الفصل سبعة وثلاثون: الفرقة الإرهابية
- منظور كايل فالتير -
الصمت الذي أعقب انسحاب نصل سكيني من جمجمة الملازم "غراي" لم يكن صمتاً عادياً؛ كان فجوة في نسيج الزمن، لحظة تجمد فيها الهواء في محطة الضخ الجوفية ليصبح أثقل من الرصاص.
كنت أجثو على ركبتي في بركة المياه الممزوجة بالدماء والزيوت الفاسدة، ألهث بعنف كغريق سُحب للتو من قاع محيط جليدي.
الدموع الساخنة، الناتجة عن الصدمة العصبية لانتقال الذكريات، كانت تحفر مسارات نظيفة على وجهي الملطخ بالوحل والدم الأسود.
رفعت رأسي ببطء. يداي كانتا ترتجفان بشكل هستيري، ليس تصنعاً هذه المرة، بل من هول الكابوس الذي ابتلعته للتو من قشرة دماغ ذلك الرجل الميت.
"أربعة وعشرون ساعة..." همست، وصوتي يخرج مبحوحاً، ممزقاً كزجاج يُطحن تحت الأقدام.
إيفا، التي كانت لا تزال توجه فوهة قناصتها نحوي بشك، خفضت سلاحها إنشاً واحداً.
"ماذا قلت؟"
ابتلعت كتلة من اللعاب المدمم، واستندت بيدي على الأرضية الإسمنتية لأدعم جسدي المنهار.
رفعت عيني القرمزيتين، اللتين كانتا تشتعلان بلهب من اليأس والجنون، لأنظر إلى فرقة "ألفا" المحطمة، وإلى فاليسيرا التي كانت تراقبني ببرود كوني من أعلى.
"لقد رأيت... رأيت ما في رأسه،" قلت بصوت يرتجف، متقمصاً دور المجند الذي دُمرت براءته للتو، بينما في داخلي كان "الجوكر الأسود" يصرخ من الرعب الاستراتيجي.
"لم يكن الاغتيال الذي تعرضنا له، ولا إعلاننا كإرهابيين، مجرد تصفية حسابات أو انتقام. كان تشتيتاً. كان إجباراً لنا على الاختباء."
"تشتيت عن ماذا؟!" زأر داميان، وتقدم خطوة متجاهلاً ألم ذراعه.
"عن الحصاد..." سعلت بقوة، وبصقت دماً على الأرض.
"المستشفى... مستشفى القديس إيلاريوس لا يجهز لعملية تجارب عادية. إنهم يجهزون لـ 'حصاد جماعي'. رأيت الأوامر في عقله. ألكسندر فانس أعطى الضوء الأخضر لتأمين المحيط الخارجي. خلال أربع وعشرين ساعة فقط، بدءاً من منتصف هذه الليلة... سيتم إخلاء جميع الطوابق السفلية."
توقفت لالتقاط أنفاسي، وأكملت، وكل كلمة تسقط كحكم إعدام:
"سيقومون بدمج آلاف المرضى المدنيين... آلاف البشر الذين يظنون أنهم يتلقون علاجاً مجانياً... في ليلة واحدة. سيتم تحويلهم إلى مسوخ، وإلى بطاريات إيترالية حية لتغذية الفوليدرز الستة. وبعد الأربع والعشرين ساعة، ستُنقل الحاويات البيولوجية، وستُمحى الأدلة، وسيختفي آلاف البشر كأنهم لم يُخلقوا يوماً."
سقطت الكلمات في الصالة المهجورة كقنبلة فراغية ابتلعت كل أمل متبقٍ.
أربعة وعشرون ساعة.
لم يعد لدينا أسبوع.
لم يعد لدينا وقت للاستطلاع، أو التخطيط المعقد، أو محاولة إقناع حلفاء من الخارج.
"أربع وعشرون ساعة..." همس أيدن، وسقط مسدسه من يده ليصطدم بالأرض.
