الفصل الثالث والثلاثون: الملاذ
- منظور كايل فالتير -
كانت المجاري السفلية لمدينة إيليزيوم تبدو كأمعاء وحش كوني يحتضر.
الظلام هنا لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كياناً لزجاً يلتصق بالجلد، يغلفنا برائحة الميثان، والفضلات المتعفنة، والمياه الآسنة التي تجري ببطء كدماء سوداء مريضة.
كنا نسير في صمت يقطعه فقط صوت خوضنا في المياه التي تصل إلى منتصف سيقاننا، وصوت لهاثنا المتقطع.
فرقة "ألفا"... النخبة التي كانت قبل ساعات تتربع على قمة الهرم الاستخباراتي، تحولت الآن إلى مجموعة من الفئران المذعورة، تجر أذيال خيبتها وجراحها في قاع المدينة.
إيفا بلاكود كانت تسير أمامي، تعرج بشدة،
وتستند بكتفها على الجدار الإسمنتي اللزج.
كانت تعض على شفتيها حتى نزفت لتمنع نفسها من الأنين.
داميان كان يتبعها، يمسك ذراعه المكسورة التي تدلت كفرع شجرة ميت، ووجهه الوسيم مغطى بطبقة من الوحل واليأس.
أيدن كان يمشي في المؤخرة، يرتجف من البرد والخوف، يلتفت خلفه كل ثانيتين وكأنه يتوقع أن يرى قناصي الـ FBI يخرجون من بين الظلال.
وسيا... سيا كانت تمشي بصمت، وجهها الملائكي ملطخ بالدماء، وعيناها فارغتان من أي تعبير.
لكن المشهد الأكثر رعباً، والأكثر إثارة للرهبة في هذا النفق المظلم... لم يكن نحن.
كانت "فاليسيرا".
لقد كانت تحتضر.
لا يوجد وصف آخر منطقي لحالتها.
رصاصة الإيترا الحمراء التي اخترقت كتفها الأيمن تركت فجوة متفحمة بحجم قبضة اليد، ينبعث منها دخان أسود رائحته كالكبريت المحترق.
والأسوأ من ذلك، كان الجرح الذي شق خصرها الأيسر.
لم يكن جرحاً ناتجاً عن نصل عادي، بل كان تمزقاً ناتجاً عن طاقة مضادة للزمكان.
الجرح كان "ينزف" الفراغ! حوافه لم تكن تلتئم، بل كانت تتذبذب كشاشة تلفاز معطلة، وتقطر دماءً قرمزية مشعة تختلط بظلال سوداء تسقط في مياه المجاري لتصدر أزيزاً كاوياً.
عندما سقطنا في بئر المصعد، كانت فاليسيرا شبه فاقدة للوعي، محمولة بين يدي سيا.
لكن... بمجرد أن استقرت أقدامنا في المجاري، وبمجرد أن أدركت أننا أصبحنا طرائد، حدث شيء مرعب.
استيقظ كبرياؤها الشيطاني.
"سيدتي القائدة، أرجوكِ، دعيني أحملكِ! إنكِ تنزفين كميات مميتة من الإيترا!" صرخت سيا بدموع حقيقية، وهي تحاول وضع ذراع فاليسيرا السليمة حول عنقها لتعكيزها.
كرااااش!
بحركة وحشية، ومفاجئة، وبقوة لا يُفترض أن يمتلكها جسد ممزق كهذا، دفعت فاليسيرا سيا بعيداً عنها.
قوة الدفعة جعلت سيا تطير لمسافة مترين لتصطدم بقسوة بالجدار الإسمنتي للمجاري وتنزلق في المياه القذرة.
"لا. تلمسيني."
هدرت فاليسيرا بصوت منخفض، متقطع، لكنه يحمل تهديداً حقيقياً بالموت.
عيناها القرمزيتان كانتا تشتعلان بلهب من الغضب المحموم، ليس علينا، بل على ضعفها الخاص.
"أنا... لستُ... عاجزة." بصقت الكلمات مع كتلة من الدم الأسود.
وقفت مستقيمة. نعم، مستقيمة تماماً.
