الفصل الرابع والثلاثون : كلاب الصيد

- ​منظور كايل فالتير -

​إذا أخبرك أحدهم يوماً أن قاع الجحيم يتميز بحرارة اللافح والنيران المشتعلة، فاعلم أنه لم يزر قط "القطاع G" في مدينة إيليزيوم في ليلة شتوية.

​قاع الجحيم الحقيقي ليس حاراً؛ بل هو بارد، لزج، وتفوح منه رائحة الصدأ، والبول البشري، واليأس المطلق.

الهواء هنا لا يُتنفس، بل يُبتلع ككتلة من الوحل الأسود التي تستقر في رئتيك وتأبى المغادرة.

​بعد أن قمنا بترقيع جراحنا في شقة "زاك" التي تشبه مكب نفايات إلكتروني، وبعد أن قامت فاليسيرا بتلك العملية الجراحية الزمكانية الكابوسية على نفسها—والتي لا أزال أرتجف كلما تذكرت صوت طحن لحمها—قررت الشيطانة الفضية أن البقاء في الشقة يعني انتظار الموت كفئران تجارب في قفص.

كان علينا التحرك.

كان علينا أن نكون نحن الصيادين، أو على الأقل، أن نختار الساحة التي سنسلخ فيها من يطاردنا.

​غادرنا الشقة في جنح الظلام.

​كنت أمشي في مؤخرة الركب، معطفي الأسود الممزق يلتصق بجسدي بفعل الرطوبة الخانقة.

أمامي كان يمشي "زاك"، صديقي الغبي الذي أقحمته في هذه المحرقة الكونية.

كان يرتدي سترة واقية للرصاص واسعة جداً عليه — سرقها داميان من مستودع الـ FBI ، ويحمل حقيبة ظهر ضخمة مليئة بأجهزة التشويش، حواسيب محمولة، وأسلاك كهربائية، وبيده كان يمسك جهاز صعق إيترالي يرتجف بشدة لدرجة أنه كاد أن يصعق مؤخرته مرتين.

​يا إلهي، ماذا فعلت بهذا المسكين؟ فكرت في نفسي، وأنا أراقب عينه اليسرى التي كانت ترمش بسرعة تعادل أجنحة ذبابة مصروعة.

لقد كان يعيش حياة هادئة، يأكل البيتزا الباردة ويشتم الحكومة على الإنترنت، والآن هو يمشي مع أكثر فرقة إرهابية مطلوبة في العالم. أنا أسوأ صديق في تاريخ البشرية.

​أمام زاك، كان يمشي أيدن، الذي كان لا يزال يبكي بصمت على راتبه التقاعدي وتغريدات التنمر على صورته.

ثم سيا، التي كانت تمشي بخفة قطة برية، خناجرها تلمع تحت الأضواء الباهتة للمصابيح المكسورة في الزقاق. وداميان، الذي كان يغطي الطليعة، رشاشه الثقيل موجه للأمام، وذراعه التي شُفيت بالجرع لا تزال متصلبة قليلاً.

​وفي المقدمة المطلقة، كانت تمشي "فاليسيرا".

​رغم أن جسدها كان ممزقاً من الداخل، ورغم أنها حرفياً "طوت" لحمها ليلتحم، إلا أنها كانت تمشي بظهر مستقيم تماماً، وخطوات واثقة، قاسية، لا تحمل ذرة من التردد.

كل خطوة كانت تضرب الإسفلت المبلل بكعب حذائها لتصدر صوتاً يشبه دقات ساعة الإعدام.

كانت ترفض إظهار أي ضعف، لأنها تعلم أن القيادة لا تُمنح للضعفاء في قطيع من الذئاب.

​"القطاع G هادئ جداً الليلة..." همس داميان، وعيناه تمسحان الشرفات المظلمة للمباني السكنية المتداعية التي تحيط بنا كجدران سجن خرساني.

"لا يوجد متسردون، لا توجد عصابات. حتى العاهرات وتجار الإيترا الفاسدة اختفوا. هذا الهدوء لا يعجبني."

​"إنهم يشمون رائحة الموت يا داميان،" قالت سيا بصوتها الجليدي.

"جرذان الشوارع تعرف متى تختبئ. لقد تم إخلاء المنطقة. شخص ما، أو شيء ما، قادم إلينا."

​فجأة، توقف زاك في مكانه.

جهاز صغير في يده بدأ يصدر طنيناً خافتاً، ومؤشر أحمر بدأ يومض بسرعة جنونية على الشاشة.

