الفصل الخامس والثلاثون :الطفيلي

- ​منظور كايل فالتير -

​الموت ليس أسوأ ما يمكن أن يحدث لك في مدينة "إيليزيوم".

​الأسوأ... هو أن تبقى حياً، وتُجبر على دفع ضريبة هذا البقاء من لحمك، وروحك، وعقلك. أن تشعر بكيانك يُمضغ ببطء، وتدرك أن كل ثانية تتنفس فيها هي سلفة مؤقتة بفوائد ربوية من بنك الجحيم.

​كنا قد انسحبنا، أو بالأحرى هربنا كجرذان مصابة بالطاعون، إلى "ملاذ" جديد دبره صديقي المهووس بالمؤامرات، زاك.

لم يكن شقة هذه المرة، بل كان محطة ضخ مياه جوفية مهجورة تعود للقرن الماضي، تقع في أعمق وأقذر نقطة تحت القطاع F.

​المكان كان عبارة عن متاهة من الأنابيب الفولاذية الصدئة التي يبلغ قطرها حجم ناطحات سحاب صغيرة، والتروس العملاقة المتوقفة التي تغطيها طبقات لزجة من الطحالب السوداء والفطريات المضيئة بضوء فسفوري مريض.

رائحة الأكسدة، والماء الراكد، والعفن كانت ثقيلة لدرجة أنك تشعر بها كطعم معدني دافئ ومقزز في مؤخرة حلقك مع كل شهيق.

​في زاوية مظلمة من هذا القبو، حيث تتساقط قطرات الماء الرتيبة من السقف الإسمنتي المتشقق طِق... طِق...، كانت فرقة "ألفا" المحطمة تحاول التقاط أنفاسها بعد مجزرة كلاب الصيد الفولاذية.

​داميان كان مستلقياً على ظهره فوق كومة من الصناديق الخشبية المتعفنة، يحدق في السقف بعينين فارغتين، ورشاشه المحترق بجانبه كجثة رفيق عزيز.

سيا كانت تجلس في وضعية التأمل على ركبتيها، تتلو تعويذات شفاء همسية محاولةً طرد سموم الإيترا الفاسدة من جسدها المنهك، والدم الجاف يغطي نصف وجهها الملائكي.

أيدن كان متقوقعاً كجنين في الزاوية، يرتجف ويهذي بكلمات غير مفهومة عن راتبه التقاعدي المفقود.

وزاك كان يكتب بجنون على لوحة مفاتيح مضادة للماء متصلة بشاشة مهشمة، محاولاً تشتيت إشاراتنا عن أقمار الاستخبارات الصناعية وإعادة توجيه كاميرات المراقبة.

​أما أنا... فقد كنت أحتضر في صمت.

​كنت أجلس بعيداً عنهم بضعة أمتار، مختبئاً في ظل توربين ضخم، أضم ركبتي إلى صدري، وأدفن وجهي بين ذراعي.

​"آآآغ..." أنة خافتة، مكتومة، هربت من بين أسناني التي كنت أطبق عليها بقوة كادت تكسر طبقة المينا.

​نظرت إلى يدي اليمنى في الظلام.

لم تكن يداً بشرية في تلك اللحظة.

​كانت العروق النافرة تحت جلدي الشاحب قد تحولت إلى اللون الأسود الفاحم.

ليس لوناً داكناً للدم، بل كان سواداً كالفراغ المطلق، يتحرك وينبض كديدان حية تزحف تحت بشرتي.

هذا السواد كان يمتد من أطراف أصابعي، صعوداً عبر ساعدي، متجهاً نحو قلبي كجيش من الطفيليات.

​الضريبة.

ضريبة استخدام "النصل المنسي".

​عندما طعنتُ ظل ذلك الكلب الألفا الفولاذي، عندما استخدمت قوة النصل المنسي لأول مرة ظننت أنني خدعت النظام.

