرمر للقديس إيلاريوس وهو يفتح ذراعيه ليحتضن المرضى بخطوط من الذهب الخالص.

سيارات الإسعاف الفاخرة تقف بهدوء في مواقفها، وحراس الأمن ذوي البدلات البيضاء الأنيقة يقفون عند البوابات الزجاجية الأوتوماتيكية، يتبادلون الابتسامات الودية مع بعض الممرضات.

​مشهد ملائكي. مسالم. طاهر.

لكنه كان الطهر الذي يسبق التعفن.

كنا نعلم جميعاً، أنا والفرقة التي تقف خلفي، أن هذا الرخام الأبيض ليس سوى مساحيق تجميل وضعت على وجه جثة متعفنة.

تحت أقدام هؤلاء الحراس المبتسمين، كانت هناك آلاف الأرواح تُسلخ، تُحصد، وتُدمج في مسلخ كوني لا يمكن لعقل بشري أن يستوعب بشاعته.

​"أربع وعشرون ساعة..." تمتمت لنفسي، وكلمات الملازم غراي الميت لا تزال تتردد في جمجمتي كصدى جرس كنيسة ملعونة.

​نظرت إلى يدي.

يدي التي كانت ترتجف طوال الأسابيع الماضية تصنعاً للخوف.

يدي التي لطالما خبأتها في جيوبي، وتظاهرت بالضعف، والجبن، والهشاشة أمام هذه الفرقة لكي أبقى بعيداً عن رادارهم.

​أخذت نفساً عميقاً.

هواء الشتاء البارد ملأ رئتي، ليطفئ نار التردد، ويشعل مكانه صقيعاً أسود، قاتلاً، ومطلقاً.

​لقد انتهى وقت اللعب.

انتهت مسرحية المجند البائس.

نحن ذاهبون إلى الجحيم، وفي الجحيم... الخراف تُذبح أولاً.

​أخرجت يدي من جيبي. توقفت عن الارتجاف تماماً.

اعتدل ظهري الذي كنت أحنيه عمداً لأبدو أصغر حجماً. رفعت رأسي، وأرخت كتفاي المتوترين.

طقطقت رقبتي يميناً ويساراً بصوت خشن ومسموع.

​سحبت مسدسي الـ "ماغنوم الإيترالي" الأسودين من تحت معطفي، وذخرتهما بحركة سلسة، سريعة، ومحترفة لدرجة أن صوت انزلاق الأجزاء المعدنية رن كمعزوفة موسيقية مميتة.

​التفتت نحوي "إيفا بلاكود"، التي كانت تقف بجواري.

اتسعت عيناها السوداوان بصدمة حقيقية.

​لم أعد ذلك الفتى النحيل الذي ينكمش على نفسه.

الهالة التي بدأت تنبعث مني الآن لم تكن هالة إيترا مكثفة كفاليسيرا، بل كانت هالة "نية قتل" نقية، لزجة، ومظلمة جداً. عيناي القرمزيتان اللتان كانتا تتهربان من النظر إليهم، أصبحتا الآن ثابتتين،

باردتين، وتخترقان الظلام كعيني مفترس ألفا شم رائحة الدم للتو.

​"كـ... كايل؟" همست إيفا، وبندقيتها القناصة ترتجف في يدها للحظة، وهي تنظر إلى التغير الجذري والمرعب في لغة جسدي.

"ما الذي... ما هذا المظهر؟"

​داميان التفت هو الآخر، ورمش عدة مرات، غير قادر على استيعاب أن المجند الذي كان يختبئ خلفه ويبكي، يقف الآن بوقفة قاتل محترف تتجاوز هيبته هيبة كبار عملاء الاستخبارات.

سيا ضيقت عينيها الزرقاوين، ويدها شدت على خناجرها.

​وحتى فاليسيرا... الشيطانة الفضية، نظرت إليّ من فوق كتفها.

لم تتفاجأ، بل ارتسمت على شفتيها المدممتين ابتسامة جانبية خفية، كأنها تقول: أخيراً... سقط القناع.