​"يـ... يا جماعة..." تلعثم زاك، ووجهه يزداد شحوباً حتى أصبح بلون اللبن الفاسد.

"مستشعر الإيترا البيولوجي الخاص بي يقرأ إشارات... إشارات كثيرة جداً."

​"كم العدد؟" سألت إيفا، ورفعت قناصتها الثقيلة لتستند على كتفها، وعيناها السوداوان تضيقان بتركيز مميت.

​"لا... لا أعرف! الإشارات متداخلة! إنها تتحرك بسرعة هائلة! إنها ليست بشرية... الإيترا المنبعثة منها مشوهة... حمراء... معدنية!"

زاك كان يتراجع للخلف حتى اصطدم بصدري، وكاد يسقط لولا أنني أسندته.

​"استعدوا للاشتباك،" قالت فاليسيرا ببرود يكسر العظام.

لم تستدر حتى. أدخلت يديها في جيبي معطفها الممزق. "لقد أرسل ألكسندر كلابه."

​شّشّشّ... تِك... تِك... كرااااش!

​الصوت لم يأتِ من أمامنا، بل جاء من كل مكان.

من فوق أسطح المباني المتهالكة، من خلف حاويات القمامة الصدئة، ومن داخل فوهات المجاري المفتوحة على جانبي الزقاق الضيق.

​لم تكن كلاباً رمادية عادية.

ولم تكن غيلاناً صخرية.

​ما ظهر من بين ستائر الظلام والمطر المتساقط كان كوابيس صُممت خصيصاً لإبادة المستيقظين.

كائنات تجعل المعدة تنقلب بمجرد النظر إليها.

​"كلاب الصيد الفولاذية". هكذا تسميها الاستخبارات في ملفاتها السرية جداً.

​كانت تقف على أربع قوائم، حجم الواحد منها يعادل حجم أسد بالغ.

لكنها لم تكن حيوانات.

كانت هجيناً مقززاً، مريضاً، وسادياً بين اللحم البشري والمعدن الإيترالي.

​أجسادها كانت تتكون من جذوع بشرية مفتولة العضلات، تم سلخ جلدها بالكامل لتظهر العضلات الحمراء النابضة.

لكنها كانت مقوسة بشكل غير طبيعي لتمشي على أربع.

أطرافها—التي كانت أذرعاً وسيقاناً بشرية—تم بترها من المفاصل، واستُبدلت بشفرات فولاذية ومكابس هيدروليكية تتدفق فيها سوائل لزجة خضراء وسوداء.

​على ظهورها، تم زرع أنابيب زجاجية غليظة تنغرس مباشرة في عمودها الفقري المكشوف، تضخ إيترا حمراء خام وفاسدة مباشرة إلى نخاعها الشوكي، مما يجعل العضلات تنتفض وتتضخم بجنون.

​أما رؤوسها... يا إلهي، رؤوسها كانت الأبشع.

لم تكن هناك وجوه.

النصف العلوي من الجمجمة مقطوع ومستبدل بقبة معدنية تحتوي على مستشعرات حرارية وإيترالية تومض بضوء أحمر متقطع.

والفك السفلي... كان عبارة عن فك معدني ميكانيكي هائل، مليء بأسنان فولاذية منشارية تدور بسرعة، وتقطر لعاباً حمضياً أصفر يذيب الإسفلت بمجرد ملامسته!

​"ما... ما هذا القرف؟!" صرخ أيدن، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما.

"هل هذه... هل كانت بشراً؟!"

​"تجارب مستشفى القديس إيلاريوس..." همست إيفا، والاشمئزاز والرعب يغلفان نبرتها.

"لقد أرسلوهم لاصطيادنا."

​كان هناك عشرة منها على الأقل.

تحيط بنا من كل الجهات، تقف على الجدران العمودية بفضل شفراتها المغروزة في الخرسانة، ومستشعراتها الحمراء تركز علينا كأهداف بيولوجية.

​"غغغررررر... هسسسس..."

​صوتها لم يكن زئيراً، بل كان مزيجاً من أنين بشري مكتوم وصوت طحن تروس معدنية تحتاج للتشحيم.

رائحتها كانت مزيجاً من اللحم المحترق، الزيت الفاسد، والصديد.

​حسناً، فكرت في نفسي وأنا أبتلع ريقي، وأتراجع خطوة لأختبئ نصف اختباء خلف حاوية قمامة كبيرة.