ظننت أنني، بفضل نواة الغول الأرجوانية في دمي، أستطيع التلاعب بقوة تتجاوز تصنيفي البائس دون عواقب.

​كم كنت مغفلاً. كم كنت مغروراً!

​السيف الأسطوري الذي ينام الآن في الفجوة الزمكانية المتصلة بروحي... لم يستهلك الإيترا الخاصة بي فقط.

لقد ابتلعها في جزء من الألف من الثانية كأنها قطرة ماء في صحراء قاحلة.

وعندما وجد خزاني الإيترالي فارغاً... بدأ يتغذى على "حياتي".

على قوة خلاياي الحيوية. على زمني المتبقي في هذا العالم.

​شعرت وكأن آلاف الإبر الجليدية الدقيقة تُغرس في نخاعي الشوكي، تمتص نقي العظم وتمزق الأعصاب.

برد قارس، لا علاقة له بدرجة حرارة المجاري، كان ينبعث من داخلي ليجمد أطرافي ويشل حركتي.

رئتاي كانتا تبدوان وكأنهما مليئتان بالزجاج المطحون، وكل شهيق كان يتطلب جهداً يوازي رفع صخرة.

​هذا السيف اللعين... إنه حي... فكرت، وعيناي القرمزيتان تدمعان من الألم الصافي، النقي، والوحشي الذي يعصرني. إنه جائع. لم يشبع من قتل الوحش الفولاذي. إنه يريد روحي. يريد أن يحولني إلى غمد ميت، مجرد قشرة فارغة ليحمل نصله الملعون.

​اضطررت لعض قطعة من الجلد المقطوع من معطفي لأمنع نفسي من الصراخ، ولطخت قناعي المحطم بالمزيد من اللعاب والدم. لو صرخت، لو انتبهوا لحالتي، لانكشف غطائي كمجند ضعيف فوراً.

​وبينما كنت أصارع هذا الجحيم الداخلي، محاولاً السيطرة على نبضات قلبي... شعرت بظل يسقط فوقي.

​ظل كثيف، بارد، يحمل نية قاتلة لا تخطئها الغريزة.

​رفعت رأسي بصعوبة بالغة.

​كانت "إيفا بلاكود".

​كانت تقف فوقي مباشرة. الفتاة ذات الشعر الأسود الفاحم، والتي كانت ترتدي ملابسها التكتيكية الممزقة.

وجهها كان شاحباً، لكن عينيها السوداوين كانتا تشتعلان بلهب من الشك المريض، والبارانويا، والذكاء التحليلي القاتل.

​كانت تمسك بخنجر أسود قصير في يدها اليمنى، النصل كان موجهاً نحو الأرض، لكن قبضتها عليه كانت بيضاء من شدة التوتر.

​"سيدة إيفا...؟" همست بصوت متقطع، متصنعاً الخوف والارتباك المعتاد للمجند كايل، ومخبئاً يدي اليمنى ذات العروق السوداء تحت معطفي.

"هل... هل تحتاجين إلى شيء؟ هل أنتِ بخير؟"

​لم تجب فوراً. انحنت ببطء، حتى أصبح وجهها على نفس مستوى وجهي. رائحة الدم الجاف، والبارود، وعطرها الباهت تسللت إلى أنفي.

​"لا تلعب هذه اللعبة معي، أيها الحثالة،" همست إيفا من بين أسنانها، وصوتها يقطر سماً وحقداً وريبة.

"لقد كنت أراقبك. منذ أن وضعوك في صالتنا اللعينة، وأنا أراقبك."

​ابتلعت ريقي بصعوبة. الألم في جسدي كان يمزقني، لكنني أجبرت عقلي على العمل.

هل كشفتني؟ هل رأتني أطعن ظل الكلب؟

​"أراقبك وأنت تتصنع الضعف،" تابعت إيفا، وعيناها تضيقان لتخترقا قناعي المكسور.