​لم أجب إيفا.

ابتسمت لها ابتسامة باردة، خالية من أي دفء بشري، وتخطيتها لأقف في صف واحد مع فاليسيرا وداميان.

​"إذا كنتم تنتظرون أن أختبئ خلفكم كالفأر الليلة، فأنتم واهمون،" قلت بصوت خشن، عميق، وهادئ جداً، لا يمت بصلة لصوت "كايل" المرتعش الذي عرفوه.

"نحن ذاهبون لسلخ ملائكة القديس إيلاريوس. والملائكة... لا تُقتل إلا بأيدي الشياطين. ظهركم محمي من الآن فصاعداً. ركزوا على من أمامكم."

​إيفا بلعت ريقها، وأدركت في تلك اللحظة المجردة، وبلا أدنى شك، أن شكوكها في المجاري لم تكن بارانويا.

هذا الفتى لم يكن مجنداً أبداً.

هذا الفتى هو الكابوس الذي مزق أحشاءها يوماً ما، وهو الآن يرفع سلاحه ليقف في صفهم.

​"احتفظي بأسئلتكِ للجحيم يا إيفا،" قالت فاليسيرا ببرود يكسر العظام، قاطعة أي محاولة للنقاش.

"ليس لدينا وقت للصدمات الدرامية. ألكسندر فانس والفوليدرز ينتظروننا في الأسفل. حان الوقت لنطرق الباب."

​مشت فاليسيرا للأمام، خارجة من الزقاق المظلم، مباشرة نحو شارع الإسفلت المكشوف الذي يفصلنا عن البوابات الزجاجية للمستشفى.

​مشينا خلفها. تشكيل إعدام سداسي الأضلاع.

داميان على اليمين بدرعه ورشاشه المزدوج.

إيفا على اليسار، بندقيتها القناصة مرفوعة.

أيدن في الخلف، قفازاته الهولوغرافية تومض.

سيا بجواري، خناجرها تقطر حمضاً.

وأنا... في المنتصف، أتحرك بخطوات واسعة، مسدسات الماغنوم موجهة نحو الأرض، وعقلي يعمل كمعالج كمي يمسح كل زاوية، وكل كاميرا، وكل حارس.

​بمجرد أن خطونا تحت الأضواء الكاشفة لساحة المستشفى، رصدتنا الكاميرات.

​الحراس ذوو البدلات البيضاء عند البوابة الزجاجية لاحظوا تقدمنا.

ستة أشخاص مغطين بالدماء، والوحل، والأشلاء، مدججين بأسلحة ثقيلة لا تباع إلا في أعمق طبقات السوق السوداء، يسيرون نحوهم كجيش من الموتى السائرين.

​"توقفوا مكانكم!" صرخ أحد الحراس، وسحب مسدسه الإيترالي، بينما تراجع زميله لضغط زر الإنذار.

"هذه منشأة طبية سيادية! ألقوا أسلـ..."

​توقف الحارس عن الكلام، لأن عينيه اتسعتا عندما تعرف على الوجوه الملطخة بالدماء.

​"فرقة... فرقة ألفا الإرهابية! إنهم هنا!"

صرخ الحارس الثاني بهلع في جهاز اللاسلكي المعلق على كتفه.

​فاليسيرا لم تتوقف.

لم تبطئ خطواتها. لم تقل كلمة واحدة.

​رفعت يدها اليمنى ببطء شديد وهي تمشي، وأشارت بإصبعها السبابة نحو الحارسين اللذين يرتعدان.

​سححححححححق!

​الجاذبية لم تتضاعف، بل انهارت حرفياً في النقطة التي يقفان فيها.

​كرااااااااااااااااك!

سبلوووووورت!

​صوت تحطم العظام وتمزق اللحم البشري دوى في الساحة الهادئة كمدفع مدمر.

الحارسان لم يسقطا على الأرض؛ بل سُحقا إلى الداخل، عظام جمجمتيهما دخلت في قفصيهما الصدريين، وأعضاؤهما الداخلية انفجرت من تحت بدلاتهما البيضاء الأنيقة بفعل الضغط الذي تجاوز خمسين طناً.

