هذا الفصل طويل جدًا، من يفضل قراءة الفصول الطويلة فليقرأه كاملًا، ومن لا يفضل ذلك يمكنه تقسيمه إلى جزئين وإكمال الجزء الثاني لاحقًا.

الفصل الثاني والثلاثون : خيانة

- ​منظور كايل فالتير -

​كان الصمت في صالة استراحة فرقة "ألفا" داخل المقر الرئيسي للاستخبارات السحرية (FBI) ثقيلاً ومقززاً، كصمت مشرحة تنتظر وصول جثث جديدة.

​كنت أجلس في الزاوية، أحتضن كوباً ورقياً يحتوي على قهوة سوداء رديئة، وأراقب عقارب الساعة الرقمية المعلقة فوق الشاشة الهولوغرامية الضخمة.

​الواحدة بعد منتصف الليل.

​غابت فاليسيرا منذ أربع ساعات.

قالت إنها ذاهبة للقاء مخبر سري في القطاع الذهبي لجلب "المفتاح الأخير" لاقتحام مستشفى القديس إيلاريوس.

​في العادة، غياب فاليسيرا لا يثير القلق.

إنها شيطانة تمشي على قدمين، رتبة S- قادرة على طي الفضاء وتحويل البشر إلى مكعبات لحم بفرقعة إصبع.

من الذي قد يقلق على كارثة طبيعية؟

​لكن... الجو الليلة كان مشحوناً بكهرباء التوتر.

​إيفا بلاكود كانت تمسح عدسة قناصتها بقطعة قماش حريرية للمرة الخمسين، وعيناها السوداوان ترمشان بعصبية غير معتادة.

داميان كان يقرع بقدمه على الأرضية الرخامية بإيقاع مستفز، بينما كان أيدن يعض على أظافره وهو يحدق في جهازه اللوحي، محاولاً تتبع إشارة فاليسيرا التي اختفت تماماً من شبكة الاستخبارات منذ ساعتين.

سيا وحدها كانت تجلس مغمضة العينين، تتلو تعويذات هادئة، لكن حبات العرق الدقيقة على جبهتها فضحت توترها.

​وأنا؟ أنا كنت أمثل دور المجند الضعيف المرتجف، لكن في داخلي، كان "الجوكر الأسود" يقرع أجراس الإنذار.

​هناك شيء خاطئ... خاطئ جداً.

فكرت، وأنا أرتشف القهوة الباردة. الاستخبارات هادئة بشكل مريب.

لا توجد دوريات حراسة معتادة تمر من أمام باب صالتنا. كأنهم... أخلوا الجناح.

​"هذا يكفي!" نهض داميان فجأة، وألقى سترته التكتيكية على الأريكة.

"سأذهب للبحث عنها. إشارتها اختفت في القطاع الذهبي، هذا ليس مريحاً."

​"اجلس يا داميان،" قالت إيفا ببرود لاذع، دون أن ترفع عينيها عن بندقيتها.

"هل تظن أن فاليسيرا تحتاج إلى حمايتك؟ إذا كانت قد تأخرت، فهذا لأنها تستمتع بتعذيب شخص ما، أو أنها تأكل وجبة عشاء رابعة."

​"إيفا محقة،" أضاف أيدن وهو يمسح نظارته الدائرية.

"التدخل في شؤونها قد يكلفنا رؤوسنا."

​وفجأة...

انخفضت درجة الحرارة في الصالة الفاخرة إلى ما دون الصفر في جزء من الألف من الثانية.

​كوب القهوة في يدي تجمد وتشقق.

أنفاسنا تحولت إلى سحب بيضاء كثيفة.

​شزززززز... كرااااااااااش!

​تمزق الفضاء في منتصف الصالة.

لم يكن "شقاً زمكانياً" أنيقاً وحاد الحواف كعادة فاليسيرا.

كان تمزقاً عشوائياً، مشوهاً، حوافه تنزف شرراً أرجوانياً وأسود، مصدراً صوتاً كصراخ زجاج يُطحن تحت مكبس هيدروليكي.