"في المستودع 42... فارغاس كان يوشك على دهس جمجمتك. كان فوقك تماماً. وفجأة، ودون أن يلمسه أحد، تمزق وتر العرقوب في ساقه! سقط كالأبله وتيحت لي فرصة قنصه. وفي الزقاق اليوم... الكلب الألفا الذي يتجاوز الرتبة S-، الوحش الذي كان يوشك على شق أصدقائك إلى نصفين... ينشطر فجأة من الداخل إلى الخارج دون أن تتحرك فاليسيرا من مكانها؟"

​قربت نصل الخنجر الأسود حتى لامس الجلد المكشوف في رقبتي، تحت ذقني مباشرة.

برودة المعدن جعلتني أنتفض.

​"الصدف لا تحدث مرتين في إيليزيوم، يا فتى،"

هدرت إيفا، والجنون يلمع في عينيها.

"خصوصاً عندما تكون أنت القاسم المشترك الوحيد. فاليسيرا ادعت أنها قتلته، وأنا أعرف أنها قادرة على ذلك. لكنني أعرف تكتيكات فاليسيرا. هي تسحق، هي تطوي، هي تحرق. هي لا تمزق من الداخل للأسفل بخط مستقيم كالسيف غير المرئي!"

​اللعنة! إنها ذكية. ذكية جداً! صرخت في داخلي. إيفا كانت قناصة، والقناص يعيش على ملاحظة التفاصيل التي يغفل عنها الآخرون.

لقد حللت مسرح الجريمة في ثوانٍ.

​"أنا... أنا لا أعرف عما تتحدثين!" تراجعت للخلف، مصطنعاً هلعاً كبيراً، وصوتي يرتجف بشكل مثير للشفقة.

"لقد كنت مختبئاً! أقسم لكِ! لقد كدت أموت! فارغاس سقط لأنه كان غبياً وتعثر، والوحش... القائدة فاليسيرا هي من قتلته! هي اعترفت بذلك! هل تكذبين القائدة؟!"

​ضغطت إيفا نصل الخنجر أكثر، فقطعت طبقة سطحية من جلدي.

قطرة دماء دافئة سالت على رقبتي.

​"لا تختبئ خلف فاليسيرا،" قالت إيفا بشراسة.

"أنت لست مجنداً من الرتبة G. هناك شيء ملعون فيك. وأنت... أنت تذكرني به."

​"بـ... بمن؟" سألت، وأنا أحاول عدم الابتسام بسادية في هذه اللحظة الخطرة.

​"بذلك الوغد،" همست إيفا، ويدها الحرة انتقلت تلقائياً لتلمس بطنها.

"الجوكر الأسود. أنت تملك نفس الرائحة المريضة. نفس الاختباء في الظلال. قل لي الحقيقة الآن، من تكون، وما هي علاقتك بالجوكر، وإلا سأقتلع إحدى عينيك القرمزيتين وأطعمها للجرذان هنا!"

​"إيفا! توقفي!"

​صوت داميان الجهوري كسر التوتر الخانق.

​تقدم داميان بخطوات ثقيلة، وأمسك بمعصم إيفا الذي يحمل الخنجر، مبعداً إياه عن رقبتي بالقوة.

​"ما الذي تفعلينه بحق الجحيم؟!" صرخ داميان وهو يدفعها للخلف قليلاً.

"هل فقدتِ عقلكِ؟! نحن طرائد مطلوبون للعدالة، نجلس في قاع المجاري، وأنتِ تريدين ذبح المجند الوحيد الذي جلب لنا هذا المخبأ؟!"

​"إنه ليس مجنداً!"

صرخت إيفا، مشيرة إليّ بيديها المرتجفتين.

"إنه يخفي شيئاً! هو السبب في سقوط الوحش! هو يمتلك مهارات خفية! يجب أن نستجوبه، داميان! قد يكون جاسوساً للفوليدرز، أو له علاقة بذلك الجوكر اللعين!"