​في ثانية واحدة، تحول الحارسان إلى كرتين من اللحم المفروم والعظام المكسورة بحجم بطيخة، لتسقطا على الرخام الأبيض وتنفجرا كبالونات مليئة بالدم، نافثة نافورة قرمزية غطت البوابات الزجاجية الشفافة بطلاء الموت.

​دوى جرس الإنذار في جميع أنحاء المستشفى. ضوء أحمر متقطع حل محل الإضاءة الدافئة.

​تقدمت فاليسيرا، وبدون أن تلمس الأبواب الزجاجية الملطخة بالدم، أطلقت موجة جاذبية خفيفة حطمت الزجاج المضاد للرصاص إلى ملايين الشظايا الكريستالية التي تطايرت للداخل.

​دخلنا "واجهة الملائكة". الردهة الرئيسية للمستشفى.

​المشهد كان فوضوياً حد الجنون.

​الردهة كانت واسعة كملعب كرة قدم، مزينة بالنباتات النادرة، والأرضيات الرخامية اللامعة، ومكاتب الاستقبال الفاخرة.

مئات المدنيين—مرضى، زوار، عائلات—كانوا يقفون في حالة صدمة مطلقة وهم يروننا ندخل، والدماء تقطر منا.

الممرضات والأطباء المزيفون بدأوا يصرخون ويركضون في كل اتجاه كقطيع من النمل أُلقيت عليه جمرة نار.

​"إرهابيون! فاليسيرا وفرقتها هنا!" صرخ أحد الأطباء وهو يركض نحو سلالم الطوارئ.

​"لا تلمسوا المدنيين!" هدر داميان، وصوته يغطي على الإنذار.

"دعهم يهربون!"

​نحن قتلة، نعم، لكننا لسنا فئران الفوليدرز لقتل الأبرياء.

​لكن... المستشفى لم يكن ينوي تركنا نمشي بهدوء.

​من الممرات الجانبية، ومن المصاعد الزجاجية، ومن الشرفات العلوية التي تطل على الردهة، تدفق عشرات الحراس.

لم يكونوا حراساً عاديين ببدلات بيضاء.

كانوا قوات التدخل السريع الخاصة بنقابات المرتزقة التي تحمي إيلاريوس.

يرتدون دروعاً ثقيلة سوداء، خوذات تغطي وجوههم، ويحملون بنادق بلازما ورشاشات إيترالية من الرتبة A.

​"إبادة الهدف! اقتلوهم قبل أن يصلوا للمصاعد!" زأر قائد المرتزقة من الشرفة العلوية.

​تاتاتاتاتاتاتاتا!

بزززززززز!

​مئات الرصاصات وأشعة البلازما انهمرت علينا كعاصفة من الجحيم المضيء.

الرخام الأبيض تحت أقدامنا بدأ يتناثر كالشظايا.

التماثيل الملائكية تحطمت وفقدت أجنحتها ورؤوسها.

​"غطاء!" صرخت إيفا، وانزلقت خلف مكتب الاستقبال الرخامي الضخم.

​لكن داميان لم ينزلق.

تقدم خطوة للأمام، وغرس قدميه في الأرض.

​"درع العاصفة!" زأر داميان بأعلى صوته، وضرب بكف يده الحرة على الأرض.

​جدار هائل من البرق الأزرق الكثيف ارتفع أمامنا كدرع كهرومغناطيسي مطلق.

الرصاصات وأشعة البلازما اصطدمت بالبرق وتشتتت في الهواء مصدرة أزيزاً يصم الآذان.

داميان كان يصد نيران كتيبة كاملة بفرده، وعضلات ذراعه تنتفض من الجهد.

​"سيا! كايل! نظفوا الطابق الأرضي! إيفا، أسقطي القناصة في الشرفات!"

أمرت فاليسيرا، وهي تقف خلف داميان، وعيناها تبحثان عن مسارات الطاقة الخفية في المبنى.

