الفصل ستة والثلاثون: ستة أشخاص

​كان قاع مدينة "إيليزيوم" يمتلك صوتاً خاصاً به.

لم يكن مجرد خرير مياه آسنة أو طنين آلات منسية؛ بل كان أنيناً متواصلاً، كزفرات احتضار عملاقٍ دُفن حياً تحت ملايين الأطنان من الخرسانة والفولاذ.

​في محطة الضخ الجوفية المهجورة، حيث تتشابك الأنابيب الهائلة كأمعاء معدنية صدئة تنضح بالعفن، كانت فرقة "ألفا" المحطمة تنتظر مصيرها.

الرطوبة الخانقة كانت تلتصق بجلودهم كغراء بارد، ورائحة الميثان والدم المتخثر تملأ جيوبهم الأنفية، محولةً كل تنفس إلى عقوبة بيولوجية.

​عاد كايل فالتير بخطوات صامتة كطيف منبوذ إلى زاوية الظلام، مسنداً ظهره إلى أحد التوربينات الباردة.

كان يرتجف بخفوت، ليس من الصقيع، بل من الرعب المزدوج الذي نهش روحه:

جوع "النصل المنسي" الذي يسري كسواد مشع في أوردة ذراعه اليمنى، ومشهد "فاليسيرا" وهي تحرق لحمها بالنار الزرقاء لترويض الكيان الكوني الذي يسكن جمجمتها.

وضع كايل وجهه بين ركبتيه، محاولاً السيطرة على نبضات قلبه الهستيرية، متظاهراً بأنه مجرد مجند منهار من فرط الخوف.

​وبعد دقائق بدت كقرون ثقيلة، سُمع صوت خوض بطيء في المياه الضحلة.

​خرجت فاليسيرا من الظلام الحالك للممر الفرعي.

​الرؤية وحدها كانت كفيلة بتجميد الدم في العروق.

كانت تمشي ببطء، خطواتها ثقيلة لكنها موزونة بدقة مرعبة.

معطفها الأبيض الفاخر لم يعد موجوداً، وبقيت بقميصها الحريري الأسود الذي تمزق عند الخصر والكتف.

الجرح في كتفها الأيسر كان عبارة عن فجوة متفحمة، تنبعث منها خيوط رقيقة من دخان أبيض مقزز يحمل رائحة اللحم البشري المشوي والأوزون الفاسد.

وجهها كان شاحباً كشمعة ميتة، لكن عينيها القرمزيتين... كانتا تشتعلان ببريق مريض، سادي، ومركز كشفرة مقصلة.

لقد انتصرت في حربها الداخلية مؤقتاً، وعادت لتقود قطيع الذئاب.

​"سيدتي القائدة..." همس داميان، ونهض بصعوبة من فوق الصناديق المتعفنة، وعيناه تتسعان بصدمة وهو يرى كتفها المتفحم.

"ما الذي... ما الذي حدث لكتفكِ؟!"

​"لا شيء يخصك يا داميان،" قاطعته فاليسيرا بصوت أجش، بارد كجليد الموت، وهي تمسح قطرة دم جافة من على ذقنها بظهر يدها المرتجفة.

وقفت في منتصف الصالة، ورمقتهم جميعاً بنظرة جعلت حتى إيفا بلاكود تخفض بندقيتها.

​سيا تقدمت بخطوة مترددة، يداها تتوهجان بضوء علاجي باهت.

"أرجوكِ... دعيني أحاول ترميم الأنسجة المحترقة. إنكِ تستنزفين طاقة حياتكِ للبقاء واقفة."

​"قلتُ لا،" هدرت فاليسيرا، والضغط الجوي في الغرفة انخفض فجأة، مما جعل أنفاسهم تتكثف في الهواء البارد.

"وفروا سحركم التافه. نحن طرائد الآن، وألكسندر فانس أرسل كلاب الإعدام لتمشيط المجاري. إنهم يقتربون."

​أيدن، الذي كان يرتعد في الزاوية، رفع رأسه ووجهه مغطى بدموع اليأس.

"يقتربون؟ كيف تعرفين؟ نحن معزولون هنا! زاك قام بتعمية الكاميرات!"

​زاك، الذي كان يعبث بلوحة مفاتيحه، استدار ووجهه يقطر عرقاً بارداً.