"هذا مستحيل... هذا انتحار. نحن ستة أشخاص فقط! نحن منبوذون! بطاقاتنا مجمدة، أسلحتنا شبه فارغة، ونحن مطاردون من الـ FBI بالكامل ومن نقابات العالم السفلي! كيف يمكن لستة أشخاص أن يوقفوا مسلخاً بحجم مدينة يحميه وحش من الرتبة S+؟!"
سيا أغمضت عينيها، وشدت قبضتها على خناجرها المطلية بالحمض.
"أيدن محق. نحن بالكاد نجونا من فرقة تتبع. الدخول إلى هناك غداً يعني أننا نسير بأقدامنا إلى مفرمة لحم."
نظرت إلى فاليسيرا.
كانت تقف في صمت. وجهها الشاحب والمغطى بالدماء لا يظهر أي انفعال، لكن هالتها كانت تتحدث.
كان هناك غليان صامت، غضب سامي يُطبخ على نار هادئة.
فجأة، تحرك داميان.
الشاب الأشقر، الذي كان يمثل ذروة الانضباط العسكري والمثالية الاستخباراتية، مد يده السليمة إلى جيبه الداخلي.
أخرج شارته الفضية اللامعة—شارة فرقة ألفا، رمز فخره، ورمز السلطة التي كان يعبدها.
نظر إليها لثانية واحدة، وعيناه تفيضان بانكسار ممزوج بغضب نقي.
كراااك!
ألقى الشارة على الأرضية الإسمنتية، ورفع حذاءه التكتيكي الثقيل، وسحقها بكل قوته حتى تحولت إلى شظايا معدنية ملتوية تغوص في الوحل.
"لقد انتهى الأمر،" قال داميان بصوت خشن، منخفض، لم أسمعه منه من قبل.
"لم نعد عملاء للـ FBI. لم نعد حماة لقانون يحمي الخنازير وتجار البشر. إذا كان ألكسندر فانس يريدنا إرهابيين... فسنكون أسوأ كابوس إرهابي شهده."
إيفا رمقت داميان بنظرة صامتة، ثم مدت يدها إلى رقبتها، ومزقت قلادة التعريف العسكرية الخاصة بها، وألقتها فوق بقايا شارة داميان.
"الذئاب لا تحتاج إلى أطواق."
سيا فعلت المثل، وأيدن، رغم بكائه، خلع سترته التي تحمل شعار الاستخبارات ورماها في المياه القذرة.
في تلك اللحظة المجردة، في قاع المجاري المتعفنة، ماتت فرقة "ألفا" التابعة للاستخبارات السحرية.
ووُلدت مجموعة من القتلة اليائسين، الخارجين عن القانون، الملطخين بالدماء، والمستعدين لفتح أبواب الجحيم على مصراعيها.
ستة أشخاص ضد حكومة، وضد مسلخ، وضد حكام الظلام.
"زاك،" قطع صوت فاليسيرا الحاد والمخيف الصمت الطقوسي.
انتفض زاك، الذي كان يراقبنا من الزاوية كمن يشاهد فيلماً مرعباً.
"نـ... نعم سيدتي الشيطانـ... أقصد القائدة!"
"هل ما زلت تمتلك تلك الاتصالات القذرة في السوق السوداء؟"
سألت فاليسيرا، وعيناها القرمزيتان تخترقانه.
"أحتاج إلى مخططات. ليست المخططات المعمارية الرسمية التافهة. أريد خرائط البنية التحتية القديمة، شبكات التهوية، ومسارات تصريف النفايات البيولوجية لمستشفى القديس إيلاريوس. وأحتاج إلى عتاد. عتاد لا يحمل أرقاماً تسلسلية حكومية."
ابتلع زاك ريقه، لكن بريقاً من العبقرية المهووسة لمع في عينه اليسرى التي توقفت عن الرمش.
"أنا... أنا 'زاك'. أنا أعيش في السوق السوداء يا سيدتي. إذا كان للمستشفى قبو سري، سأجد المخططات التي نسيها المهندسون أنفسهم. أما بالنسبة للعتاد... فلدي مخبأ احتياطي لم أصرح عنه لأحد. مخبأ مخصص لـ 'يوم القيامة'."