​"عُلم!" صرخت إيفا.

​ارتكزت إيفا على حافة مكتب الاستقبال.

بندقيتها "الظل الثاقب" لم تكن تصدر صوتاً.

فقط وميض خافت.

​بام!

رصاصة الجاذبية المضغوطة اخترقت عموداً خرسانياً سميكاً في الطابق الثاني، لتثقب صدر القناص المختبئ خلفه، وتسحبه بقوة شفط داخلية حولته إلى عجينة لحمية التصقت بالجدار.

بام! بام! الجثث المدرعة بدأت تتساقط من الشرفات العلوية لتتحطم على الأرضية الرخامية.

​أما أنا... فقد انطلقت.

​لم أعد أختبئ. لم أعد أتردد.

​خرجت من خلف درع داميان وانطلقت بسرعة تفوق سرعة البشر العاديين بأضعاف بفضل توافقي الجسدي مع نواة الغول.

​ستة مرتزقة مدججين بالدروع تقدموا من الممر الأيمن، دروعهم الطاقية تومض باللون الأزرق، وهم يطلقون النار نحوي.

​ركضت بخط متعرج، أتفادى الرصاصات التي كانت تكاد تلامس معطفي.

عندما أصبحت على بُعد ثلاثة أمتار منهم...

​انزلقت على ركبتي فوق الرخام المبلل بدماء المدنيين الهاربين، ورفعت مسدسي الماغنوم.

​لم أستهدف صدورهم المدرعة.

هذا غباء.

استهدفت المفاصل والرقاب التي تفتقر للدروع الثقيلة.

​بام! بام! بام! بام!

​أربع رصاصات انطلقت في جزء من الثانية.

الدقة المطلقة للجوكر الأسود.

الرصاصة الأولى اخترقت ركبة المرتزق الأول، والثانية حطمت حنجرة الثاني، والثالثة والرابعة شلتا حركة الاثنين الآخرين في أكتافهم.

​استخدمت قوة الانزلاق لأقفز فوراً بمجرد توقفي، واندفعت نحو المرتزقين المتبقيين اللذين كانا يحاولان تغيير زاوية تصويبهما.

​سحبت سكيني التكتيكي الأسود بيدي اليسرى.

​المرتزق أمامي وجه بندقيته نحو صدري.

ضربت فوهة بندقيته بمسدسي لأحرف مسارها للأعلى، وفي نفس اللحظة، مررت سكيني بقوة وحشية عبر الفجوة بين خوذته ودرع الصدر.

​سلااااااش!

​الدم الحار انفجر كينبوع ليغسل وجهي.

لم أتوقف. استخدمت جثته المتهاوية كدرع بشري، وأطلقت رصاصتين من مسدسي الماغنوم من تحت ذراعه الميتة لتخترقا جمجمة المرتزق الأخير خلفه.

​ستة مرتزقة نخبة، قُتلوا أو شُلوا في أقل من عشر ثوانٍ.

​التفتت خلفي لأرى "سيا".

كانت ترقص.

حرفياً، ترقص رقصة الموت.

خناجرها المطلية بالحمض الكاوي كانت تترك مسارات من الدخان الأخضر في الهواء.

كانت تقفز بين المرتزقة في الممر الأيسر، تخترق دفاعاتهم بخفة قطة، تقطع أوتارهم، وتغرس خناجرها في دروعهم لتذيبها وتصل إلى لحمهم.

كل مرتزق تلامسه كان يسقط يصرخ وعظامه تذوب.

كانت تضحك، ووجهها مغطى بدماء ضحاياها كإلهة هندوسية غاضبة.

​المذبحة في الردهة استمرت لدقيقتين فقط.

دقيقتان كانتا كافيتين لتحويل واجهة "القديس إيلاريوس" الملائكية إلى مسلخ دموي لا يقل بشاعة عن كوابيس الأقبية.

الجثث المتفحمة، المقطعة، والمذابة كانت تغطي الرخام الأبيض.

الدماء كانت تتجمع في برك تملأ الشقوق بين البلاط.