القاعدة الذهبية للجوكر الأسود: في معركة تحتوي على وحوش سايبورغ تذيب الإسفلت بلعابها... دع النخبة تقوم بالعمل القذر، وتظاهر بالتبول في سروالك من الرعب.

​"اقتلوا هذه النفايات المعيبة!" صرخت فاليسيرا، وعيناها تشتعلان بلهب قرمزي.

​انفجر الزقاق بالموت.

​انقضت ثلاثة كلاب فولاذية دفعة واحدة من سقف المبنى الأيمن، شفراتها ممتدة لتقطيع داميان.

​"درع الصدمة!" زأر داميان، ولم يتراجع إنشاً واحداً. ضخ إيترا البرق في رشاشه الثقيل، ورفع سبطانته للأعلى.

لم يكتفِ بإطلاق النار؛ بل أطلق موجة كهرومغناطيسية مركزة شكلت قبة زرقاء حوله.

​بام! كرااااش! ززززت!

​الكلاب الثلاثة اصطدمت بالدرع.

المكابس الهيدروليكية في أطرافها تحطمت من قوة الارتداد، وإيترا البرق الخاصة بداميان اخترقت هياكلها المعدنية لتصعق الأنسجة العضلية الحية فيها.

اهتزت أجسادها بعنف، وتصاعد الدخان الأسود من أنابيب الإيترا على ظهورها، قبل أن تسقط على الأرض مشلولة.

​لكنها لم تمت! الفكوك المنشارية استمرت في الدوران، وبدأت تزحف نحوه باستخدام فكوكها لجر أجسادها المشلولة!

​"يا لها من إرادة مثيرة للشفقة!" صرخت إيفا من الخلف.

كانت قد قفزت بمرونة خارقة لتستند على سلم طوارئ حديدي، وبندقيتها القناصة تطلق سيمفونية من الرصاص الخارق للدروع.

​بام! بام! بام!

​رصاصات إيفا كانت دقيقة كشفرة جراح.

لم تستهدف الأجساد العضلية، بل استهدفت الأنابيب الزجاجية المغروزة في ظهور الكلاب.

​سبلورت! بوووم!

​تحطمت الأنابيب، وانفجرت الإيترا الحمراء الفاسدة لتذيب العمود الفقري للكلاب الزاحفة، محولة إياها إلى برك من اللحم المذاب والمعدن المنصهر.

​"عمل جيد يا إيفا!" صرخ داميان وهو يوجه رشاشه نحو كلبين آخرين يندفعان من الممر الأيسر.

​لكن المشهد الأروع والأكثر دموية... كان يخص "سيا".

​هذه الفتاة الشقراء ذات الوجه الملائكي، والتي كانت دائماً هادئة كطبيبة في غرفة الانتظار، تحولت إلى مجزرة متحركة.

​كلب فولاذي هائل الحجم، فكه يقطر حمضاً، انقض عليها محاولاً قضم نصفها العلوي.

​سيا لم تتفادى الهجوم. بل انزلقت تحته في اللحظة الأخيرة، والمياه القذرة تتناثر حولها.

رفعت خنجريها اللذين يتوهجان بضوء ذهبي كاوٍ، وغرستهما مباشرة في بطن الكلب العاري أثناء مرورها تحته.

​سلااااااااش!

​بصوت تمزق الأقمشة الثقيلة، شقت سيا بطن الكلب من النحر حتى الذيل.

​سقط الكلب فوقها، لكنه لم يسقط كاملاً. أمعاؤه البشرية المشوهة، المحتقنة بالدم الأسود، اندلقت من بطنه المفتوح كشلال من الثعابين اللزجة، لتغطي وجه سيا وملابسها البيضاء بالكامل!

​أي شخص طبيعي كان ليتقيأ، أو يُصاب بصدمة.

لكن سيا؟

سيا وقفت من بين الأمعاء، والدم يقطر من شعرها الأشقر، و... ضحكت!

​ضحكة سادية، صافية، ومريضة جداً! لعقت قطرة دم من على شفتيها، وعيناها تلمعان بنشوة القتل.

​"من التالي؟!" صرخت سيا، وانقضت على كلب آخر، لتغرس خنجرها في مستشعره الأحمر وتدور حول رقبته لتقطعها بخفة راقصة باليه دموية.

​ملاحظة ذهنية جديدة، فكرت وأنا أرتجف خلف الحاوية.

سيا أكثر رعباً من إيفا. إياك، إياك، إياك أن تستفز المعالجة التي تستمتع بالاستحمام بأمعاء خصومها.