"جيد،" قالت فاليسيرا. "أمامنا أقل من عشر ساعات لنجهز أنفسنا. تحركوا."
[ بعد ثلاث ساعات - مستودع قطارات الأنفاق المهجور - القطاع E ]
المكان الذي أحضرنا إليه زاك كان عبارة عن محطة قطارات أنفاق قديمة، هُجرت منذ عقود بعد حادثة تسرب إيترالي.
الجدران كانت مقوسة ومغطاة ببلاط سيراميك متساقط، وعربات القطارات الصدئة كانت تقف كجثث حيتان معدنية عملاقة في الظلام.
لكن عربة القطار المركزية لم تكن صدئة من الداخل.
بمجرد أن أدخل زاك سلسلة من الأكواد في لوحة مخفية، انفتحت أبواب العربة لتكشف عن ترسانة عسكرية مصغرة، غير قانونية، وتكفي لتمويل انقلاب مسلح.
"مرحباً بكم في 'خزانة البارانويا' الخاصة بي،" قال زاك بفخر وهو يمسح نظارته، بينما أضاءت مصابيح بيضاء ساطعة لتكشف عن الرفوف.
"الأسلحة الحكومية التي كنتم تحملونها مصممة لتقليل الأضرار الجانبية ولتكون قابلة للتتبع. هذه الأسلحة هنا؟ مصممة لشيء واحد فقط: التمزيق المطلق."
تقدمت إيفا، وعيناها تلمعان بانبهار حقيقي.
سحبت بندقية قنص سوداء طويلة جداً، ملساء كزجاج البركاني، ولا تحتوي على عدسة تصويب تقليدية بل شاشة ربط عصبي.
"بندقية 'الظل الثاقب'..." تمتمت إيفا، وهي تتحسس المعدن البارد.
"هذه محرمة دولياً! رصاصاتها مصنوعة من إيترا الجاذبية المضغوطة. رصاصة واحدة يمكنها اختراق خزانة بنك مركزي!"
"نعم،" ابتسم زاك. "وقد كلفتني ثروة لتهريبها من نوفاريون. خذيها، إنها لكِ."
داميان ألقى رشاشه المحترق، وتوجه نحو زاوية تحتوي على دروع قتالية.
سحب سيفاً عريضاً، نصله ينبض بتيار كهربائي أحمر، وبندقية هجومية ذات فوهتين دوارتين.
"أسلحة مرتزقة من الرتبة A+... هذا سيفي بالغرض."
سيا وجدت مجموعة من الخناجر المصنوعة من عظام وحوش بحرية نادرة، قادرة على ضخ السم الإيترالي بمجرد ملامسة الدم.
وأيدن حصل على قفازات هولوغرافية تعزز أوهامه لدرجة تجعلها مادية وملموسة لثوانٍ معدودة.
أما أنا... فلم آخذ سلاحاً كبيراً. تظاهرت بالبحث، والتقطت مسدسين من نوع "ماغنوم إيترالي" أسودين، ومجموعة من السكاكين التكتيكية.
لم أكن بحاجة لأسلحتهم؛ كان النصل المنسي في داخلي يئن جوعاً، ينتظر اللحظة التي سأطلقه فيها ليفترس أرواح مسوخ الفوليدرز.
بينما كانت الفرقة تتجهز بحمى يائسة، لاحظت أن فاليسيرا لم تكن معهم.
انسحبت بهدوء من بين عربات القطار، وتتبعت أثراً خفيفاً من الدماء القرمزية المشعة التي كانت لا تزال تقطر من جرحها.
وجدتها في عربة قطار خلفية، معزولة وفي شبه ظلام.
كانت تجلس على مقعد جلدي ممزق، وجهها شاحب كالموت، وجسدها يرتجف بعنف لا إرادي.
معطفها كان ملقى على الأرض، وقميصها الحريري الأسود كان ملتصقاً بجلدها بفعل العرق والدم.