جسدها كان يرتجف بعنف كأنه يخضع لصعقات كهربائية مستمرة، وجهها كان أبيض كالثلج الميت، وعروق رقبتها برزت بلون أسود مخيف من شدة الضغط الذي تمارسه على نفسها لمنع جسدها من الانهيار.
رفضت كل محاولات المساعدة.
رفضت أن تستند على الجدار.
كانت تمشي بكل قوتها، ترفع رأسها بكبرياء أعمى، وتدفع قدميها في المياه الآسنة بخطوات عسكرية صارمة، كأنها لا تزال تسير على السجاد الأحمر لقصر كايزر درافيون.
كل خطوة تخطوها كانت تترك مساراً من الدماء القرمزية المشعة في المياه السوداء.
كنت أسمع صوت احتكاك عظامها، وأشعر بالهالة المريضة التي تنبعث منها.
كان الكيان داخلها يمزقها، يضحك عليها، يستهزئ بضعفها، وهي ترد عليه بمعاقبة جسدها، مجبرة إياه على السير رغم أنه من الناحية الطبية البحتة... كان يجب أن تكون جثة هامدة منذ نصف ساعة.
يا لها من مجنونة...فكرت في نفسي، وأنا أمشي خلفها بمسافة آمنة.
كبرياؤها أضخم من غريزة بقائها.
إنها تفضل الموت ممزقة وهي تمشي بكرامتها، على أن تعيش محمولة كحمل ضعيف.
سرنا لمدة ساعتين.
ساعتان من العذاب الصامت في متاهة إيليزيوم السفلية.
أخيراً، وصلنا إلى شبكة تصريف جافة نسبياً، تنتهي بسلم حديدي صدئ يؤدي إلى الأعلى.
"نحن هنا،" قلت بصوت خافت، كاسراً الصمت الجنائزي.
"هذا المخرج يؤدي إلى الأزقة الخلفية للقطاع F، بالقرب من الحدود مع القطاع G. من هنا، سنمشي على السطح لثلاث مبانٍ فقط."
"القطاع F؟" تذمر أيدن بصوت باكي.
"هذا مكان موبوء بالعصابات والمسوخ الرخيصة! هل سنختبئ في مكب نفايات؟"
"هل تفضل العودة إلى القطاع الذهبي ليقوم أصدقاؤك في فرق المداهمة بثقب رأسك؟"
التفتت إيفا نحوه، ورمقته بنظرة أخرسته تماماً.
صعدت السلم الحديدي أولاً، ودفعت الغطاء المعدني الثقيل.
هواء بارد، محمل برائحة المطر والقمامة المبللة وزيوت المحركات الرخيصة، ضرب وجهي.
خرجت، وساعدت البقية على الخروج.
الزقاق كان ضيقاً، مظلماً، وتضيئه فقط شاشات إعلانية هولوغرامية محطمة ومعلقة على الجدران الخرسانية للمباني السكنية المتهالكة.
المطر كان لا يزال يهطل برذاذ خفيف.
فاليسيرا صعدت بنفسها.
بمجرد أن استقرت قدماها على الإسفلت، ترنحت بشدة وكادت تسقط على وجهها، لكنها غرست كعب حذائها في الأرض، وتصلبت كتمثال، رافضة السقوط.
أنفاسها كانت تخرج كأبخرة بيضاء متقطعة.
"إلى أين الآن، أيها... الدليل؟" سألت فاليسيرا،
وعيناها تحدقان فيّ بقوة مرعبة رغم الإرهاق.
"المبنى الثالث من هنا. الطابق الرابع،" أشرت بيدي نحو مبنى سكني كئيب، تتساقط قشور الطلاء عن جدرانه، وتتدلى من شرفاته أسلاك كهربائية عارية.
مشينا في الظلام، نتجنب أي مصدر للضوء.
وصلنا إلى المبنى المتهالك، وصعدنا السلالم الخرسانية التي تفوح منها رائحة البول والبيرة الرخيصة.
كل درجة كانت بمثابة جبل نصعده.