"هي محقة يا أيدن. لقد اكتشفوا التلاعب. إشارات البث تُقطع واحدة تلو الأخرى في الممرات العلوية. إنهم يرسلون طائرات مسيرة حرارية صغيرة، وفرق تتبع من النخبة. الرائحة... إنهم يتتبعون رائحة دماء الكلاب الفولاذية التي التصقت بملابسنا."

​"نحن محاصرون،" همست إيفا، واليأس يزحف إلى نبرتها الحادة.

نظرت إلى فاليسيرا، وعيناها السوداوان تفيضان بتساؤل يائس.

"سيدتي... إذا كانوا يقتربون بهذه الأعداد، ونحن في هذه الحالة المزرية... لماذا لا تفتحين شقاً زمكانياً؟ لماذا لا تدخليننا جميعاً إلى 'ملاذ الفراغ' الخاص بكِ؟ يمكننا الاختباء هناك حتى يمروا، ثم نخرج لضرب المستشفى!"

​كان هذا هو السؤال المنطقي الوحيد. الملاذ الذي أدخلت فيه كايل سابقاً كان ملجأً مثالياً لا يمكن لأي رادار أو كلب صيد أن يكتشفه.

​لكن ملامح فاليسيرا لم تسترخِ. بل ازدادت قسوة، ورمقت إيفا بنظرة احتقار قاتلة.

​"ملاذ الفراغ ليس خزانة ملابس لتختبئوا فيها كلما شعرتم بالخوف،" قالت فاليسيرا بصوت منخفض ومخيف.

"لفتح شق زمكاني مستقر يكفي لاستيعاب خمسة أشخاص... أحتاج إلى كمية إيترا نقية وتركيز مطلق. هل تنظرين إلى حالتي يا إيفا؟"

​أشارت بإصبعها نحو كتفها المتفحم وخصرها الملتوي.

​"نسيج الزمكان ليس ستارة حريرية. إنه جدار من الصلب الكوني. إذا فتحتُ البوابة الآن، بطاقتي المستنزفة وبجسدي الممزق هذا... فالبوابة لن تكون مستقرة. بمجرد أن تعبروا، ستنهار الحواف الزمكانية عليكم. ستُقطعون إلى آلاف الشرائح الذرية، وستتطاير أمعاؤكم في أبعاد لا يمكن للغة البشرية وصفها. هل تريدين تجربة ذلك؟"

​ابتلعت إيفا ريقها بصعوبة بالغة وتراجعت خطوة للخلف، الرعب يكسو ملامحها.

​كان كايل يراقب من زاويته المظلمة.

كان يعلم الحقيقة. لقد رأى كيف أحرقت نفسها.

الكيان الذي يسكنها يعاقبها، وطاقتها تُستنزف في إبقاء هذا الكيان مقيداً أكثر من إبقائها حية.

هي حرفياً لا تملك القوة لفتح البوابة، لكنها، بكبريائها الشيطاني، لن تعترف أبداً بأنها "عاجزة"، بل صورت الأمر كخطر عليهم.

​"إذاً... ما العمل؟" سأل داميان، وشد قبضته على رشاشه الثقيل.

"إذا ركضنا، سيصطادوننا واحداً تلو الآخر في هذه الممرات."

​"لن نركض،" قالت فاليسيرا، وابتسامة مريضة، دموية، ومجنونة ارتسمت على شفتيها الممزقتين.

"لقد طاردونا بما فيه الكفاية. لقد جعلونا ننزف كالحيوانات. الآن... دورنا."

​نظرت إلى زاك، الذي تيبس في كرسيه.

"أنت. أيها الجرذ الإلكتروني. هل يمكنك التحكم في صمامات هذه المحطة؟"

​زاك التفت نحو شاشته المكسورة، ومسح العرق عن جبينه.

"أـ... أستطيع. المحطة قديمة جداً، أنظمتها تعمل الهيدروليكا والإيترا الميكانيكية الضعيفة. أستطيع فتح وإغلاق بوابات الفيضان، والتحكم في إضاءة الممرات المجاورة، وتفعيل التوربينات الصدئة."

​"ممتاز،" همست فاليسيرا، وعيناها تلمعان بنشوة المذبحة.