الجرح في كتفها الذي أحرقته بالنار الزرقاء كان لا يزال ينبعث منه دخان مقزز، والشق الزمكاني في خصرها الذي طوته بالقوة كان ينبض محاولاً التفتح مجدداً، وكأن الكيان الداخلي يصارع للانعتاق من سجن لحمها المنهك.
"أنتِ تموتين."
قلت الكلمات بصوت منخفض، متخلياً عن قناع المجند، وأنا أقف في مدخل العربة.
رفعت فاليسيرا عينيها القرمزيتين الباهتتين نحوي. لم تغضب. لم تصرخ.
ابتسمت بمرارة، وسعلت دماً في كفها.
"جسدي البشري لا يمكنه احتواء هذا الضغط لفترة أطول،" همست بصوت أجش، متعب.
"القتال ضد الأطياف، الاغتيال، ثم إبادة تلك الكلاب، وكياني الملعون الذي يتمرد... لقد استنزفني ذلك تماماً. إذا دخلت مستشفى إيلاريوس بهذه الحالة، سأكون مجرد جثة إضافية في مسلخهم."
نظرت إليها. رغم قوتها التي ترعب الساميين، إلا أنها كانت في النهاية محبوسة في لحم ودم.
هشاشة الإنسان كانت تتجلى فيها بأبشع صورها.
"إذاً... ماذا ستفعلين؟" سألت، وأنا أراقبها بحذر. "هل ستنسحبين؟ هل ستتركيننا نموت وحدنا؟"
ضحكت فاليسيرا ضحكة خافتة، ورفعت يدها السليمة.
"الانسحاب ليس في قاموسي يا كايل."
أدخلت يدها في جيب داخلي خفي في بنطالها، وأخرجت شيئاً.
شيء جعل الهواء في العربة المظلمة يثقل، وينبض بطاقة حياة نقية، طاغية، ومرعبة في كثافتها.
كانت قارورة زجاجية صغيرة، محفورة بنقوش سامية قديمة، ومختومة بسدادة من الذهب الخالص.
بداخل القارورة، لم يكن هناك سائل عادي. كان هناك سائل يتوهج بلون أبيض لؤلؤي مشع، يتحرك داخل الزجاج كأنه كائن حي يتنفس، يضيء الظلام حولنا بوهج ملائكي لكنه يحمل رهبة عميقة.
"ما هذا...؟" همست، وعيناي تتسعان.
الإيترا المنبعثة من هذه القارورة الصغيرة كانت تتجاوز أي شيء رأيته في حياتي.
"هذا، يا فتى الظلال،" قالت فاليسيرا، وهي تتأمل القارورة بنظرة معقدة يمتزج فيها الكره بالاحتياج، "هو 'إكسير دموع الفجر'. إكسير علاجي من الرتبة S المطلقة. لا يوجد منه سوى ثلاث قوارير في كل إيليزيوم. واحدة يمتلكها كايزر درافيون، والثانية يملكها القديس إيلاريوس نفسه."
"والثالثة... تملكينها أنتِ؟" سألت بذهول.
"لقد احتفظت بها لوقت الطوارئ،" قالت ببرود، رغم الألم الذي يعتصر ملامحها.
"لليوم الذي يقرر فيه جسدي التمرد عليّ تماماً. هذا الإكسير لا يعالج الجروح فقط... إنه يعيد بناء الخلايا من مستوى الحمض النووي، ويجدد خزان الإيترا ليفيض عن حده."
"إذاً اشربيه!" قلت بسرعة. "نحن نحتاجكِ بكامل قوتكِ الليلة!"
"الشرب ليس بهذه السهولة يا كايل،" ضحكت بمرارة، وأزالت السدادة الذهبية. رائحة نقية، تشبه رائحة المطر على زهور برية، ملأت العربة.
"هذا الإكسير مصمم لأجساد الساميين. جسد بشري، حتى لو كان من الرتبة S-، سيختبر جحيماً من إعادة التكوين الخلوي. الألم سيكون... يفوق الوصف."