أخيراً، وقفنا أمام باب خشبي مقشر، يحمل الرقم 404.
أخذت نفساً عميقاً، ونظرت إلى فرقة ألفا التي تقف خلفي في الممر الضيق والمظلم.
كانوا يبدون ككوابيس هاربة من مشرحة.
الدماء تغطيهم، الأسلحة بأيديهم، واليأس في عيونهم.
مددت يدي، وطرقت الباب بطريقة معينة.
ثلاث طرقات سريعة... توقف... طرقتين بطيئتين... ثم طرقة قوية.
أرجوك يا زاك، كن في المنزل، ولا تفجر رأسنا بفخاخك الغبية دعوت في سري.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم سمعنا صوت أقفال ميكانيكية وسحرية تُفتح من الداخل.
خمسة أقفال على الأقل.
كليييك... كراك... زززت...
انفتح الباب ببطء شديد، وظهر من الشق وجه "زاك".
كان يبدو كما تركته آخر مرة؛ هالات سوداء عميقة تحت عينيه، شعره البني مجعد وفوضوي كعش طائر، عينه اليسرى ترمش بعصبية، وكان يرتدي قميصاً واسعاً يحمل طبعة ساخرة لشعار النقابات.
بيده اليمنى كان يحمل كوباً خزفياً كبيراً يتصاعد منه بخار الإسبريسو المركز، وبيده اليسرى كان يمسك بجهاز صعق إيترالي مصغر.
"كايل؟!" اتسعت عينا زاك ببهجة مفاجئة، وفتح الباب على مصراعيه.
"يا رجل! أين اختفيت طوال هذه الأيـ..."
توقف زاك عن الحديث.
توقفت عينه عن الرمش.
توقف قلبه تقريباً.
نظره انتقل من وجهي، إلى الخلف. إلى الأشخاص الذين يقفون ورائي.
إيفا بلاكود، ببندقيتها القناصة المرعبة ونظرتها القاتلة.
داميان، بدرعه المحطم ورشاشه الثقيل الملطخ بالدماء.
سيا وأيدن، بأسلحتهما المشرعة.
وفي المنتصف، تقف فاليسيرا، الشيطانة الفضية، تنزف دماً يذيب السجاد الرخيص أمام باب شقته، وتنظر إليه كأنه حشرة تافهة.
سقط كوب الإسبريسو من يد زاك.
تحطم الكوب الخزفي على الأرضية الخشبية وتناثرت القهوة الساخنة على حذائه المنزلي، لكنه لم يرمش.
جهاز الصعق سقط من يده الأخرى ليرتطم بالأرض.
فتح فمه. أغلقه. ثم فتحه مجدداً.
"كـ... كـ... كـ..." تلعثم زاك، ووجهه يتحول تدريجياً من اللون الشاحب إلى اللون الأزرق من فرط الرعب وانقطاع الأكسجين.
"مرحباً زاك،" قلت بابتسامة متوترة، وحاولت تلطيف الجو.
"أحضرت بعض الأصدقاء لقضاء الليلة. أتمنى أنك تمتلك مساحة كافية."
"أصـ... أصدقاء؟!" صرخ زاك بهستيريا مفاجئة، وصوته يرتفع لطبقات نسائية حادة.
تراجع للخلف وهو يمسك بشعره بكلتا يديه.
"أصدقاء؟! كايل، هؤلاء ليسوا أصدقاء! هؤلاء هم فرقة ألفا! إنهم... إنهم الإرهابيون المطلوبون رقم واحد في العالم الآن! الأخبار تعلن عنهم في كل مكان! لقد فجروا مقراً وقتلوا زملاءهم! لماذا... لماذا هم على ممسحة بابي ينزفون؟!"
"إرهابيون؟" رفعت إيفا قناصتها ببطء نحو وجه زاك، وعيناها السوداوان تضيقان بغضب.
"اخرس أيها الجرذ وافتح الطريق قبل أن أفجر رأسك وأجعلك خبراً عاجلاً."
"أعععع!" صرخ زاك، وقفز خلف أريكة قذرة في منتصف صالته الفوضوية.