​المعركة كانت طاحنة. أيدن كان يطلق النار بعشوائية، لكن أوهامه كانت مفيدة.

خلق عشرات النسخ الوهمية منا، مما جعل الكلاب الفولاذية تقفز لافتراس الهواء، فتصطدم بالجدران أو تهاجم بعضها البعض بغباء، ليقوم داميان بحصدها.

​أما فاليسيرا... فكانت تقف في المنتصف.

يداها في جيوبها. لم تتحرك.

كانت تنظر إليهم يقاتلون كأنها تقييم أداء طلاب في امتحان نهائي.

كانت شاحبة، نعم، لكن الهالة التي تحيط بها كانت تكفي لجعل الكلاب الفولاذية تتجنبها غريزياً، مفضلة مهاجمة الفرقة الأضعف.

​بدا الأمر وكأننا ننتصر.

فرقة ألفا كانت تثبت لماذا هي النخبة.

​لكن... إيليزيوم لا تقدم انتصارات مجانية.

​فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامنا.

اهتزازاً عنيفاً جعل زاك يسقط على مؤخرته في الوحل وهو يصرخ.

​من نهاية الزقاق، من بين الظلال الكثيفة والمطر، ظهر شيء جعل أنفاس الفرقة بأكملها تتوقف.

​لم يكن كلباً. كان "ألفا".

​نسخة مكبرة، مضخمة، ومرعبة بشكل لا يمكن وصفه من كلاب الصيد الفولاذية.

كان بحجم شاحنة نفايات.

جسده كان مغطى بصفائح من التيتانيوم الأسود، وليس عضلات عارية.

أطرافه كانت تحمل مناشير آلية عملاقة بدلاً من الشفرات.

والأسوأ... كانت تنبعث منه هالة إيترا حمراء تتجاوز الرتبة A+ بسهولة!

​"يا إلهي..." همست إيفا من أعلى السلم، وبندقيتها ترتجف لأول مرة.

"هذا... هذا وحش من الرتبة S-! لقد أرسلوا مسخاً برتبة قائد إبادة!"

​زأر الكلب الألفا زئيراً ميكانيكياً أحدث موجة صدمية حطمت زجاج النوافذ في المباني المحيطة بنا.

​ثم... لم يهاجم داميان. لم يهاجم سيا.

لم يهاجم إيفا.

​تجاهلهم تماماً، واندفع بسرعة تتناقض مع حجمه الهائل، محطماً حاويات القمامة والجدران في طريقه... مباشرة نحو مؤخرة الزقاق.

​مباشرة نحو... زاك، وأيدن، وأنا!

​"أععععععع!" صرخ زاك صرخة نسائية هستيرية، وهو يزحف للخلف في الوحل كسرطان بحر مذعور، ويرمي جهاز الصعق الإيترالي الصغير نحو الوحش الذي ارتطم بدرع التيتانيوم كذبابة وسقط بلا تأثير.

​أيدن تجمد في مكانه، مسدسه الرشاش سقط من يده، والبول بدأ يتسرب من بنطاله.

لقد أدرك أن أوهامه لن تنفع مع مستشعرات وحش من الرتبة S-.

​الكلب الألفا رفع مخلبه الذي يحتوي على منشار دوار هائل، يستعد لشق أيدن وزاك إلى نصفين بضربة واحدة.

​داميان كان بعيداً جداً.

إيفا كانت تعيد تلقيم قناصتها ولن تلحق.

سيا كانت مشتبكة مع كلبين صغيرين.

فاليسيرا كانت تقف تراقب، وكأنها تنتظر لترى إن كنا سننجو أم نُسحق.

​إذا مات زاك، سنفقد المأوى، الدعم اللوجستي، والوحيد الذي يمتلك خريطة المستشفى.

إذا مات أيدن، سنفقد التمويه.

​لم يكن لدي خيار.

لم أستطع الاستمرار في لعب دور المجند الجبان.

​كنت أختبئ خلف الحاوية المحطمة بجوارهم. المطر يجلد قناعي الأسود المكسور.

​ركزت كل نقطة تركيز في عقلي.

فتحت عيني القرمزيتين على اتساعهما، وبؤبؤاي انكمشا للتركيز على نقطة واحدة فقط.

​ظل الكلب الألفا العملاق.

​الوحش كان يقف تحت ضوء وميض البرق وأضواء الشارع الخافتة، ملقياً ظلاً هائلاً، أسود، وممتداً على الإسفلت المبلل وصولاً إلى قدمي تقريباً.