"العملاء الذين يأتون خلفنا ليسوا من الرتب الدنيا. إنهم نخبة الـ FBI، مجهزون بدروع حرارية وأسلحة ثقيلة. لكنهم يعتمدون على تفوقهم التكتيكي. سنجردهم من هذا التفوق. سنحول هذه المحطة إلى مسلخ مصمم خصيصاً لهم. سننصب لهم كميناً."

​"كمين الفئران..." تمتم كايل بصوت خافت متصنعاً الخوف، لكن في داخله، كانت دماء "الجوكر الأسود" تغلي حماساً.

​بدأت خلية النحل الدموية بالعمل.

​كان المشهد سريالياً. فرقة الإعدام التي كانت تحمي القانون، أصبحت الآن تنسج شبكة من الموت لزملائها السابقين.

​إيفا تسلقت أنابيب فولاذية ضخمة حتى وصلت إلى سقف الصالة المظلم، متخذة وضعية قنص شبه مستحيلة بين الطحالب اللزجة، بندقيتها موجهة نحو المدخل الرئيسي للصالة.

سيا أخرجت قوارير صغيرة تحتوي على دماء كلاب الصيد الفولاذية المليئة بالحمض، وبدأت بطلاء شفرات خناجرها المزدوجة بهذا السائل الكاوي، وعيناها الزرقاوان تفيضان ببرود مميت.

داميان تمركز خلف كتلة خرسانية سميكة، مغذياً رشاشه بآخر ما يملك من رصاص الإيترا المتفجر.

​أما زاك، فقد عزل نفسه خلف حاجز من الشاشات، يتلاعب بالأسلاك النحاسية لربط نظام التحكم المائي بالمحطة.

​وكايل؟ طُلب منه أن يختبئ في أعمق زاوية، وأن يصرخ ليكون "الطُعم الصوتي" إذا تطلب الأمر.

وهو دور لعبه ببراعة، بينما كان في الخفاء يمد يده اليمنى تحت معطفه، مركزاً على تنشيط مهارة [تمزيق الظلال] دون إثارة انتباه فاليسيرا التي كانت تقف كتمثال الموت في منتصف الصالة المكشوفة تماماً.

​الصمت هبط مجدداً. صمتٌ يسبق العاصفة الحمراء.

​وفجأة...

بززززز!

​أجهزة الاستشعار التي زرعها زاك في الممرات بدأت تومض باللون الأحمر.

​"إنهم هنا،" همس زاك عبر أجهزة الاتصال الداخلية في آذان الفرقة.

"فرقة تعقب متكاملة. اثنا عشر عميلاً من الرتبة B+ و A-. يتحركون بتشكيل هجومي. معهم طائرات مسيرة حرارية."

​"زاك، أطفئ جميع الأنوار في القطاع الشرقي. اترك فقط المدخل مضاءً،" أمرت فاليسيرا بهدوء.

​انقطعت الكهرباء المتبقية في المحطة بفرقعة حادة.

غرق المكان في ظلام مطلق، لا يقطعه سوى ضوء فلوري شاحب يضيء النفق العريض الذي يجب أن يعبر منه العملاء للدخول إلى الصالة.

​خطوات الأحذية التكتيكية الثقيلة بدأت تتردد في الماء.

خوضٌ متزامن، احترافي، لا يصدر سوى رذاذ خفيف.

​ظهروا عند المدخل.

كانوا يرتدون خوذات مغلقة مزودة بعدسات حرارية وليلية تلمع بضوء أخضر شرير.

بنادقهم كانت مرفوعة، والليزر الأحمر يمسح جدران المحطة.

​"الهدف الرئيسي أمامي مباشرة،" همس قائد الفرقة عبر جهاز اللاسلكي الخاص به، ولكن الصدى نقله إلى مسامعهم.

"إنها فاليسيرا. تقف وحدها. لا أرى الباقين. الدروع الحرارية تعمل."

​كانت فاليسيرا تقف في بقعة الضوء الوحيدة، ويديها في جيوب معطفها الممزق. لم تتحرك.

​"أطلقوا النار!" أمر القائد.

​في اللحظة التي ضغطوا فيها على الزناد...

"الآن يا زاك!" صرخت فاليسيرا.

​لم يطلق زاك النار. بل ضرب بقبضته على مفتاح تحكم صدئ كان قد ربطه بشبكة الكهرباء.