​"لقد جننتِ تماماً، إيفا،" قال أيدن، الذي اقترب وهو يمسح نظارته بتوتر.

"الفوليدرز أرسلوا مسوخاً لقتلنا، وكايل كان معهم على قائمة الإعدام. إذا كان يمتلك مهارة خفية وأنقذ حياتنا، فيجب أن نشكره، لا أن نذبحه!

أنتِ تعانين من صدمة نفسية بسبب إصابتكِ الوهمية من الجوكر، وبدأتِ ترين الأشباح في كل مكان!"

​"أنا لست مجنونة!" زأرت إيفا، لكنها تراجعت خطوة، وعيناها السوداوان تنتقلان بين زملائها الذين بدؤوا ينظرون إليها بشفقة.

الشفقة كانت تقتلها.

​"إيفا، أرجوكِ،" قال داميان بصوت أهدأ، محاولاً احتواء الموقف.

"اجلسي. ارتاحي. عقولنا جميعاً منهكة. لا تدعي البارانويا تدمر ما تبقى من هذه الفرقة. نحن نحتاج لبعضنا البعض."

​نظرت إيفا إليّ نظرة أخيرة.

نظرة تحمل وعداً لا يُكسر بأنها ستستمر في مراقبتي، وأنها ستكشف سري ولو كلفها ذلك حياتها.

ثم استدارت بحدة، ومشت نحو الجانب الآخر من المحطة لتجلس وحيدة في الظلام.

​تنفست الصعداء، وأنا أرتجف، متصنعاً البكاء.

"شـ... شكراً لك يا داميان. كادت تقتلني."

​"لا بأس يا فتى،" تنهد داميان وهو يربت على كتفي السليم بلطف.

"إيفا تعيش كابوساً. لا تأخذ الأمر على محمل شخصي. حاول أن ترتاح."

​تركني داميان وعاد إلى مكانه.

​جلست هناك، وعقلي يعمل بسرعة جنونية رغم الألم الجسدي.

​إيفا ذكية، لكنها مندفعة. شكوكها خطيرة جداً. إذا استمرت في التركيز عليّ، ستكشف مهارتي قريباً. يجب أن أكون أكثر حذراً من الآن فصاعداً. يجب ألا أستخدم النصل المنسي أو تمزيق الظلال إلا إذا كان موتي محتماً... خصوصاً وأن السيف يحاول أكلي حياً.

​نظرت إلى ذراعي.

العروق السوداء كانت قد هدأت قليلاً، وتوقفت عن النبض العنيف، كأن السيف قد شبع مؤقتاً من طاقة حياتي، أو ربما دخل في حالة سبات لهضم ما ابتلعه. لكن الإرهاق كان يسحقني.

​وفجأة... لاحظت شيئاً.

​"فاليسيرا".

​لم تكن موجودة معهم.

لم تتدخل في شجاري مع إيفا. لم تصدر أمراً.

لم تسخر من ضعفنا.

​نظرت حولي في صالة محطة الضخ الواسعة.

لم أرَ معطفها الأبيض الملطخ بالدماء.

لم تكن بين الفرقة المنهكة.

​أين هي؟

​غريزة الحذر دفعتني للتحرك مجدداً. تجاهلت تحذيرات جسدي الصارخة، وسحبت نفسي ببطء شديد، أزحف في الظلام بعيداً عن الفرقة النائمة.

​تتبعت أثراً خفيفاً لقطرات من المياه والدماء القرمزية المشعة على الأرضية الفولاذية.

الأثر قادني نحو ممر فرعي، أعمق وأكثر ظلمة، يقع خلف توربين المياه الرئيسي.

​الرائحة هنا كانت مختلفة.

رائحة أوزون محترق، ودماء مغلية، وشعور بضغط جوي متذبذب يجعلك تشعر بالغثيان.

​تسللت كطيف، مستفيداً من كل ظلال الأنابيب الضخمة، حتى وصلت إلى نقطة يمكنني منها الرؤية دون أن أُكشف.