لم تتردد لثانية أخرى.
رفعت القارورة إلى شفتيها المدممتين، وابتلعت السائل اللؤلؤي المضيء دفعة واحدة.
رمت القارورة الفارغة لتتحطم على الأرضية المعدنية.
لثانية واحدة... لم يحدث شيء.
ثم.
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!"
صرخة فاليسيرا لم تكن بشرية.
كانت زئيراً كونياً مزق سكون محطة القطارات المهجورة، وجعلني أتراجع خطوتين للخلف وأنا أغطي أذني.
جسدها تقوس للخلف بشكل غير طبيعي، حتى كاد عمودها الفقري ينكسر.
عروقها جميعاً برزت، وتوهجت من تحت جلدها بضوء أبيض ساطع، كأن حمماً من النور تتدفق في أوردتها بدلاً من الدم!
رأيت مشهداً من المعجزات الكابوسية يحدث أمامي مباشرة.
الجرح المتفحم في كتفها، والذي كان يقطر موتاً، بدأ يغلي.
اللحم الميت والمحترق تساقط كقشور رماد، ومن تحته، بدأت أنسجة عضلية جديدة، وردية وطازجة، تنسج نفسها بسرعة جنونية مرئية للعين!
العظام تجبرت، والجلد امتد ليغطي الفجوة كأنها لم تكن.
الشق الزمكاني في خصرها، والذي كان يرفض الالتئام، أُجبر على الانغلاق تحت ضغط طاقة الحياة المطلقة.
الخلايا كانت تنقسم وتتكاثر بسرعة تكسر قوانين البيولوجيا، محدثة أصوات طقطقة وفرقعة جعلت معدتي تتقلص.
لكن الألم الذي كانت تختبره... كان يمزق عقلها.
دموع من نور كانت تنهمر من عينيها، وأظافرها انغرزت في المقعد الجلدي حتى مزقته.
كانت تصرخ، وتصرخ، وهالتها الإيترالية تتضخم.
لم تعد هالة مريضة ومقموعة؛ بل أصبحت هالة إمبراطورية، ساحقة، ومطلقة!
الهواء في العربة أصبح ثقيلاً جداً لدرجة أنني سقطت على ركبتي، غير قادر على تحمل الضغط الذي تجاوز بكثير ما شعرت به في قاعة اجتماعات كايزر.
آآآآغ! ما هذا؟! ماذا تفعلين أيها الوعاء الملعون؟!دوت صرخة الكيان الكوني الذي تردد صداها في عقل فاليسيرا .
الكيان كان يُقمع! قوة الحياة النقية للإكسير كانت تحاصره، تدفعه إلى أعمق وأظلم نقطة في وعيها، وتقيده بسلاسل من نور الإيترا!
وبعد دقيقة واحدة بدت كألف عام من العذاب... توقف الصراخ.
توهج العروق انطفأ.
الضغط الجوي انحسر فجأة.
وقفت فاليسيرا.
كانت تلهث بهدوء. صدرها يعلو ويهبط بانتظام.
نظرت إليها، ولم أستطع إخفاء انبهاري ورعبي.
لم تعد الفتاة المحطمة التي تنزف في المجاري. لقد ولدت من جديد.
بشرتها عادت لصفائها الخزفي البارد.
جروحها اختفت تماماً بلا أي ندبة. وقفتها كانت مستقيمة، مهيبة، تنضح بقوة جبارة لا يمكن تحديها.
عيناها القرمزيتان كانتا تشعان ببرود كوني صافٍ، خالٍ من أي صراع داخلي، فقد أُخرس الكيان بداخلها، وأصبحت هي الحاكم الأوحد لجسدها.
كانت تبدو كسامية حرب هبطت لتوها من سماء ملعونة.
رفعت يدها، وبحركة بسيطة، طوت الفضاء حول الدماء والقذارة التي كانت تغطي ملابسها، لتمحوها تماماً، وتعود نظيفة، أنيقة، ومرعبة كأول مرة رأيتها فيها.