"ادخلوا،" قلت بسرعة، ودفعت الجميع للداخل، ثم أغلقت الباب خلفنا وأحكمت إغلاق جميع الأقفال الخمسة.
شقة زاك كانت... لوحة سريالية للبارانويا.
الجدران كانت مغطاة بالكامل بشاشات حواسيب تومض بأكواد خضراء، وقصاصات صحف قديمة متصلة ببعضها البعض بخيوط صوف حمراء كشبكة عنكبوت مجنون.
على الطاولة في المنتصف، كانت هناك علب بيتزا فارغة، أكواب قهوة متعفنة، ومعدات إلكترونية وسحرية مفككة.
الأسلاك كانت تملأ الأرضية كأفاعٍ متشابكة.
تقدمت فاليسيرا إلى منتصف الشقة المزدحمة. نظرت حولها باشمئزاز مطلق.
"هل هذا هو الملاذ الآمن الذي وعدتنا به يا كايل؟" سألت ببرود، وصوتها يرتجف قليلاً من الألم.
"مكب نفايات لمعتوه يرتدي بيجاما؟"
"سيدتي، هذا المكب غير مسجل في أي خريطة حكومية. وهو معزول إيترالياً بفضل معدات زاك،" دافعت بسرعة، ثم التفتت نحو زاك الذي كان لا يزال يختبئ خلف الأريكة ويرتجف.
"زاك! اخرج من هناك. نحن لسنا إرهابيين. لقد تم الإيقاع بنا من قبل مدير الـ FBI نفسه. نحن مطاردون، ونحتاج إلى مساعدتك."
أطل زاك برأسه من خلف الأريكة، عينه ترمش بجنون.
"أُوقع بكم؟ الحكومة الفاسدة لفقت لكم تهمة؟"
فجأة، تغيرت ملامح زاك من الرعب... إلى انبهار وإثارة غير طبيعية!
قفز من خلف الأريكة، ونسي تماماً أن هناك أسلحة موجهة نحوه.
"كنت أعرف! أقسم بالسامين أنني كنت أعرف!" صرخ زاك بحماس، وركض نحو لوحة المفاتيح الخاصة بحاسوبه الرئيسي.
"الاستخبارات فاسدة! لقد نشرت نظرية على الويب المظلم قبل شهر تقول إن ألكسندر فانس يعمل مع منظمات بيولوجية سرية، وها هو الدليل الحي أمامي! لقد جعلكم كباش فداء!"
تبادلنا أنا وفرقة ألفا نظرات مصدومة.
هذا المعتوه نسي أنه قد يُقتل، وبدأ يحتفل بأن نظريات المؤامرة خاصته كانت صحيحة!
"أيها الغبي المزعج،" هدر داميان، وتقدم خطوة نحو زاك.
"إذا كنت تعرف كل هذا، فاستخدم أجهزتك اللعينة لتعرف ماذا يقولون عنا الآن. أين وصلت الأخبار؟"
"الأخبار؟ أوه، يا صاح، أنتم لا تتصدرون الأخبار... أنتم أنشأتم كوكباً جديداً من الأخبار!"
ضرب زاك على لوحة المفاتيح، وفي ثوانٍ، تحولت جميع الشاشات في الغرفة لتعرض منصة "إكس" وشبكات الأخبار الحية.
[خبر عاجل: مدير الاستخبارات يعلن فرقة ألفا تنظيماً إرهابياً من الدرجة S بقيادة الجوكر الأسود!]
[مكافأة 50 مليون رصيد إيترالي لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى تصفية العميلة المارقة فاليسيرا!]
نظرتُ إلى التعليقات والتغريدات التي كانت تتدفق كشلال على الشاشات.
كانت مزيجاً من الكوميديا السوداء، الرعب، والسخرية المجتمعية.
[@ElysiumPatriot]: "فرقة ألفا خونة؟! كنت أعرف! دائماً ما كانوا يمشون في الشوارع بوجوه مغرورة وكأنهم يملكون المدينة! أرجو أن يقبض عليهم حرس كايزر ويعدموهم في الساحة العامة!"