​من داخل هذا الجرح الزمكاني المتقيح، سقط شيء ما.

​ارتطم بقوة بالأرضية الرخامية البيضاء، ليتدحرج ويترك خلفه مساراً عريضاً ومقززاً من الدماء الحمراء القانية.

​الشق الزمكاني انهار على نفسه وانفجر بفرقعة مكتومة أطارت الأوراق من المكاتب.

​توقفنا جميعاً. توقف الزمن.

​"مستحيل..." تمتمت إيفا، وسقطت قطعة القماش من يدها.

​الشخص الذي كان ملقى على الأرض، يلهث كحيوان يحتضر، ويغرق في بركة من دمائه... كانت "فاليسيرا".

​لكنها لم تكن الشيطانة الفضية التي نعرفها.

​كانت محطمة.

معطفها الأبيض الفاخر، المصنوع من فرو وحوش الرتبة B، كان محترقاً، ممزقاً، ومصبوغاً باللون الأحمر والأسود.

جرح عميق ومخيف كان يشق خصرها الأيسر، تنبعث منه أبخرة كاوية تشبه الأسيد.

كتفها الأيمن كان مثقوباً برصاصة اخترقت لحمها وتركت فجوة سوداء متفحمة.

وجهها الخالي من العيوب كان ملطخاً بالوحل، والرماد، ودمائها ودماء غيرها.

​كانت ترتعد بعنف، عيناها القرمزيتان نصف مغمضتين، تفيضان بألم بشري نقي وخالص.

​يا إله السماوات... صرخت في عقلي، وجحظت عيناي القرمزيتان.

وحش الرتبة S-! الفتاة التي طوت الفضاء وسحقت مفتشاً عاماً وكأنه ذبابة... لقد تم تمزيقها! من بحق الجحيم يستطيع فعل هذا بها؟!

​"القائدة!"

​صرخ داميان صرخة مزقت حنجرته، وانزلق على ركبتيه فوق الرخام، متجاهلاً الدماء التي لوثت بنطاله، ليحتضن رأسها.

​سيا اندفعت كالسهم، يداها تتوهجان بنور ذهبي ساطع.

جثت بجوار فاليسيرا، وبدأت تضخ تعويذات الشفاء المتقدمة مباشرة في جرح خصرها المفتوح.

​"يا إلهي! الجروح مشبعة بإيترا كاوية! إنها تقاوم سحري!"

بكت سيا، والدموع تنهمر من عينيها بينما كان السحر الذهبي يتصادم مع الدخان الأسود المنبعث من جروح فاليسيرا، مصدراً أزيزاً يشبه قلي اللحم.

​إيفا وأيدن وقفا متصنمين. الصدمة شلت أطرافهما.

رؤية "فاليسيرا " تسقط وتنزف كالبشر كانت أكبر من قدرة عقولهم المغرورة على الاستيعاب.

​وأنا... اقتربت بخطوات بطيئة، أتصنع الذعر المطلق — وهو لم يكن تصنعاً بالكامل.

​نظرت إلى فاليسيرا.

​"كـ... كمين..." سعلت فاليسيرا، واندفعت كتلة من الدم الأسود من شفتيها المرتجفتين لتلطخ قميص داميان.

"مثبتات... زمكانية... دروع مضادة... إيترا حمراء... قتلة... رتبة S-..."

​كلماتها المتقطعة كانت كقنابل تسقط في وعينا.

​قتلة من الرتبة S-؟! مجهزون بمثبتات تمنعها من طي الفضاء؟ دروع مضادة لنارها الزرقاء؟

​هذا لم يكن هجوماً عشوائياً.

هذا كان إعداماً مدروساً بدقة جراحية.

عدو يمتلك موارد تعادل ميزانية دولة كاملة، ويعرف نقاط ضعفها بدقة.

​"الفوليدرز..." همست إيفا، ووجهها الشاحب يتحول إلى لون الرماد.

"لقد عرفوا... لقد عرفوا أننا نلاحقهم."