​وهناك... في بقعة لا يصلها سوى ضوء خافت من فطر مشع نبت على الجدار الرطب... رأيتها.

​"فاليسيرا".

​كانت تجلس على ركبتيها في بركة ضحلة من المياه الآسنة.

معطفها الأبيض كان قد رُمي جانباً بلامبالاة، وبقيت بقميصها الحريري الأسود الممزق الذي يكشف عن الندبة البشعة، الملتوية، والمشوهة في خصرها، حيث استخدمت سحرها لطوي الفضاء ولصق لحمها الممزق.

​لكنها لم تكن تعالج جروحها.

ولم تكن ترتاح.

كانت تشن حرباً.

​من الخارج، ومن منظور أي شخص طبيعي يراها الآن، كانت فاليسيرا تبدو كأنها فقدت عقلها تماماً.

كانت تبدو كمجنونة هربت من مصح عقلي مرعب في القطاعات السفلية، تجلس وحدها في الظلام، وتتحدث مع الهواء.

​لكن الكلمات التي كانت تخرج من شفتيها المرتجفتين، والتعابير التي تلتوي بها ملامحها الملائكية، كانت تكشف عن رعب يفوق الجنون العادي.

​"اخرج... من... رأسي..." هدرت فاليسيرا، وصوتها يخرج كحشرجة مكتومة، كأنها تختنق بحبال شوكية.

​كانت تضرب جانبي رأسها بكلتا يديها، أصابعها تنغرس في شعرها الفضي وتجذبه بقوة كادت تقتلعه من جذوره. جسدها كان يتقوس للأمام والخلف في تشنجات مريضة.

​"قلت لك اخرج! لا تتدخل في قيادتي!" صرخت، ثم صمتت لثانية، وعيناها القرمزيتان تتسعان برعب وغضب، كأنها تستمع لرد لا يسمعه سواها.

​انقضت ملامحها في شراسة سادية، وبصقت كتلة من اللعاب المدمم في المياه القذرة.

​"ضعيفة؟ أنا ضعيفة؟!" صرخت بهمس حاد، والجنون يطفر من عينيها.

"لولا جسدي، لولا احتمالي، لكنتَ مجرد غبار كوني يتلاشى في الفراغ! أنت من يحتاجني! أنت الطفيلي الذي يعيش على فتات إرادتي في هذا العالم القذر!"

​صمتٌ آخر.

ارتعش جسدها بعنف مضاعف، وانحنت للأمام بقوة كأن ضربة مادية غير مرئية وجهت لمعدتها، جاعلة إياها تسعل بشدة.

​"لا تنادني بهذا الاسم!" زأرت فاليسيرا، والدموع الساخنة، دموع الغيظ الخالص والعجز، تجمعت في عينيها. "

أنا لست وعاءً! أنا لست خادمة لك أو لأسيادك الموتى الذين تتحدث عنهم! أنا فاليسيرا! أنا من يمتلك الجاذبية! أنا من يمزق الزمكان بيديّ، وليس أنت!"

​كنت أراقبها من خلف شبكة الأنابيب، وأنفاسي محبوسة في صدري حتى كادت رئتاي تنفجران.

​الرعب... رعب خالص، كوني، وفلسفي، جمد الدم في عروقي.

​لقد كنت أشك دائماً. لطالما شعرت أن هناك شيئاً غير طبيعي في قوتها وفي هالتها المريضة.

فتاة مراهقة تخترق الرتبة S-؟ تتلاعب بقوانين الفيزياء الأساسية وكأنها تشكل الصلصال؟

تثير رعب حكام العالم وتتحدث مع الساميين بندية؟

​الآن، تأكدت ظنوني بأبشع طريقة ممكنة.

​فاليسيرا لم توقظ هذه القوة الخرافية بالتدريب أو الوراثة.

فاليسيرا كانت "مضيفة".