​ببببوووووووووم!

​لم يكن انفجاراً نارياً، بل انفجار هيدروليكي! أنبوب مياه ضغط عالي، قطره ثلاثة أمتار، يمر مباشرة فوق رؤوس فرقة المداهمة، تم تفجير صماماته عمداً!

​ملايين الغالونات من المياه الجوفية الآسنة، والمندفعة بضغط يكسر الفولاذ، هبطت كشلال كابوسي مباشرة على تشكيل العملاء!

قوة المياه كانت هائلة لدرجة أنها سحقت ثلاثة عملاء فوراً ضد الأرضية الخرسانية، محطمة دروعهم وعظامهم في صوت "كراااش" مريع ومقزز.

المياه المندفعة جرفت الباقين كدمى قماشية، محطمة تشكيلهم ومطفئة أجهزتهم الحرارية التي تعرضت لدائرة قصر كهربائية عنيفة.

​"الآن!" زأر داميان.

​من خلف الكتلة الخرسانية، انطلق سيل من الرصاص المتفجر.

داميان لم يكن يصوب بدقة، بل كان يغطي المساحة بنيران قمعية.

الرصاصات الإيترالية كانت تصطدم بالمياه المندفعة وتنفجر، محولة قطرات الماء إلى شظايا قاتلة.

صرخات ألم العملاء الذين تمزقت أطرافهم بدأت تملأ المكان.

​عميلان تمكنا من النجاة من الشلال والتسلق نحو منطقة جافة، رافعين بنادقهما نحو داميان.

​لكن من السقف المظلم... هبط الموت الصامت.

​سيا سقطت كخفاش مفترس مباشرة على كتف العميل الأول.

قبل أن يدرك ما حدث، غرزت خنجرها المطلي بحمض الكلاب الفولاذية مباشرة في الفجوة المرنة لرقبة درعه.

الحمض الكاوي أذاب اللحم والأوتار فوراً.

انطلق نافورة من الدم المغلي من رقبته، بينما التفتت سيا بحركة بهلوانية، واستخدمت فخذ العميل المحتضر كنقطة انطلاق لتقفز نحو العميل الثاني، وتمرر خنجرها الآخر عبر عينيات خوذته، لتخترق الجمجمة وصولاً إلى الدماغ.

​سقط العميلان في بركة المياه والدم، بينما وقفت سيا تلهث، وابتسامة سادية تلطخ وجهها الملائكي باللون الأحمر.

​"تراجعوا! تراجعوا! إنه فخ!" صرخ قائد فرقة المداهمة، الذي كان يحاول الزحف للخلف وإعادة تجميع من تبقى من رجاله. كانوا خمسة فقط الآن.

​"لن يتراجع أحد،" همست إيفا من أعلى الرافعة.

​بام!

رصاصة القناصة الخارقة للدروع شقت الهواء.

لم تضرب القائد، بل ضربت عميلاً آخر كان يحاول إلقاء قنبلة إضاءة.

الرصاصة دخلت من صدره وخرجت من ظهره لتخترق عميلاً آخر خلفه.

قوة الصدمة الهيدروستاتيكية للرصاصة حولت أحشاء العميل الأول إلى سائل أحمر اندفع من ظهره كطين لزج.

​الرعب استولى على ما تبقى من القتلة.

كانوا نخبة، نعم، لكنهم كانوا يقاتلون ذئاباً مجروحة في مسلخ أعدته بأنفسها.

​أحد العملاء، مدفوعاً باليأس المطلق، صوب سلاحه نحو الزاوية المظلمة حيث كان أيدن وزاك يختبئان.

​"سأموت، لكنني سآخذ حثالة معي!" زأر العميل وضغط على الزناد.

​في تلك اللحظة المجردة، تدخل كايل فالتير.

​من مكانه في الظلام، وبدون أن يراه أحد، ركز كايل نظره على "ظل" العميل الممتد على الجدار بفعل ومضات الرصاص.

​تمزيق الظلال...

​استدعى كايل طيف "النصل المنسي". ألم جليدي وحشي ضرب عروق يده اليمنى، كأن السيف يمتص قطرات من روحه مقابل هذه الخدمة.