[@CoffeeAddict_99]: "فاليسيرا إرهابية؟ بصراحة... لست متفاجئاً. لقد رأيتها الأسبوع الماضي في ستاربكس، رمقت صانع القهوة بنظرة جعلت الحليب يفسد فوراً. لم تترك بقشيشاً حتى! إنها وحش!"
[@ConspiracyKing]: "الجوكر الأسود هو العقل المدبر؟ هراء! الجوكر الأسود بطل! الحكومة تحاول تشويه سمعته لأنه يسرقهم! فرقة ألفا انضمت إليه لتحرير إيليزيوم! عاش الجوكر!"
[@Hunter_Sigma]:
"هل رأيتم صورة ذلك المدعو أيدن في نشرة المطلوبين؟ نظارات دائرية؟ يبدو كطالب مدرسة تعرض للتنمر، وليس إرهابياً من الدرجة S! أنا أستطيع هزيمته بيد واحدة!"
قرأ أيدن التغريدة الأخيرة، واتسعت عيناه، وارتعش فكه.
"يبدو كطالب مدرسة؟! أنا محترف! لقد قتلت غيلاناً بحجم الشاحنات! كيف يجرؤ هذا المجهول على تقييم شكلي في صورة المطلوبين؟!"
صرخ أيدن، وبدأ يبكي حرفياً، محتضناً ركبتيه.
"لقد دُمرت مسيرتي، والآن يتم التنمر عليّ إلكترونياً من قبل مدنيين لا يملكون إيترا!"
"اصمت يا أيدن!" زأرت إيفا، رغم أن عينيها كانتا تدمعان أيضاً من الإهانة واليأس.
"نحن في موقف حياة أو موت وأنت تبكي على تغريدة؟!"
"زاك،" تدخلت بسرعة لأوقف هذا الانهيار العصبي الجماعي.
"نحن محاصرون. كاميرات القطاع الأوسط والذهبي بالتأكيد سجلت هروبنا نحو هذه الحدود. نحتاجك أن تمسح أثرنا الرقمي."
زاك التفت إليّ، وابتسامة فخر عريضة تشق وجهه.
"تمسح أثركم؟ يا صديقي، أنتم تتحدثون مع 'زاك'. أنا لست مجرد مشاهد نظريات."
جلس زاك على كرسيه الجلدي الممزق، وبدأ يعزف على لوحة المفاتيح بسرعة جنونية.
هالة إيترالية زرقاء خافتة—إيترا الرتبة B التي يمتلكها في تخصص الشبكات والتحكم التكنولوجي—بدأت تتوهج حول أصابعه وعينيه.
"كاميرات الشوارع من القطاع E حتى القطاع G... جاري اختراقها." تمتم زاك، والرموز الخضراء تنعكس على وجهه.
"لا أقوم بمسح الأشرطة، فهذا سيثير الشبهات. أنا أقوم بـ 'تكرار الحلقات'. الكاميرات الآن تعرض نفس الخمس دقائق من الهدوء مراراً وتكراراً لغرفة التحكم المركزية. بالنسبة للـ FBI، أنتم لم تعبروا هذا الشارع أبداً. أنتم أشباح رقمية."
نظرت إيفا وداميان إلى زاك بذهول حقيقي.
"أنت... رتبة B؟ وتمتلك هذه القدرة على اختراق نظام حماية الـ FBI في دقيقتين؟" سأل داميان بعدم تصديق.
"لماذا تعيش في هذا المكب إذاً؟ يمكنك العمل كمدير أمن سيبراني في أي نقابة كبرى!"
"النقابات هي من تصنع القطيع يا صديقي الوسيم المدرع،" قال زاك وهو يلف كرسيه نحونا بابتسامة جنونية.
"أنا ذئب حر. أنا أراقبهم، ولا أعمل لديهم. والآن... أرى أنكم تحتاجون إلى بعض الإسعافات الأولية. لدي حقيبة مسعف متطورة، وأنا أعرف كيف أخيط الجروح."
نهض زاك ومشى نحو خزانة طبية معلقة على الجدار، وأخرج حقيبة مليئة بالضمادات، المضادات الحيوية، وأدوات الجراحة الإيترالية.