​هناك كيان... شيء قديم، مظلم، وربما قادم من نفس الهاوية التي صُنع منها النصل المنسي، يسكن داخل جمجمتها.

شيء يتغذى عليها، يمنحها هذه القوة المرعبة كـ "إيجار" لاستخدام جسدها.

وهو الآن يتمرد عليها، يستغل ضعفها الجسدي بعد المعركة القاسية ضد كلاب الصيد ونزيفها الحاد، لفرض سيطرته ومحاولة الاستحواذ عليها.

​رأيت ما كان يفعله بها في تلك اللحظة.

​الكيان لم يكن يكتفي بالكلام والتهديد داخل عقلها.

كان يعاقبها فيزيائياً من الداخل!

​فجأة، ومن دون أن تحرك فاليسيرا إصبعاً أو تقرأ تعويذة، انفتح "شق زمكاني" صغير، أسود كالفراغ، في لحم كتفها الأيسر السليم!

​"آآآآآآغ!"

أطلقت فاليسيرا صرخة عذاب مكتومة، وعضت على معصمها بقوة حتى سال الدم لتمنع صوتها من الوصول إلى باقي الفرقة في الصالة المجاورة.

الشق كان يمزق عضلاتها من الداخل للخارج، كأن يداً غير مرئية، قذرة ومظلمة، تحاول شق طريقها للخروج من جسدها المادي!

​أنتِ مجرد تابع أيها اللعين! هكذا تخيلتُ، أو ربما شعرت بصدى صوت الكيان يصدح في عقلها، بناءً على كلماتها التالية التي خرجت متقطعة، محطمة، تقطر كبرياءً جريحاً ورفضاً مطلقاً للخضوع.

​"أنا... لن أكون... تابعاً..." لهثت فاليسيرا، وعيناها تدوران في محجريهما.

"أنت تتهمني بالضعف؟ تتفلت لأنني نزفت؟ لأنني سقطت في الشارع كالبشر وتلقيت رصاصة من حشرات الفوليدرز؟"

​بدأت تضحك.

ضحكة هيستيرية، مكسورة، ومخيفة لدرجة أنها جعلتني أرغب في التراجع والهرب من هذا القبو اللعين وعدم النظر إليها مجدداً.

كانت ضحكة يأس يندمج مع السادية.

​رفعت فاليسيرا يدها اليمنى، المرتجفة والمغطاة بدمائها.

​"تظن أنك تستطيع السيطرة عليّ بالألم الجسدي؟ تظن أنك تستطيع تهديدي بتمزيق جسدي من الداخل؟"

​عيناها القرمزيتان اشتعلتا بوهج شيطاني مرعب. لم تعد تبدو كإنسانة.

كانت تبدو كتجسيد للعدم النقي.

​"إذاً... لنتألم معاً، أيها الكيان الحثالة."

​طقطق... فوووووش!

​اشتعلت النار في كفها.

النار الزرقاء الداكنة.

​النار الكاوية التي تذيب التيتانيوم وتلتهم الإيترا كأنها ورق جاف.

​في اللحظة... في ذلك الجزء من الثانية الذي انعكس فيه ذلك الوهج الأزرق الشيطاني على جدران المجاري المبللة، ولامس شبكية عيني... انهار كل شيء مجددا.

​اللون الأزرق الداكن... لون النار التي التهمت قصر فالتير.

لون الجحيم الذي شوى لحم والدي مورفيند وهو يحمي فيكتور بجسده المصلوب.

اللون الذي حول أخي فيكتور إلى كومة من الرماد الهش تحت عيني.

​"لا..."

​انقبضت معدتي بعنف وحشي، ساحق، لا يمكن مقاومته.

​غثيان كوني، مادي ونفسي في آن واحد، ضرب أحشائي.

اندفع سيل من القيء اللاذع—عصارة معدية حمضية ودم قرمزي—صعوداً في مريئي كبركان ينفجر.