​"سيا! أوقفي النزيف بأي ثمن!" صرخ داميان وهو يضغط بيده على جرح كتفها.

"أيدن! اتصل بكيريون فوراً! أخبره أننا نتعرض لهجوم، ونحتاج إلى إخلاء طبي عالي الحراسة إلى الجناح الآمن!"

​ركض أيدن نحو شاشة الاتصال المركزية في الصالة.

أصابعه المرتجفة ضربت على لوحة المفاتيح لإدخال كود الطوارئ الأحمر الخاص بفرقة ألفا.

​لكن... بمجرد أن ضغط على زر إرسال.

​بزززززت!

​الشاشة العملاقة لم تظهر وجه كيريون.

​بدلاً من ذلك، انطفأت جميع الأضواء البيضاء الدافئة في صالة الاستراحة، واشتعلت مصابيح الطوارئ الحمراء الدوارة، لتغرق الغرفة في لون الدم.

​صوت إنذار حاد، يصم الآذان، انطلق في جميع أنحاء المبنى.

​"ماذا تفعل يا أيدن؟! هل ضغطت على زر الإخلاء العام؟!" صرخت إيفا وهي تسحب قناصتها.

​"لم أفعل!" صرخ أيدن بهلع، وهو يتراجع عن الشاشة التي بدأت تومض برسالة واحدة، مكتوبة بخط أسود عريض على خلفية حمراء:

​[ عزل أمني. الهدف: فرقة ألفا. مستوى التهديد: إرهاب من الدرجة الأولى ]

​تجمدنا جميعاً. حتى أنين فاليسيرا توقف للحظة.

​"إرهاب؟" همس داميان، وعيناه تتسعان.

"نحن؟"

​وفجأة، اختفت الرسالة الحمراء، لتظهر صورة بث حي، عالي الدقة.

لم يكن البث موجهاً لصالتنا فقط؛ كان بثاً عاماً، يُعرض على كل شاشة في مقر الاستخبارات، وفي كل شاشة إعلانية في شوارع مدينة إيليزيوم، من القطاع الذهبي حتى القطاع السفلي F.

​على الشاشة، كان يقف "ألكسندر فانس".

​مدير الـ FBI. رجل الأمن الداخلي الأول.

​كان يقف خلف منصة خشبية فخمة تحمل شعار الاستخبارات السحرية نسر يخترقه سيف.

كان يرتدي بدلة سوداء رسمية، وربطة عنق داكنة. وجهه كان يحمل تعبيراً من الحزن العميق، الصرامة المطلقة، والغضب المقدس. تمثيلية يمكن أن تفوز بجائزة الأوسكار.

​"مواطني إيليزيوم العظيمة،" بدأ ألكسندر فانس خطابه، وصوته الرزين والعميق يتردد في صالتنا الحمراء.

​"بقلب يعتصره الألم، وبحزن لا تصفه الكلمات، أقف أمامكم الليلة لأعلن عن خيانة... خيانة من الداخل. خيانة من أولئك الذين أقسموا على حمايتكم."

​ابتلعت ريقي الجاف. عقلي بدأ يربط الخيوط بسرعة جنونية.

لا... لا تفعلها أيها الثعلب العجوز...

​"لقد اكتشفنا، بالأدلة القاطعة والتسجيلات الموثقة، أن فرقة المداهمة الخاصة المعروفة باسم 'فرقة ألفا'، بقيادة العميلة المارقة 'فاليسيرا'، قد سقطت في مستنقع الفساد والجنون الإيترالي."

​"ماذا يقول هذا الخنزير؟!" صرخت إيفا، ورفعت بندقيتها وكأنها تريد إطلاق النار على الشاشة.

"إنه يكذب! هو من وقع أمر الاعتقال!"