التفتت إليّ، ونظرت إليّ من الأعلى، وابتسامة ثقة متغطرسة وخطيرة تزين شفتيها.
"هل أعجبك العرض يا فتى الظلال؟" قالت بصوت ناعم ومخملي، يخفي تحته تهديداً بإبادة قارات.
"لقد انتهى وقت النزيف. حان وقت الحصاد المضاد."
خرجت فاليسيرا من العربة، وتبعتها بصمت.
عندما رأتها فرقة ألفا، توقفوا جميعاً عن تجهيز أسلحتهم.
الفكوك سقطت، والعيون اتسعت.
كانوا ينظرون إليها وكأنهم يرون كائناً مقدساً.
الهالة التي كانت تحيط بها الآن أعادت إليهم كل ذرة من ثقتهم وغرورهم الذي تحطم.
لقد عادت قائدتهم التي لا تُقهر.
"تجمعوا،" أمرت فاليسيرا ببرود.
التففنا جميعاً—الستة نحن: فاليسيرا، أنا، إيفا، داميان، سيا، وزاك—حول طاولة تخطيط هولوغرافية كان زاك قد شغلها.
كانت الطاولة تعرض نموذجاً ثلاثي الأبعاد باللون الأزرق الفاتح لمبنى "مستشفى القديس إيلاريوس".
"الواجهة الأمامية للمستشفى،" بدأ زاك الشرح، وهو يمسح نظارته بيد ترتجف، "محمية بنظام دفاع جوي إيترالي من الرتبة A. لا يمكننا الهبوط من الأعلى. الطوابق العلوية مخصصة للمرضى المدنيين وتكتظ بآلاف الأشخاص. حراس الأمن هناك مسلحون، لكنهم مجرد واجهة."
قام زاك بقلب المجسم الهولوغرافي رأساً على عقب.
"الكارثة تكمن هنا،" قال زاك، وابتلع ريقه.
"تحت المستشفى، يوجد نظام أقبية لا يظهر في أي سجل حكومي. يمتد لسبعة طوابق تحت الأرض. الطابق السابع... هو ما يُسمى 'مسلخ التطهير'. للوصول إليه، يجب علينا اختراق ثلاثة أبواب فولاذية مصممة لتحمل انفجارات نووية، وتجاوز شبكة من المرتزقة المعدلين جينياً، وربما... مسوخاً وتجارب حية أُطلقت ككلاب حراسة."
"الخطة بسيطة،" قالت فاليسيرا، وهي تتكئ على الطاولة وتنظر في عيوننا واحداً تلو الآخر.
"نحن لسنا فرقة إنقاذ. نحن فرقة إعدام. لن نتسلل كالفئران."
اتسعت عينا إيفا. "ماذا تقصدين سيدتي؟"
"أقصد أننا سنقتحم من البوابة الأمامية،"
ابتسمت فاليسيرا بسادية خالصة.
"سندخل من الردهة الرئيسية. سنجعلهم يروننا. سنجعلهم يركزون كل قواتهم علينا في الأعلى، بينما نشق طريقنا نحو الأسفل، طابقاً بطابق، نقتل كل من يحمل سلاحاً، ونحرق كل من يقف في طريقنا، حتى نصل إلى القديس إيلاريوس نفسه وننزع قلبه من صدره."
"هذا جنون مطلق!" قال أيدن بصدمة.
"سندخل من الباب الأمامي؟! هذا يعني حرباً صريحة!"
"هذا هو المطلوب،" تدخلتُ أنا، بصوت "الجوكر الأسود" البارد والواثق.
"إذا تسللنا، قد يحاصروننا في الأقبية ويمسحوننا بالغاز. لكن إذا اقتحمنا كالطوفان، سنربكهم، سنجعلهم يرتكبون الأخطاء، وسنجبر القديس إيلاريوس على كشف أوراقه لحماية مسلخه."
داميان ابتسم ابتسامة دموية، ورفع رشاشه الثقيل.
"أعجبتني الفكرة. لقد مللت من الاختباء."