​لكنني... كنت أعلم أن إصدار أي صوت يعني أن تكشفني فاليسيرا.

​في لحظة من اليأس الغريزي المطلق، رفعت كلتا يدي وضربتهما بقوة على فمي من خلف قناعي المكسور! كتمت فمي بشراسة كادت تكسر فكي!

​اندفع القيء الساخن ليملأ تجويف فمي.

ضغطت شفاهي على بعضها البعض.

طعم العصارة المعدنية، والدم الفاسد، واليأس، كان يحرق حلقي ولساني، ينفخ وجنتي وأنا أكافح لعدم بصقه.

​كان سائلاً حارقاً، خانقاً، يسد مجرى تنفسي.

أردت أن أسعل، أردت أن أفرغ أحشائي على الأرض، لكنني أجبرت نفسي على ابتلاع جزء منه مجدداً، واحتجاز الباقي في فمي الممتلئ، وجسدي ينتفض في تشنجات اختناق صامتة ومريعة.

​أشحت بوجهي بقوة وعنف نحو الجدار المعدني البارد للتوربين.

أدرت ظهري بالكامل لذلك الوهج الأزرق الملعون.

​أغمضت عيني القرمزيتين بقوة كادت تفجر أوعيتي الدموية.

ضغطت وجهي على المعدن البارد، والدموع... الدموع الساخنة، الغزيرة، والجبانة انهمرت على خدي، تختلط بالوحل والدم، وتتبلل بها يداي المرتجفتان اللتان تسدان فمي.

​مورفيند... فيكتور... لا... أبعدوا النار... أرجوكم...

​كان عقلي يصرخ ويبكي وينتحب في زاوية مظلمة، بينما جسدي يتلوى من ألم النصل المنسي وغصة القيء المحتبس.

​وخلفي، بينما كنت أواجه جحيمي الداخلي، استمر جحيم فاليسيرا.

​وبحركة انتحارية، مجنونة، وخالية من أي ذرة من غريزة البقاء البشرية... غرزت فاليسيرا يدها المشتعلة بالنار الزرقاء مباشرة في كتفها!

في نفس المكان الذي فتحه الشق الزمكاني للكيان!

​"احـــتــــرق!"

صرخت فاليسيرا، والجنون يتطاير من عينيها كشرر جحيمي.

​"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!"

​لم تكن صرختها وحدها.

​أقسم بكل ما هو شرير، ومظلم، وفاسد في هذا العالم... رغم أنني كنت أغطي فمي وأعطيها ظهري، إلا أنني سمعت صوتاً آخر!

صوتاً ثانياً، عميقاً، خشناً، وغير بشري على الإطلاق، يشبه هدير نجم يحتضر، ينطلق من داخل حنجرة فاليسيرا نفسها! صرخة ألم مزدوجة!

​الكيان كان يصرخ من النار الزرقاء التي كانت تحرقه وتحرق مضيفته في نفس الوقت!

​رائحة شواء اللحم البشري انبعثت بقوة في الممر، مصحوبة برائحة أوزون عفنة وكأن سحراً قديماً جداً يُحرق ويُشوى.

الرائحة زادت من تقلصات معدتي، ودفعت المزيد من القيء إلى حلقي، لكنني تمسكت بصمتي كمن يتمسك بحافة هاوية، والدموع تعمي عيني المغمضتين.

​فاليسيرا كانت تحرق لحمها، وتدمر أعصابها، وتغلي دمها، فقط لتعذب الكيان الذي يسكنها! كانت تطبق سياسة "الأرض المحروقة" على جسدها الخاص لتثبت له من هو السيد، ومن هو العبد!

​"أنا... من... يتحكم!" زأرت فاليسيرا، بينما كانت النار الزرقاء تضيء الممر المظلم بوهج جحيمي وكابوسي.

"إذا حاولت التمرد مجدداً... إذا ظننت أنك تستطيع استغلال جروحي... سأحرقنا معاً حتى نتحول إلى عدم! هل تفهم؟! هل تفهــــم؟!"