​الصمت هبط مجدداً، لا يقطعه سوى أنين المرتزقة المحتضرين وصوت الإنذار المزعج.

​"هذا مجرد الترحيب..." تلهث إيفا، وبندقيتها تدخن.

"أين المدخل للأقبية؟! المصاعد العادية لا تنزل أبعد من المشرحة في الطابق B1!"

​"لا تبحثوا في المصاعد،" قلت بصوت قاطع، وأنا أمسح الدم عن سكيني بمعطف أحد القتلى.

​أغمضت عيني لثانية، واسترجعت الومضة الكابوسية التي سحبتها من ذكريات الملازم "غراي".

​مشت خطواتي فوق الجثث، والدماء تصدر صوت "تشلاب... تشلاب" مع كل خطوة، حتى وقفت أمام الشيء الوحيد في الردهة الذي لم تدمره نيران المعركة بالكامل.

​"تمثال القديس إيلاريوس".

​التمثال الرخامي الهائل في منتصف الردهة الداخلية، والذي يصور القديس يرفع كأساً ذهبية نحو السماء.

​"خلف هذا الوجه الملائكي الكاذب..." همست، ونظرت إلى الكأس الذهبية.

​لم ألمس الكأس. نظرت إلى قاعدة التمثال، حيث نُحتت عبارة لاتينية: (Tenebrae in Lucem) "من الظلام إلى النور".

​لاحظت أن حرف (L) في كلمة (Lucem) كان خالياً من الغبار المحيط بباقي الحروف، كأنه يُضغط باستمرار.

​رفعت يدي، وضغطت على الحرف الرخامي بكل قوتي.

​كليييييك... كررررررننش!

​صوت تروس ميكانيكية ضخمة وهيدروليكية بدأ يهز الأرضية الرخامية تحت أقدامنا.

​التمثال الرخامي الهائل، الذي يزن أطناناً، انزلق ببطء للخلف، كاشفاً عن جدار معدني أسود وسميك، يشبه باب قبو بنك احتياطي.

الجدار الأسود انفتح بدوره من المنتصف، ليصنع فجوة هائلة.

​أمامنا... ظهر مصعد.

​لم يكن مصعداً طبياً أو بشرياً.

كان مصعد شحن هائلاً، مساحته تكفي لإنزال ثلاث شاحنات عسكرية معاً.

جدرانه مصنوعة من الفولاذ المضاد للانفجارات، وإضاءته حمراء دموية وخافتة.

​"مصعد مسلخ..." همس أيدن، وعيناه ترتعدان رعباً.

"هذا هو الطريق الذي ينزلون منه آلاف المرضى..."

​"هذا هو الطريق للجحيم،" قالت فاليسيرا ببرود، ومشت لتتجاوزني وتدخل المصعد الهائل أولاً.

"هيا بنا."

​دخلنا المصعد واحداً تلو الآخر.

الجو بالداخل كان بارداً جداً، وتفوح منه رائحة تعقيم كيميائية قوية جداً، كأنهم يحاولون غسل رائحة الموت المستمرة فيه.

​بمجرد أن دخلنا جميعاً، انغلقت الأبواب الفولاذية المزدوجة ببطء، مصدرة صوتاً مكتوماً عزلنا تماماً عن العالم الخارجي وعن أصوات إنذار الردهة.

​اللوحة المعدنية في المصعد لم تكن تحتوي على أزرار تقليدية.

كانت تحتوي فقط على قارئ بصمة كف، وشاشة صغيرة مكتوب عليها باللون الأحمر: النزول للمطهر.

​"أيدن، شغل قفازاتك وشفر البصمة،" أمرت فاليسيرا .

​تقدم أيدن، ويداه ترتجفان.

وضع جهازه اللوحي فوق القارئ، وبدأ في ضخ إيترا الاختراق الرقمي.

"النظام مشفر بتشفير بيولوجي معقد... أحتاج لثلاثين ثانية لخداع النظام..."

​"أسرع!" قالت إيفا وهي تنظر للباب المغلق بخوف من أن يتم حصارنا.