سيا لفت خناجرها حول خصرها، وأومأت بصمت.
إيفا شحنت بندقيتها القناصة، وعيناها تشتعلان بانتقام أعمى.
نظرت إلى وجوههم. لم يعودوا عملاء FBI.
لم يعودوا موظفين يتبعون القوانين أو يخشون المحاسبة.
لقد تبرأ العالم منهم، فقرروا أن يتبرأوا من إنسانيتهم.
لقد أصبحوا مجموعة من القتلة اليائسين، المتعطشين للدم، المستعدين لإحراق المدينة بأكملها لرد اعتبارهم.
وأنا كنت أقف بينهم. اللص الذي أراد فقط النجاة، وجد نفسه يقود جحفلاً من الذئاب نحو فم التنين.
النصل المنسي في داخلي نبض بحرارة مجنونة، يستشعر الموت القادم، ويتضور جوعاً للوليمة.
"زاك، أنت ستبقى في سيارة التوجيه على بُعد شارعين، وتتحكم بالكاميرات وتفتح لنا الأبواب الإلكترونية،" أمرت فاليسيرا.
"أما البقية... ارتدوا أقنعتكم، وتجهزوا. موعدنا مع ملائكة القديس إيلاريوس قد حان."
[ بعد ساعتين - القطاع الأوسط - الواجهة الرئيسية لمستشفى القديس إيلاريوس ]
كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً.
الظلام كان لا يزال يلف مدينة إيليزيوم ككفن ثقيل.
المطر كان قد توقف، تاركاً وراءه ضباباً كثيفاً يزحف على الإسفلت كأشباح هائمة.
وقفنا في جنح الظلام، في زقاق مقابل للمستشفى.
المبنى الهائل كان منتصباً أمامنا.
واجهته الرخامية البيضاء الناصعة كانت تتلألأ تحت أضواء المصابيح الكاشفة.
تماثيل الملائكة التي تسكب المياه في النافورة كانت تبدو وكأنها تحرس قلعة من النقاء والرحمة.
سيارات الإسعاف الفاخرة تصطف بهدوء، وحراس الأمن ذوي البدلات البيضاء النظيفة يقفون عند البوابات الزجاجية الأوتوماتيكية، يبتسمون بوقار.
مشهد ملائكي، مسالم، ومثالي.
لكننا الستة كنا نعلم الحقيقة.
كنا نسمع صراخ الأرواح المذبوحة الذي يتردد من تحت هذا الرخام الأبيض.
كنا نعلم أن الملائكة التي تقف في الواجهة تخفي شياطين الفوليدرز التي تطحن عظام الأطفال في الأقبية.
تقدمت فاليسيرا خطوة واحدة خارج الزقاق، نحو شارع الإسفلت المكشوف.
معطفها الأبيض الجديد، الذي سرقناه من السوق السوداء، كان يرفرف خلفها كجناحي غراب أبيض.
عيناها القرمزيتان كانتا تتوهجان في الظلام كإشارتي هلاك.
خلفها، وقف داميان بدرعه الثقيل ورشاشه المزدوج.
إيفا بقناصتها الموجهة للأمام.
سيا بخناجرها المسمومة. أيدن بقفازاته الهولوغرافية. وأنا، الجوكر الأسود، أسحب مسدسي الماغنوم، وأحضر طيف النصل المنسي في يدي اليمنى.
ستة أشخاص.
ستة خارجين عن القانون.
ضد جيش كامل، ومسلخ كوني، وحاكم من الرتبة S+.
"افتحوا أبواب الجحيم،" همست فاليسيرا بصوت هادئ، لكنه شق صمت الليل كدوي رعد.
ومشينا... بخطوات ثابتة وموزونة، خارجين من الظلام، مباشرة نحو أبواب المستشفى الزجاجية المضيئة، لنبدأ أسوأ ليلة في تاريخ مدينة إيليزيوم.
___
___
___
من الفصل القادم، تبدأ فصول آرك مستشفى القديس إيلاريوس… الآرك الأخير في هذا المجلد.