​تدريجياً... وببطء ملحوظ... تلاشى الشق الزمكاني الأسود من كتفها.

انغلق اللحم الممزق على نفسه.

تراجعت قوة الكيان.

لقد استسلم أمام وحشيتها الانتحارية وعنادها الذي يفوق الألم.

​أطفأت فاليسيرا النار الزرقاء بفرقعة أصابع مرتجفة وضعيفة جداً.

​سمعت صوت سقوط جسدها الثقيل في المياه القذرة.

كانت تلهث بعنف، وجسدها ينتفض في صدمة عصبية قاتلة.

كتفها كان عبارة عن حفرة متفحمة تنبعث منها أدخنة بيضاء مقززة.

​لقد انتصرت.

نعم، انتصرت في معركتها الداخلية وأسكتت الكيان مؤقتاً، لكن الثمن كان تحطيم ما تبقى من جسدها المادي.

​أما أنا... فقد بقيت ملتصقاً بالجدار المعدني، وجهي مدفون في يدي، أرتجف كطفل مرعوب.

​عندما تأكدت من أن الوهج الأزرق قد اختفى تماماً، وأن النفق قد عاد إلى ظلمته المريحة، فتحت فمي ببطء، وبصقت القيء اللاذع بصمت تام على الأرضية الصدئة بجانبي.

سعلت بخفوت شديد، ألهث وأمسح فمي بكم معطفي الممزق، والدموع لا تزال تحرق عيني.

​إنها مجنونة... فكرت، وابتلعت ما تبقى من ريقي المسموم بصعوبة بالغة.

سجن لكيان كوني، وهي تعذبه بالنار في سجنها! أي نوع من الجحيم تعيشه هذه الفتاة كل يوم لتصل إلى هذه القسوة على نفسها؟

​في تلك اللحظة، وسط القذارة والظلام والخوف، شعرت بصلة غريبة، مظلمة ومقززة، تربطني بها.

​أنا أيضاً سجن. أنا سجن لنواة غول ظلال تفرض عليّ الجوع الحيواني، وسجن لسيف منسي يتغذى على حياتي ويأكل عروقي ببطء.

نحن الاثنان، أنا وفاليسيرا، وحوش نختبئ في هيئة بشر، نصارع شياطيننا الداخلية والطفيليات التي تسكننا في الظلام الموحش، بينما ندعي السيطرة والبرود في النور أمام الآخرين.

​كلاانا نرتدي أقنعة. قناعي مصنوع من البلاستيك والخوف المصطنع كـ "مجند ضعيف"، وقناعها مصنوع من الكبرياء السادي واللامبالاة كـ "قائدة لا تُقهر".

​لم أجرؤ على النظر خلفي.

لم أجرؤ على التأكد مما إذا كانت قد فقدت الوعي أم لا.

لم أرد أن ترى وجهي المبلل بالدموع والقيء، ولم أرد أن أرى وجهها المحطم.

​تراجعت بهدوء تام، كدودة تزحف في الطين، وتسللت عائداً إلى صالة محطة الضخ حيث كانت الفرقة تستريح في جهلها العميق.

​جلست في زاويتي مجدداً، أرتجف.

ليس من برد المجاري، ولا من جوع النصل المنسي الذي كان لا يزال ينبض في عروقي السوداء.

​كنت أرتجف من إدراك حقيقة واحدة:

مستشفى القديس إيلاريوس مليء بالمسوخ والفوليدرز، وهناك مذبحة تنتظرنا خلال أيام قليلة.

​لكن الوحش الحقيقي... الكارثة التي يجب أن أخشاها وأحترمها أكثر من نهاية العالم نفسها... تنزف الآن في الممر المجاور، تقاتل سامي الظلام داخل عقلها، وتقود فريقنا المنبوذ نحو الجحيم.

2026/05/02 · 23 مشاهدة · 3004 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026