صك كايل أسنانه، وبحركة خاطفة، غرس نصل الإيترا الأسود غير المرئي في ذراع ظل العميل الذي يمسك السلاح.

​سووووش!

​"آآآآآآآآآآع!"

صرخ العميل صرخة ممزقة. ذراعه المادية، الحقيقية والمدرعة بالتيتانيوم... انشطرت من المنتصف! ليس قطعاً خارجياً، بل تمزق اللحم والعظم من الداخل إلى الخارج كأن قنبلة صغيرة انفجرت في أوردته.

طار السلاح مع نصف ذراعه المقطوعة في الهواء، وتناثرت الدماء الحارة لتغسل وجهه المذعور.

سقط على الأرض يتلوى كدودة مقطوعة، ينزف حتى الموت.

​إيفا، التي كانت تنظر عبر منظارها، رمشت بصدمة.

لقد رأت العميل تُبتر ذراعه دون أن يقترب منه أحد!

​مستحيل... فكرت إيفا، ونبضات قلبها تتسارع. لقد حدث مجدداً!

نفس التمزيق الداخلي الذي أصابني! الذي أصاب فارغاس! والكلب الألفا! هناك كيان آخر يتدخل في المعركة... أو أن ذلك المجند...

​لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.

​قائد فرقة المداهمة، الذي كان يرتدي درعاً برتبة A، أدرك أن جنوده أُبيدوا.

لم يتبق سواه. نهض بصعوبة، ورمى بندقيته الفارغة، وسحب سيفاً إيترالياً عريضاً يشتعل بنور أبيض.

​كان يلهث، والدم يقطر من خوذته المحطمة جزئياً.

نظر نحو فاليسيرا التي كانت لا تزال تقف في مكانها، لم تتحرك إنشاً واحداً منذ بداية المذبحة.

​"أنتِ شيطانة... القيادة كانت محقة..." بصق القائد دماً على الأرض.

"لكنني سأعلق رأسكِ اليوم."

​اندفع القائد نحو فاليسيرا بسرعة هائلة، سيفه مرفوع لشقها إلى نصفين.

​داميان صرخ محاولاً إيقافه، لكن رشاشه كان فارغاً.

سيا كانت بعيدة جداً.

​الجميع حبس أنفاسه.

فاليسيرا كانت ضعيفة جداً!

​عندما أصبح القائد على بُعد مترين منها، وهوى بسيفه المشتعل...

​رفعت فاليسيرا إصبعها السبابة ببطء شديد، وعيناها القرمزيتان تشتعلان ببرود الموت.

​"اجثُ،" قالت بصوت خافت.

- منظور كايل فالتير -

​لم تفتح شقاً زمكانياً، ولم تستخدم النار.

ضخخت آخر ما تبقى من إرادتها في "الجاذبية المركزة".

​لكنها لم توجهها لجسده بالكامل.

وجهت الجاذبية فقط... إلى ركبتيه.

​كراااااااااااااااااك!

​صوت تحطم مفاصل الركبتين كان مدوياً ومقززاً لدرجة أثارت الغثيان.

قوة سحق تعادل عشرين طناً هبطت حصرياً على مفصلي ركبتي القائد!

​"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآغغغغغ!"

​عظام فخذيه وسيقانه اخترقت جلده ودروعه لتبرز كشظايا دموية بيضاء.

سقط القائد بقوة على ركبتيه المحطمتين أمام فاليسيرا مباشرة، سيفه الإيترالي طار من يده ليصطدم بالجدار.

​القصور الذاتي لسقوطه جعله ينحني للأمام، حتى أصبح وجهه المذعور والمشوه بالألم عند مستوى حذاء فاليسيرا.

​انتهت المعركة.

​صمت ثقيل، لزج، ومليء برائحة الموت والبراز والدم هبط على المحطة.

الدماء كانت تغطي المياه، وتحولها إلى مستنقع قرمزي.

جثث أحد عشر عميلاً من نخبة الـ FBI كانت متناثرة كقطع لحم في مسلخ.

​فرقة ألفا كانت تقف تلهث.

كانوا مغطين بالدماء والأحشاء.

لقد تحولوا رسمياً من حماة للقانون إلى قتلة محترفين، خارجين عن كل القوانين.