​وقفت في المنتصف، مسدساتي في يدي، وحواسي في أقصى درجات الاستنفار.

​هذا سهل جداً، فكرت في نفسي، ونبضات قلبي تتسارع بلا مبرر.

الاقتحام كان دموياً، نعم، لكنهم سمحوا لنا بالوصول إلى المصعد. القديس إيلاريوس يعلم أننا هنا. الفوليدرز يعلمون. لماذا لم يغلقوا المصعد أو يفخخوه؟

​"تم الاختراق!" صرخ أيدن بفرح طفولي، والشاشة تحولت للون الأخضر.

​اهتز المصعد الهائل بعنف، وبدأ في النزول.

​"ووووششش..."

​السرعة كانت بطيئة في البداية. كنا ننزل بصمت مطبق. B1... B2... لم يظهر شيء على الشاشة، بل كانت تعمق في الأرض أكثر.

​تنهد داميان قليلاً وأرخى كتفيه. "يبدو أننا سنتجاوز الطوابق العلوية مباشرة إلى قاع الأقبية..."

​"لا ترتخِ،" قلت بسرعة، وشعور الموت يزحف على رقبتي. "هناك شيء خاطئ."

​وفجأة...

توقف المصعد.

لم يتوقف ببطء.

توقف بصدمة كارثية جعلتنا جميعاً نسقط على ركبنا، والأسلحة تطير من أيدينا لتصطدم بالجدران الفولاذية.

​"ماذا حدث؟!" صرخت سيا وهي تحاول النهوض.

​الضوء الأحمر في المصعد انطفأ تماماً.

غرقنا في ظلام مطلق، دامس، لا يمكن رؤية كف اليد فيه.

​ثم... انطلق صوت آلي، أنثوي، وهادئ جداً، يتردد من مكبرات الصوت في سقف المصعد:

​[ تم رصد اختراق بيولوجي غير مصرح به. تفعيل بروتوكول: السقوط الحر والتقطيع الزمكاني. نرجو لكم عذاباً ممتعاً. ]

​"السقوط الحر؟!" صرخ أيدن بهستيريا.

​شززززززززز! كرااااااااااش!

​صوت الكابلات الفولاذية الضخمة التي تحمل المصعد... انقطعت!

​المصعد الهائل، الذي يزن أطناناً، بدأ يهوي في الفراغ! انعدمت الجاذبية داخل الكابينة.

أقدامنا ارتفعت عن الأرض.

بدأنا نطفو في الهواء وسط الظلام، نصرخ بينما نهوي بسرعة تفوق الوصف نحو قاع الأرض.

​شعرت بمعدتي ترتفع إلى حنجرتي.

الهواء سُحب من رئتي.

​"فاليسيرا! استخدمي الجاذبية لإبطاء السقوط!" زأر داميان وهو يحاول السباحة في الهواء للإمساك بجدار المصعد.

​"لا أستطيع!" صرخت فاليسيرا في الظلام، وصوتها يحمل رعباً حقيقياً لأول مرة.

"هناك مثبتات زمكانية مضمنة في جدران بئر المصعد! إنهم يشوشون على طاقتي!"

​"سنتحطم! سنصبح عجينة!" صرخت إيفا.

​لكن السقوط لم يكن هو الفخ الحقيقي.

​بينما كنا نهوي بسرعة جنونية...

ووووووش... كرااااااااااااااااك!

​من جدران بئر المصعد المظلم الذي نهوي فيه، انطلقت شفرات ليزرية هيدروليكية هائلة، ومزقت جدران المصعد الفولاذي كأنه مصنوع من الورق المقوى!

​الشفرات لم تكن لقتلنا مباشرة، بل كانت مُبرمجة لتقطيع غرف المصعد الهائل إلى أقسام!

​"كايل! انتبه!"

سمعت صرخة إيفا، وشعرت بيدها تمسك بياقة معطفي في الظلام لانعدام الجاذبية.

​في نفس الجزء من الثانية، شفرة ضوئية حمراء هائلة شقت المصعد من المنتصف تماماً!