​واصل ألكسندر خطابه، وعيناه تنظران مباشرة إلى الكاميرا بثقة تامة:

​"لقد تم التأكد من أن فرقة ألفا، وبدافع من جنون العظمة وما يسمى بـ 'الذهان الإيترالي'، قد قامت باغتيال اثنين من أبطال الاستخبارات بدم بارد في القطاع الأوسط: المحقق البارز 'آرثر ستيرلينغ'، ومساعده 'ماركوس'."

​أوه... لقد ألبسونا تهمة قتلي لآرثر وماركوس! ضحكت في عقلي ضحكة متوترة، كئيبة.

يا لها من حبكة عبقرية!

​"ولم يتوقف إجرامهم عند هذا الحد،" استمر ألكسندر، ورفع ورقة بيضاء بيده نفس الورقة التي وقعها لفاليسيرا.

"لقد قاموا باختطاف وتصفية المفتش العام 'ثورن'، والنقيب 'ميلر'، وتلفيق تهم باطلة لهم كغطاء لجرائمهم! لقد اكتشفنا أن فرقة ألفا كانت تعمل طوال هذا الوقت كذراع عسكري لتنظيم إرهابي... تنظيم يقوده المجرم السادي المعروف باسم 'الجوكر الأسود'!"

​"الجوكر الأسود؟!" صرخ داميان، وكاد يسقط رأس فاليسيرا من يده.

"نحن نعمل مع الجوكر الأسود؟! نحن من كدنا نموت بسببه!"

​نظرت إليّ إيفا، ثم إلى الشاشة، وعقلها يرفض معالجة هذا الكم من العبث.

​أما أنا، الجوكر الأسود شخصياً الذي يقف بينهم بزي مجند نكرة، فقد كنت أستمع بذهول مطلق لانسيابية هذا الفخ المنطقي المحكم.

​عبقري... عبقري بحق الجحيم! فكرت، وأنا أحلل الموقف بعقلية لص محترف ومخطط.

​لماذا انقلب ألكسندر فانس علينا فجأة؟

​السبب واضح ومنطقي كوضوح الشمس لمن يعرف قواعد القوة!

​فاليسيرا كانت تبتز ألكسندر بملفات سرية تخص مجزرة قرية في زيراثيون.

استخدمت هذا الابتزاز لجعله يوقع على أمر اعتقال "ثورن وميلر".

​لكن... الفوليدرز، أو القديس إيلاريوس شخصياً، علموا بأن فرقة ألفا تنوي اقتحام المستشفى السري.

​ماذا فعل القديس إيلاريوس — الرتبة S+ — ؟

​بالتأكيد، توجه إلى ألكسندر فانس، وعرض عليه صفقة لا يمكن رفضها.

— تخلص من فرقة ألفا وفاليسيرا، أعلنهم كإرهابيين، وسنقوم نحن بحمايتك، وسنضمن أن أي ملفات ابتزاز تملكها فاليسيرا ضدك ستُعتبر 'دعاية إرهابية كاذبة' ولن يصدقها أحد، لأنها تصدر من مجرمين قتلوا أبطال الاستخبارات —

​بالنسبة لألكسندر فانس، هذه كانت فرصة من ذهب! يتخلص من الفتاة المراهقة التي تبتزه وتهدده، ينظف سمعته، ويرضي حلفاء المستشفى، ويكسب دعم الفوليدرز في الخفاء، وكل هذا... بضربة واحدة! تقديم فرقة ألفا ككباش فداء مثالية.

​"ولكن الخطر الأكبر..." تغيرت نبرة ألكسندر فانس لتصبح أكثر ذعراً وإلحاحاً، "هو أننا اعترضنا اتصالاتهم الأخيرة. فرقة ألفا، بتحريض من الجوكر الأسود، تخطط لارتكاب مجزرة مروعة، هجوم إرهابي شامل بالغازات السامة يستهدف... مستشفى القديس إيلاريوس المركزي!"

​"مستشفى القديس إيلاريوس!"

صرخ الجميع في الغرفة في نفس اللحظة.

​تلك هي الضربة القاضية.

الضربة المنطقية التي أغلقت فخ الشطرنج.