"أنتِ أولاً يا سيا، جرح كتفك يبدو مسموماً،" قال زاك وهو يقترب منها بلطف.
سيا أومأت برأسها بصمت وجلست على الكرسي.
"وبعدها..." نظر زاك نحو فاليسيرا التي كانت تقف بصعوبة في منتصف الغرفة.
"سيدتي القائدة. جروحك... كارثية. أرى دخاناً أسود يخرج من خصرك. أحتاج لتنظيفه وحقنك بـ..."
"لا تلمسني."
الكلمات خرجت من فاليسيرا باردة، قاطعة، ومرعبة لدرجة أن زاك تجمد في مكانه، وأسقط لفة ضمادات من يده.
كانت فاليسيرا تقف هناك، الدم ينزف منها بغزارة ليلطخ الأرضية الخشبية لشقة زاك.
وجهها كان شاحباً كالموت، أنفاسها متقطعة، لكن النظرة في عينيها القرمزيتين كانت ترفض أي مساعدة، ترفض أي شفقة، وترفض حتى المنطق الطبي.
"سيدتي،" تقدم داميان بتوسل.
"أرجوكِ. جرحك الزمكاني لم يلتئم. الإيترا الكاوية تأكل لحمكِ الداخلي. إذا لم نسمح له بتنظيفه وإيقاف النزيف، ستموتين خلال ساعات."
"أنا. قلت. لا تلمسني."
أدارت فاليسيرا ظهرها لنا.
مشت بخطوات ثقيلة، بطيئة، نحو زاوية معتمة في شقة زاك، بعيداً عن الشاشات والأضواء.
استندت بظهرها على الجدار البارد.
ببطء، وبيد ترتجف، خلعت معطفها الأبيض الممزق والملطخ بالدماء، لتسقطه على الأرض بلامبالاة.
بقيت بقميصها الحريري الأسود الممزق عند الخصر والكتف.
كان المشهد كابوسياً.
الجرح في خصرها لم يكن ينزف دماً فقط، بل كان ينزف فراغاً.
تموجات سوداء كانت تخرج من اللحم المفتوح، تأكل أطراف الجلد، وتمنع تجدد الخلايا.
نحن جميعاً—أنا، داميان، إيفا، سيا، أيدن، وزاك—وقفنا في صمت تام، نراقب ما ستفعله هذه الشيطانة المجنونة.
أغمضت فاليسيرا عينيها.
رفعت يدها السليمة، ووضعتها مباشرة... فوق الجرح المفتوح في خصرها.
لم تستخدم تعويذة شفاء.
هي لا تملك سحر الشفاء.
كانت تملك الجاذبية والزمكان.
"ماذا... ماذا تفعل؟" همست إيفا برعب.
شززززز!
انبعث ضوء أرجواني داكن، عنيف، من تحت كف فاليسيرا.
"آآآآآآآآغ!"
أطلقت فاليسيرا أنيناً مكتوماً، وحشياً، وهي تعض على شفتيها حتى سال الدم منهما.
عروق وجهها ورقبتها برزت وتضخمت.
لقد فعلت شيئاً لا يمكن لعقل بشري أن يستوعبه أو يتحمله.
لم تكن تخيط الجرح... كانت "تطوي الفضاء" داخل جسدها!
استخدمت قوة الجاذبية الساحقة لتجبر طرفي اللحم الممزق والمحترق بالإيترا الكاوية على الاندماج والاصطدام ببعضهما البعض بالقوة الغاشمة!
كانت تسحق الخلايا الميتة والكاوية، وتجبر الخلايا الحية على الالتحام تحت ضغط يعادل ضغط قاع المحيط!
صوت طحن اللحم، واحتكاك الأنسجة بالقوة السحرية، كان مقززاً لدرجة أن أيدن أدار وجهه وتقيأ في سلة المهملات القريبة.
زاك سقط على ركبتيه وهو يمسك برأسه من بشاعة المشهد.
كانت فاليسيرا تعالج نفسها عن طريق "إعادة تشكيل واقع" جسدها.