​تمزيق الظلال... الرتبة S-...

​همست في عقلي، واستدعيت "النصل المنسي".

​لم أخرجه من الفجوة الزمكانية بالكامل لكي لا يروا السيف الأسطوري بأعينهم، فهذا سيفضح كل شيء.

​بدلاً من ذلك، قمت بإخراج "طيف" السيف فقط.

نصل من الإيترا السوداء الصافية، امتد من يدي اليمنى تحت المعطف، خفياً في الظلام.

​بينما كان الكلب الألفا يهوي بمنشاره لتمزيق زاك وأيدن...

​دفعت يدي اليمنى للأمام، وغرست نصل الإيترا الأسود مباشرة، وبكل ما أوتيت من يأس وقوة وحقد... في منتصف ظل الوحش الممتد على الأرض!

​سووووووش!

​صوت غريب، غير طبيعي، يشبه تمزق نسيج الفراغ نفسه، صدر من الأرض.

​في اللحظة التي طعنت فيها الظل، استجابت مهارة الرتبة S- بقسوة ساحقة.

​"غرررر... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآعععغغغ!"

​الكلب الألفا، الذي لم يلمسه أي سلاح مادي، والذي كان مدرعاً بالتيتانيوم المضاد للسحر... توقف منشاره في الهواء، على بعد سنتيمترات من وجه زاك الباكي.

​اتسعت مستشعراته الحمراء لتومض بهستيريا. جسده الهائل تشنج بعنف.

​ثم...

من منتصف صدره المدرع، ومن داخله إلى الخارج... انشق خط أسود عميق ومظلم!

​سبلورت! كراااااااااش!

​الأعضاء البشرية الضخمة والمعدلة داخل الكلب، المحمية بطبقات الفولاذ، تمزقت حرفياً إلى نصفين! الدماء السوداء، الحمض الأخضر، والزيت المحترق انفجرت من الشق الداخلي لجسده كينبوع جحيمي، لتغطي زاك وأيدن بالكامل بحمأة مقززة ولزجة!

​الوحش الضخم من الرتبة S- انهار على ركبتيه المعدنيتين، صدره مفتوح نصفين دون أن يُخدش درعه الخارجي، وأحشاؤه الداخلية المفرومة تسيل على الإسفلت.

​مات في ثانية واحدة. بضربة واحدة. في صمت تام لم يقطعه سوى صوت ارتطام جثته الهائلة بالوحل.

​تنفست بصعوبة. أرجعت طيف النصل المنسي إلى الفجوة الزمكانية بسرعة، وسحبت يدي تحت معطفي، متظاهراً بالارتجاف والزحف للخلف كأنني مصدوم.

​"ما... ماذا حدث؟" همس أيدن، وعيناه مغلقتان بقوة، متوقعاً أن يكون قد قُطع نصفين.

فتح عينيه ببطء، لينظر إلى الجثة الهائلة التي سقطت أمامه، وأحشاؤها تغطيه.

​زاك كان يصرخ بهستيريا، يمسح الدم الأسود عن وجهه وعينه اليسرى ترمش بسرعة الضوء.

"لقد مات! أقسم بالسامين أنه مات! كيف؟! هل... هل فعلتِ هذا يا فاليسيرا؟!"

​نظر زاك وأيدن وداميان نحو فاليسيرا.

​فاليسيرا كانت لا تزال تقف في المنتصف.

يداها في جيوبها.

​لكن عينيها القرمزيتين... لم تكونا تنظران إلى الجثة الهائلة.

​كانت تنظر... إليّ.

​نظرة ثاقبة، مرعبة، باردة، ومليئة بإدراك مخيف.

هي الوحيدة التي تمتلك حواساً ترقى لمستوى S-. هي الوحيدة التي ربما شعرت بالتموج الزمكاني الخفيف، وبتدفق الإيترا السوداء في تلك اللحظة المجردة.

​ابتلعت ريقي الجاف.

اللعنة... هل كشفتني؟ هل أدركت أن المجند الضعيف يمتلك مهارة اغتيال من الرتبة S-؟

​حافظت على دوري. تظاهرت بالبكاء، وضممت ركبتي إلى صدري، وأنا أنظر إلى الجثة برعب مصطنع.

"يا إلهي... كدت أموت... شكراً لكِ سيدتي القائدة! شكراً لأنكِ سحقتيه لنا!" صرخت بصوت متهدج ومثير للشفقة.