مرت بيني وبين داميان بمسافة سنتيمترات، حرارتها أحرقت طرف قناعي.

​كراااااااش!

​المصعد انشطر!

انقسمت الكابينة الهائلة إلى ثلاثة أجزاء منفصلة، كل جزء بدأ يتهاوى في نفق مختلف من أنفاق التهوية والتصريف المظلمة التي تتفرع من البئر الرئيسي.

​"سيااااا!" صرخ داميان وهو يهوي في جزء آخر.

"القائدة!" صرخ أيدن.

​كل الأصوات تلاشت تحت دوي تحطم المعدن وهدير الهواء المندفع.

​الأرضية تحتي مالت بشدة.

كنت أنا وإيفا في نفس الجزء المحطم.

الجزء الخاص بنا اصطدم بجدار خرساني خشن، وبدأ ينزلق على منحدر قاسي جداً وسط الظلام المطلق، والشرر يتطاير من احتكاك الفولاذ الممزق بالخرسانة، ليضيء وجوهنا المذعورة بومضات مرعبة.

​"تمسكِ بشيء!" زأرت بأعلى صوتي، وتخليت عن كل أقنعتي، ممسكاً بإيفا بقوة وحشية لكي لا تطير من الفجوة المفتوحة أمامي، ومثبتاً ظهري المليء بندبات المعارك في بقايا الجدار المعدني.

​انزلقنا لثوانٍ بدت كالأبدية.

​ثم... بوم!

​ارتطم الجزء الخاص بنا بالأرض بقوة أطارتنا في الهواء.

​تحطم الفولاذ تماماً.

تدحرجت على أرضية صلبة، رطبة، وتفوح منها رائحة خانقة، مقززة، تفوق رائحة المجاري.

رائحة تشبه... لحماً متعفناً ومحفوظاً في مواد كيميائية.

​اصطدم رأسي بشيء صلب، وفقدت الوعي لثانية أو اثنتين.

​عندما فتحت عيني القرمزيتين ببطء، والدم يسيل من جبهتي، وجدت نفسي ممداً على ظهري.

الإضاءة حولنا كانت ضعيفة جداً، تومض باللون الأخضر المريض.

​إيفا كانت ملقاة بالقرب مني، تئن بضعف، بندقيتها القناصة مكسورة نصفين بجوارها.

​تنهدت بصعوبة، ومسحت الدم عن عيني.

لقد نجح فخ الفوليدرز.

لقد كسروا قوتنا الأكبر: وحدتنا وتكاملنا التكتيكي.

تم تفريق فرقة ألفا في طوابق المسلخ المظلمة، وكل منا سقط في كابوس مختلف.

​جلست ببطء، ونظرت إلى ما يحيط بي وبإيفا، وبدأ قلبي ينبض برعب حقيقي خالص.

​"أين... أين نحن؟" همست إيفا وهي تحاول الجلوس، ممسكة برأسها النازف.

​نظرت حولي في الإضاءة الخضراء الباهتة.

كنا في ممر طويل جداً. على جانبيه، لم تكن هناك جدران.

كانت هناك أقفاص.

مئات الأقفاص السداسية الشكل، المعلقة بالسلاسل الصدئة من سقف لا يُرى في الظلام.

​ومن داخل تلك الأقفاص... كانت عيون بشرية بيضاء، فارغة، وبلا جفون، تنظر إلينا.

وشفاه مخيطة تصدر أنيناً مكتوماً يندمج لتكوين سيمفونية من العذاب المطلق.

​ابتلعت ريقي الجاف، وقبضت يدي على مقبض سكيني التكتيكي، وأنا أدرك أن كوابيسي في الميتم كانت مجرد دعابة أمام هذا المكان.

​"مرحباً بكِ، يا إيفا،" همست بصوت الجوكر الأسود، وعيناي تشتعلان بلهب اليأس والجنون.

"لقد وصلنا... إلى المطهر."

2026/05/06 · 14 مشاهدة · 2642 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026