عملية مصحوبة بألم يوازي ألف عملية جراحية بدون تخدير.
دموع حقيقية، ناتجة عن الألم البيولوجي الخالص، سالت من عينيها المغمضتين، لكنها لم تتوقف.
تؤلم، أليس كذلك؟ صوت الكيان تردد في أقل فاليسيرا .
أنتِ تدمرين أعصابكِ لتبدي قوية أمام هذه الحشرات. أنتِ مثيرة للشفقة. استسلمي، ودعيني أتولى القيادة... سأشفيكِ في ثانية، وسنأكلهم جميعاً.
"اصمت... أيها... الطفيلي..." همست فاليسيرا من بين أسنانها المحطمة، وشدت قبضتها أكثر على جرحها.
"أنا... أنا الملكة هنا. جسدي... قراري."
بوم!
انفجار صغير من الإيترا الأرجوانية اندفع من جرحها، ليتلاشى الدخان الأسود الكاوي تماماً.
فتحت فاليسيرا عينيها.
الجرح لم يعد موجوداً.
مكانه، كانت هناك ندبة مشوهة، ملتوية، ومسحوقة بطريقة بشعة، كأن الجلد قد كُوي ولُحم بمكواة حديدية ساخنة.
انتقلت يدها فوراً إلى كتفها، وفعلت الشيء ذاته برصاصة القناصة.
استخدمت الجاذبية لطرد الرصاصة المحترقة من لحمها لتسقط على الأرض، ثم طوت اللحم الممزق وسحقته ليلتحم.
أخذت نفساً طويلاً، عميقاً، ومتقطعاً.
جسدها كان مغطى بالعرق البارد.
عيناها القرمزيتان كانتا باهتتين من الإرهاق المطلق، لكنها... وقفت مستقيمة.
لم تطلب كرسياً. لم تقع على الأرض.
استدارت نحونا ببطء.
الدماء كانت تغطي يديها وقميصها، ووجهها الشاحب يحمل ملامح موت محقق تم قهره بالقوة.
صمتنا كان صمت الخشوع أمام وحش لا يقهر.
نظرت إلينا، واحداً تلو الآخر. ثم نظرت إلى زاك المرتجف على الأرض.
"زاك، أليس كذلك؟" قالت فاليسيرا بصوت هادئ، متعب، لكنه لا يزال يحمل تلك السلطة الطاغية.
"نـ... نعم سيدتي الوحـ... أقصد سيدتي القائدة!"
تلعثم زاك وهو ينهض بسرعة، يؤدي تحية عسكرية مرتجفة.
"لقد أثبتّ فائدتك بإخفاء مسارنا،" قالت وهي تمسح الدم عن ذقنها بظهر يدها.
"لكننا لسنا هنا للاختباء فقط. ألكسندر فانس والفوليدرز يظنون أنهم حشرونا في الزاوية. يظنون أننا سنختبئ وننتظر الموت."
مشت خطوة للأمام، والبريق الشيطاني، السادي، والمجنون عاد ليشتعل في عينيها القرمزيتين.
"نحن فرقة ألفا. نحن لا نُطارد."
ابتسمت، وكانت ابتسامة أرعبتني أكثر من كابوس المسلخ.
"جهزوا أسلحتكم، وضمدوا جراحكم التافهة. لدينا 48 ساعة فقط. نحن لن نختبئ في هذا المكب طويلاً. غداً... سننصب كميناً لكلاب الصيد التي أرسلوها خلفنا. وسنجعل شوارع القطاع G تسبح بدمائهم، قبل أن نتجه لحرق مستشفى القديس إيلاريوس على رؤوس من فيه."
في تلك اللحظة، وسط هذه الشقة الفوضوية والمظلمة، أدركت أننا لم نعد مجرد فرقة استخبارات متمردة.
لقد أصبحنا فرقة إعدام، تقودنا شيطانة مكسورة لكنها ترفض السقوط، ومجند يدعي الضعف ويخفي وحشاً في ظله.
وإيليزيوم... كانت على وشك أن تشهد أسوأ كوابيسها.