​رمشت فاليسيرا ببطء.

​نظرت إلى زاك وأيدن اللذين كانا يعتقدان أنها هي من قتلت الوحش لإنقاذهم.

​ثم أعادت نظرها إليّ. ابتسامة خفية، شريرة، لا تكاد تُرى، ارتسمت على زاوية فمها الملطخ بدمائها.

​"لا شكر على واجب يا... مجند،" قالت فاليسيرا بصوت هادئ، يقطر تلميحاً لا يفهمه سواي.

"من واجبي حماية... الحيوانات الأليفة المفيدة."

​لم تفضحني.

لسبب مريض، أو لسبب استراتيجي في عقلها الملتوي، قررت أن تتماشى مع مسرحيتي، وتنسب الفضل لنفسها، محتفظة بسري كأداة لها.

​باقي الكلاب الفولاذية الصغيرة، عندما رأت الألفا يسقط ميتاً بضربة غير مرئية وفي ثانية واحدة، أدركت غريزتها المصطنعة أن المعركة خاسرة.

​"انسحاب... الهدف يتجاوز القدرات..." انطلق الصوت الآلي، والتفتت الكلاب المتبقية (حوالي أربعة منها)، لتتسلق الجدران وتهرب في الظلام والمطر.

​المعركة انتهت.

​الزقاق كان أشبه بمسلخ ميكانيكي وبشري.

الجثث المحطمة، الدماء التي تلون المياه السوداء، ورائحة الشواء والأوزون تملأ المكان.

​سيا كانت تقف تلهث، تغطيها أمعاء الكلاب، وتبتسم بدموية.

إيفا نزلت من السلم الحديدي، بندقيتها تدخن. داميان استند على الجدار، ورشاشه محترق من فرط الاستخدام.

​"نجونا..." همس داميان بذهول.

"لقد هزمنا فرقة تتبع كاملة من الاستخبارات."

​"هذا لم يكن فريق تعقب يا داميان،" قالت فاليسيرا، وهي تخطو فوق بركة دم، وتنظر إلى جثة الكلب الألفا الذي قتلتُه. انحنت ببطء، ومدت يدها لتمسح بعض الدماء السوداء عن لوحة معدنية صغيرة مثبتة في عنق الوحش تحت درعه.

​"هؤلاء ليسوا من الـ FBI."

​قالت كلماتها، ورفعت اللوحة المعدنية الصغيرة التي انتزعتها بقوة.

​اللوحة لم تكن تحمل شعار الاستخبارات — النسر والسيف —

​كانت تحمل شعاراً آخر. شعاراً يجعل الدماء تتجمد في العروق.

​"صليب أبيض... يلتف حوله ثعبان أسود،" قرأت إيفا الشعار بصوت يرتجف، ويداها ترتخيان عن بندقيتها.

​"هذا... هذا شعار مستشفى القديس إيلاريوس!" صرخ أيدن، والدموع تختلط بدم الوحش على وجهه.

"المستشفى يرسل مسوخاً لاغتيالنا في الشوارع؟! المستشفى يمتلك جيشاً خاصاً من الرتب العليا؟! كيف يمكن أن يكون هذا المستشفى مجرد مرفق طبي؟!"

​نهضت فاليسيرا، وألقت اللوحة المعدنية في المياه القذرة.

​"لأنه ليس مستشفى،" قالت فاليسيرا، ورفعت رأسها لتنظر نحو سماء إيليزيوم الرمادية، وعيناها القرمزيتان تشتعلان بوعد بالدمار المطلق.

"إنه قلعة الفوليدرز. وهم يعلمون أننا قادمون. لقد أرسلوا كلابهم لجس نبضنا، ولاستنزاف إيترا أجسادنا قبل المذبحة الكبرى."

​التفتت إلينا. نحن، الفرقة الممزقة، الملطخة بالوحل والدم والأمعاء.

الإرهابيون المطلوبون رقم واحد، والمنبوذون من العالم.

​"لا مجال للعودة الآن،" قالت فاليسيرا، ونبرتها تحمل إيقاع حرب كونية.

"إما أن نقتحم ذلك المسلخ الرخامي ونجر أمعاء القديس إيلاريوس إلى النور... أو نموت في هذه المجاري ككلاب ضالة. جهزوا أنفسكم، يا فرقة ألفا... فنحن ذاهبون لنذبح الملائكة."

2026/05/02 · 26 مشاهدة · 2517 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026