​المستشفى، الصرح الملائكي الذي يضم مئات الآلاف من المدنيين، سيتم تصوير أي هجوم عليه على أنه عمل إرهابي مجنون!

وإذا اقتربت فرقة ألفا منه الآن... فلن يراهم العالم كأبطال يبحثون عن مسلخ الفوليدرز، بل سيراهم كوحوش إرهابية جاءت لقتل المرضى والأطباء!

​الفوليدرز حوّلوا نيتنا في كشفهم... إلى الدافع الذي يثبت تهمة الإرهاب علينا!

​"لذلك،" ختم ألكسندر خطابه بنبرة حاسمة، باردة كالموت، "بصفتي مدير الاستخبارات السحرية، وبموافقة القيادة العليا... أُعلن رسمياً إسقاط الحصانة والرتب عن جميع أعضاء فرقة ألفا: فاليسيرا، إيفا بلاكود، داميان إيفاريس، سيا، أيدن، والمجند كايل فالتير. هم الآن إرهابيون من الدرجة (S). يُسمح باستخدام القوة المميتة المطلقة ضدهم. أي شخص يؤويهم هو خائن للمدينة. حمانا الله، وحمى إيليزيوم."

​انطفأت الشاشة.

​ساد صمت في غرفة الاستراحة لم أختبر مثله في حياتي. صمت يسبق تحطم العوالم.

​"نحن... إرهابيون؟" همس أيدن، وسقط جهازه اللوحي من يده ليتحطم على الأرض.

"أنا... أنا فقط سددت قرض بدلتي القتالية البارحة! لقد كنت أحلم بالترقية الشهر القادم! كيف أصبحت إرهابياً من الدرجة S أريد تفجير مستشفى؟!"

​إيفا كانت تلهث بهستيريا، تمسك برأسها بكلتا يديها. "بطاقاتي الائتمانية! تصريحي الأمني! عائلتي! لقد جردونا من كل شيء! نحن مطلوبون للعدالة! نحن أهداف مباحة!"

​"تباً للبطاقات الائتمانية!" صرخت سيا بوجه إيفا، والدموع تغطي وجهها الهادئ عادة.

"نحن محبوسون داخل المقر الرئيسي للـ FBI! في قلب الجناح المركزي! نحن في عش الدبابير، والجميع الآن تلقى أمراً بقتلنا!"

​نظرت إلى فاليسيرا.

كانت لا تزال مستلقية بين ذراعي داميان.

تنفسها ضعيف، وعيناها القرمزيتان تنظران إلى السقف المضاء باللون الأحمر.

​لم تبدِ أي علامة على الغضب أو الصدمة. فقط... ابتسامة مكسورة، دامية، وساخرة ارتسمت على شفتيها.

​"ألكسندر... أيها الثعلب الجبان..." تمتمت فاليسيرا بضعف.

"لقد باعنا بسعر رخيص."

​"أين كيريون؟!" صرخ داميان فجأة، وكأنه تذكر طوق النجاة الأخير.

"كيريون دراثيس! هو قائدنا المباشر! هو يعلم أننا أبرياء! أين هو ليدافع عنا؟!"

​بزززت...

شاشة الاتصال الصغيرة على مكتب كيريون أضاءت فجأة باتصال مشفر، صوتي فقط.

​اندفع داميان وترك رأس فاليسيرا برفق، وضغط على زر الاستقبال.

​"سيدي القائد!" صرخ داميان بلهفة.

"أرجوك أخبرني أن هذا كابوس! أخبرني أنك ستتدخل وتوضح للقيادة أننا..."

​"اخرس يا داميان. واستمع إليّ جيداً."

​صوت كيريون دراثيس كان ثقيلاً، قديماً، ومحطماً. لم يكن صوت الأسطورة الذي يهابه الجميع.

كان صوت رجل مهزوم يرتدي سلاسل لا مرئية.

​"كيريون..." همست فاليسيرا من الأرض.

​"فاليسيرا،" قال كيريون، وصوته يرتجف قليلاً من القهر.