​مشت فاليسيرا خطوة واحدة، ووضعت كعب حذائها بقوة على كتف القائد الراكع أمامها، مثبتة إياه في الأرضية الإسمنتية المبللة.

​كان يئن بصوت متقطع، دموعه تختلط بالدماء التي تنزف من ركبتيه المسحوقتين.

​"أنت... القائد 'غراي'، أليس كذلك؟" قالت فاليسيرا ببرود قاتل، وهي تنظر إليه من الأعلى.

"كنت من أشد الموالين لألكسندر فانس."

​"اقـ... اقتليني أيتها العاهرة..." بصق غراي دماً على حذائها.

"القيادة... ستبيدكم... الفوليدرز ... سيشربون دماءكم..."

​تجاهلت فاليسيرا إهانته.

التفتت ببطء، ونظرت نحو الزاوية المظلمة التي كنت أختبئ فيها أنا وزاك وأيدن.

​"كايل،" نادت فاليسيرا بصوت حاد، يتردد صداه في المحطة. "تعال إلى هنا."

​تجمدت في مكاني.

إيفا وداميان نظرا إليّ باستغراب.

لماذا تنادي المجند الضعيف؟

​وقفت ببطء، متصنعاً الارتجاف، ومشيت بحذر متجنباً الدماء والجثث، حتى وقفت بجوار فاليسيرا وأمام القائد المحطم.

​"سـ... سيدتي؟" همست بصوت خائف.

​نظرت إليّ فاليسيرا نظرة طويلة، عميقة.

كانت تعرف من أنا. وكانت تعرف ما أريده.

​"لقد طلبت مني سابقاً أن أدعك تنهي حياة ثورن، لتحصد ذكرياته، وأنا أفسدت عقله،" قالت فاليسيرا ببرود أذهل الفرقة بأكملها.

​إيفا فتحت فمها بصدمة. يحصد ذكرياته؟! هذا المجند؟!.

​"أعوضك الآن، يا كايل،" تابعت فاليسيرا، وأشارت برأسها نحو القائد غراي الذي كان ينظر إليّ برعب وعدم فهم.

"دماغه سليم. لم أحرقه. اقتله. واسحب كل ما في رأسه عن خطة ألكسندر، وعن مستشفى القديس إيلاريوس."

​كانت هذه هي اللحظة.

لحظة سقوط القناع أمام فرقة ألفا بالكامل.

​لم أعد قادراً على لعب دور الفتى الضعيف، ولم أعد بحاجة لذلك.

فاليسيرا كانت تدفعني للمسرح لتريهم الوحش الذي كانت تخفيه.

​أخذت نفساً عميقاً.

​اعتدل ظهري. ارتخى كتفاي.

التوتر المصطنع في ملامحي تلاشى تماماً، ليحل محله برود ميت، وظلام لا ينتمي لبشر طبيعي.

​إيفا تراجعت خطوة لا إرادية للخلف وهي تنظر إلى التغير المرعب في لغة جسدي.

داميان شد قبضته.

​أخرجت السكين التكتيكي المكسور من تحت معطفي. خطوت نحو القائد غراي.

​"أنت... من أنت؟!" صرخ غراي برعب، وهو يرى عيني القرمزيتين تشتعلان بوهج مظلم وجائع.

​"أنا؟" انحنيت ببطء، ووضعت فمي بالقرب من أذنه، وهمست بصوت خشن ومريض:

"أنا الخطيئة التي صنعتموها في ميتم أمل الفجر. أنا الجوكر الأسود."

​لم أنتظر صدمته.

​رفعت السكين، وبحركة سريعة، دقيقة، ووحشية... غرزت النصل مباشرة من أسفل فكه، دافعاً إياه للأعلى ليخترق قاع جمجمته ويستقر في دماغه.

​انتفض جسد غراي بعنف لثانية واحدة، ثم مات.

​في اللحظة التي لامس فيها نصل السكين دماغه، أطلقت العنان لمهارة [حصاد بني الجلد].

​الإيترا السوداء اندفعت من يدي كتيار كهربائي مظلم، واخترقت جمجمة الرجل الميت.

​"آآآآغ!"

​أطلقت أنيناً مكتوماً. سحب الذكريات لم يكن كقراءة كتاب.

كان كابتلاع سيل من الزجاج المكسور المشتعل.