"أنا محاصر. هناك أربعة من فرسان 'بالادين' التابعين لمجلس النقابات العليا يقفون خارج باب مكتبي السري. إنهم من الرتبة S- و S. ألكسندر فانس باعكم ليحمي منصبه وليرضي ممولي مستشفى القديس إيلاريوس."

​"لماذا لم تقاتلهم؟!" صرخت إيفا. "أنت رتبة S خالصة! يمكنك إخراجنا!"

​"لو فعلت، لتم تصنيفي كإرهابي معكم، ولاندلعت حرب أهلية في القطاع الذهبي تدمر نصف المدينة،" قال كيريون بمرارة قاتلة.

"لقد خيّرني ألكسندر: إما أن أوقع على أمر إعدامكم رسمياً... أو أُعدم معكم. لكي أحمي ما تبقى من الشرفاء في جناحي... اضطررت لتوقيع أوراق إدانتكم."

​"أنت... أنت خائن جبان!" صرخ أيدن بانهيار.

​ضحكت فاليسيرا ضحكة سعال مدممة.

"لا تلمه يا أيدن. كيريون اختار الحل المنطقي. البقاء حياً أفضل من الموت مع فرقة من الحمقى. أنت جبان ذكي يا كيريون."

​"سامحيني يا فاليسيرا،" قال كيريون، وصوته يختنق.

"ليس لديكم وقت. أقفال الغرفة ستُفتح بعد ثلاثين ثانية. فرق 'برافو' و 'تشارلي'، زملاؤكم الذين أكلتم معهم البارحة، يقفون في الممر الآن بأسلحة ثقيلة لتنفيذ الإعدام."

​صمت كيريون لثانية، ثم أضاف جملة أخيرة، جملة حملت كل غضبه المكبوت الذي لم يستطع تفريغه في ألكسندر:

​"ابقوا أحياء. اهربوا إلى قاع الجحيم. ابقوا أحياء... ثم عودوا واحرقوهم جميعاً."

​انقطع الاتصال.

​بقينا نحن الخمسة، والفتاة الممزقة على الأرض، في صمت تام.

​نحن لسنا مجرد هاربين من عصابة.

نحن طرائد حكومية.

أهداف مشروعة لكل قناص، لكل مرتزق، ولكل شرطي طموح يبحث عن الترقية بقتل فرقة ألفا الإرهابية.

​صوت إنذار الإخلاء كان يعوي.

​"ماذا نفعل؟" سأل داميان، ويده السليمة ترتجف وهي تمسك بالرشاش الثقيل.

"سيدخلون بعد عشرين ثانية. إذا قاتلناهم... سنكون نقتل أصدقاءنا! أفراد الـ FBI! سنؤكد تهمة الإرهاب!"

​"أصدقاء؟" بصقت إيفا على الأرض، وعيناها السوداوان تشتعلان بلهب الجنون وغريزة البقاء.

"الأصدقاء لا يقفون بأسلحة إيترالية ثقيلة خلف الباب لتمزيقك! لقد انتهى الـ FBI بالنسبة لي!"

​رفعت إيفا قناصتها، وصوبتها مباشرة نحو الباب الخشبي المزدوج.

​سيا سحبت خناجرها المزدوجة، وعيناها الباردتان تخلوان من أي رحمة.

"نحن ذئاب، أليس كذلك؟ الذئب لا يموت في قفص."

​أيدن أخرج مسدسين رشاشين، وهو يبكي بهستيريا مضحكة ومبكية.

"وداعاً لراتبي التقاعدي! وداعاً لسمعتي! سأقتلكم جميعاً أيها الأوغاد!"

​وأنا... الجوكر الأسود، المجند الضعيف كايل فالتير.

وقفت في الزاوية، أسحب مسدس الجلوك العادي الخاص بي.

​في داخلي، كانت الكوميديا السوداء تبلغ ذروتها.

يا لها من سخرية قدرية مريضة! لقد دخلت إلى الاستخبارات لأحتمي بهم، فأصبحوا هم المطاردين والمطلوبين رقم واحد في العالم، وأنا متورط معهم كشريك إرهابي! اللعنة على حظي الذي يشبه حظ ذبابة في بيت عنكبوت!.

​لكن... لم يكن هناك وقت للندم.

​نظرت إلى فاليسيرا الملقاة على الأرض.

"سيا!" صرخت بصوت حاد، متناسياً دور الفتى الخجول.

"احملي فاليسيرا! إيفا، داميان، أيدن، غطوا النيران! يجب أن نصل إلى مصاعد الصيانة في نهاية الممر الشرقي!"

​نظروا إليّ جميعاً بصدمة لثانية. المجند النكرة يعطي الأوامر؟

​"افعلوا ما يقوله هذا الفأر الماكر!" سعلت فاليسيرا، وهي تحاول الوقوف بمساعدة سيا.

"إنه الوحيد هنا الذي يمتلك خبرة في أن يكون طريدة في المجاري!"

​كلييييييك!

بوم!

​انفجر الباب الخشبي المزدوج لصالة الاستراحة بصدمة متفجرة.

​الدخان الأبيض ملأ المدخل.

​ومن بين الدخان، ظهر عشرون عميلاً من فرق "برافو" و"تشارلي".

يرتدون دروع مكافحة الشغب الإيترالية، يحملون دروعاً طاقية شفافة، وبنادق هجومية مشحونة بضوء الموت.

​"فرقة ألفا! ألقوا أسلحتكم وانبطحوا على الأرض! أي حركة ستُقابل بالقوة المميتة الفورية!"

صرخ قائد فرقة برافو عبر مكبر الصوت، وهو رجل كنا نشرب معه القهوة صباح أمس.

​نظرت إيفا إليه من خلال منظار قناصتها.

"تباً لك يا ريتشارد،" تمتمت إيفا.

​بام!

​انطلقت رصاصة القناصة الخارقة للدروع.

لم تستهدف رأسه لتقتله، لم تكن إيفا قادرة على إعدام صديق قديم بهذه السهولة بعد.

استهدفت درع الطاقة الخاص به ومفصل ركبته اليمنى.

​الدرع تحطم كزجاج رقيق، واخترقت الرصاصة ركبته.

​"آآآآغ!" سقط ريتشارد يصرخ.

​"نار حرة! اقتلوا الإرهابيين!" صرخ نائبه.

​وانفجر الجحيم في الجناح المركزي للاستخبارات السحرية.

​تاتاتاتاتاتا!

الرصاص الإيترالي بدأ يمزق الصالة. الجدران الرخامية البيضاء، اللوحات الفاخرة، وشاشات العرض... كلها تحولت إلى شظايا تتطاير في الهواء.

​"تقدموا!" زأر داميان، وخرج من خلف الأريكة، يطلق النار من رشاشه الثقيل بيد واحدة.

​رصاصات داميان كانت محملة بإيترا البرق.

كل رصاصة تضرب دروع الأعداء كانت ترسل صدمة كهربائية تشل حركة ثلاثة أو أربعة عملاء في نفس الوقت.

كان يتقدم كدبابة غاضبة، متجاهلاً الرصاصات التي كانت ترتد عن درعه أو تخدش لحمه.

​سيا كانت تسند فاليسيرا بيدها اليسرى، وبيدها اليمنى كانت تلقي "رماح النور".

رماح من الإيترا الذهبية المكثفة تخترق الهواء لتثبت دروع العملاء المهاجمين في الجدران، وتخترق أكتافهم لتشل أسلحتهم دون أن تقتلهم.

كانت تقاتل ببرود جراحي مذهل.

​أيدن كان يركض وهو يبكي ويطلق النار بعشوائية، لكن رصاصاته كانت مشبعة بـ "إيترا الوهم"، مما جعل العملاء يرون نسخاً متعددة منا ويطلقون النار على الجدران الخالية.

​وأنا... كنت أركض خلفهم.

​لم أكن أطلق النار من مسدسي العادي.