​ومضات عنيفة، سريعة، وكابوسية بدأت تضرب عقلي كالمطارق.

​رأيت بعينيه.

رأيت مكتب ألكسندر فانس. رأيت ألكسندر يصافح رجلاً يرتدي قناعاً أبيض خالياً من الملامح—أحد وسطاء الفوليدرز!

سمعت صوت ألكسندر يقول: "اقتلوا فرقة ألفا الليلة. الثلاثاء سيبدأ الحصاد. القديس إيلاريوس يجهز لنقل ثلاثين ألف مريض إلى الأقبية لدمجهم دفعة واحدة."

​الصورة تغيرت.

رأيت مستشفى القديس إيلاريوس. لكن ليس الواجهة البيضاء.

رأيت الأقبية السفلية.

رأيت... مسلخاً بحجم مدينة.

مئات الآلاف من الأنابيب الزجاجية.

أنهاراً من الدم والصديد تُضخ في عروق آلاف البشر المصلوبين.

ورأيت في وسط هذا الجحيم... رجلاً يرتدي رداءً كهنوتياً أبيض، يشع بنور سامي كاذب، يبتسم وهو يرى الأطفال يتم تمزيقهم.

​"الحصاد... يكتمل..." هكذا كان يقول القديس إيلاريوس في ذكريات غراي المذعورة.

​"لااااااا!"

صرخت بقوة، وسحبت السكين من جمجمة غراي بعنف، وتراجعت للخلف أسقط على ركبتي في المياه المدممة.

​كنت ألهث بجنون، الدموع الساخنة والدم الأسود يسيلان من أنفي وعيني.

الرعب الذي رأيته في ذكرياته كان ساحقاً، يمزق الروح.

​فرقة ألفا كانت متجمدة في أماكنها، تنظر إليّ، وإلى إعلاني الصريح بأنني الجوكر الأسود.

​إيفا كانت توجه قناصتها نحوي، يداها ترتجفان بشكل هستيري، وعيناها تفيضان بدموع الصدمة والغيظ المطلق.

"أنت... أنت... الجوكر؟! أنت من مزق أحشائي؟! أيها الوغد... سأقتلك!"

​كانت على وشك الضغط على الزناد.

​"أنزلي سلاحكِ يا إيفا!" هدرت فاليسيرا بصوت كسر إرادة إيفا فوراً.

​التفتت فاليسيرا نحوي.

عيناها القرمزيتان كانتا تتوقعان الأسوأ.

​"ماذا رأيت يا كايل؟" سألت فاليسيرا بجدية مطلقة.

​رفعت رأسي بصعوبة. وجهي كان ملطخاً بدم غراي ودموعي.

​"الوقت..." لهثت، وأنا أضغط على رأسي الذي يكاد ينفجر.

"ليس لدينا وقت... ألكسندر باعنا كلياً. الاغتيال لم يكن فقط لتصفية حسابات... كان لتأخيرنا!"

​نظرت إلى وجوههم المصدومة.

​"المستشفى لا يُجهز لتجربة عادية، خلال 48 ساعة فقط... سيبدأ 'الحصاد الجماعي'.

القديس إيلاريوس سيقوم بدمج ثلاثين ألف مريض ومدني في ليلة واحدة وتحويلهم إلى مسوخ أو بطاريات إيترالية للفوليدرز! سيتم إخلاء الأقبية بالكامل بعدها، وستختفي الأدلة للأبد، وسيُطمس آلاف البشر كأنهم لم يوجدوا."

​الصمت الذي هبط على المجاري كان أثقل من الموت نفسه.

​ثلاثون ألف إنسان.

ثلاثون ألف روح ستُسحق في ليلة واحدة.

​"إذا لم نقتحم المستشفى اليوم أو غداً..." همست، وعيناي القرمزيتان تشتعلان بيأس دموي مجنون.

"... فسنكون قد خسرنا كل شيء. وستغرق إيليزيوم في دماء الأبرياء."

​نظرنا إلى بعضنا البعض. فرقة منبوذة، قاتل متسلسل، ومهووس حواسيب.

ستة أشخاص فقط... يقفون أمام بوابة الجحيم الحقيقي، ولا يملكون سوى الموت كخيار وحيد.

2026/05/03 · 23 مشاهدة · 2750 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026