كنت أتصنع الرعب، ألتصق بالجدران، وأصرخ كالمبتدئ.

​لكن في الظلام، وتحت الفوضى، كنت أستخدم مهارة [تمزيق الظلال] بحذر شديد.

​عندما كان أحد قناصة فرقة برافو يوجه بندقيته نحو رأس سيا من الخلف، كنت أركز على ظله الممتد على الجدار.

​تششك.

إيترا ظلال خفية تقطع وتر العرقوب في ظله.

يسقط القناص فجأة وهو يصرخ ممسكاً بقدمه الممزقة، وتطيش رصاصته لتضرب السقف.

​عندما حاول ثلاثة عملاء محاصرة داميان من الزاوية، استخدمت ظلالهم لأقوم بـ "ركلة زمكانية" خفية في ركبهم، مما جعلهم يتعثرون ويسقطون فوق بعضهم البعض كأحجار الدومينو ليصعقهم داميان ببرقه.

​كنت أتدخل كطيف.

أحميهم من الموت المحقق، مع الحرص على ألا يلاحظ أحد من فرقة ألفا، أو من كاميرات المراقبة، أن المجند الضعيف هو من يتلاعب بفيزياء المعركة.

​الممر كان طويلاً ومخضباً بالدماء والزجاج المحطم.

​كان القتال ضد زملائهم السابقين يستنزف أرواح فرقة ألفا أكثر من أجسادهم.

كل رصاصة يطلقونها كانت تقطع رابطاً بمدينتهم وتؤكد تهمة الخيانة عليهم.

​وصلنا أخيراً إلى مصاعد الصيانة الثقيلة في نهاية الممر الشرقي.

​"أيدن! اخترق اللوحة!" صرخت إيفا وهي تغطي ظهورنا، تقنص أسلحة المهاجمين بدقة لتجريدهم منها.

​ركع أيدن أمام لوحة التحكم، وأدخل أسلاك جهازه اللوحي.

"اللعنة! النظام مشفر بتشفير S! لا أستطيع فتحه في أقل من عشر دقائق!"

​"ليس لدينا عشر ثوانٍ!" زأر داميان، وهو يغير مخزن رشاشه للمرة الرابعة، والعملاء يتدفقون من كل الممرات المجاورة، أعدادهم تتزايد كنمل غاضب.

​نظرت إلى أبواب المصعد الفولاذية.

​"ابتعدوا!" صرخت فاليسيرا.

​كانت تلهث، ووجهها أبيض كالطباشير، تنزف بغزارة من خصرها وكتفها. لكنها رفعت يدها السليمة.

​"لا تفعلي! ستموتين من استنزاف الإيترا!" صرخت سيا.

​فاليسيرا لم تستمع. ضمت أصابعها بقوة.

​سححححق!

​الجاذبية المركزة ضربت أبواب المصعد الفولاذية التي يبلغ سمكها عشرة إنشات.

الأبواب التوت للداخل كأنها مصنوعة من القصدير، ثم اقتُلعت من مفصلاتها لتسقط في بئر المصعد المظلم مصدرة دوياً هائلاً.

​"اقفزوا!" أمرت فاليسيرا، قبل أن تترنح وتكاد تسقط لولا أن التقطتها سيا.

​لم نتردد.

قفزنا واحداً تلو الآخر في بئر المصعد المظلم، مستخدمين كابلات الفولاذ الضخمة للانزلاق نحو الأسفل.

​المسافة كانت هائلة.

نزلنا عشرات الطوابق، أيدينا تحترق من الاحتكاك بالكابلات، حتى وصلنا إلى قاع بئر المصعد في الطابق السفلي تحت الأرضي

[ طابق الخدمات والمجاري ] .

​هبطنا في المياه الآسنة الباردة التي تصل إلى الكواحل.

​"أسرعوا! سيغلقون بوابات المجاري الرئيسية!"

صرخ داميان وهو يشير نحو نفق مظلم تفوح منه رائحة العفن.

​ركضنا.

​ركضنا كطرائد جريحة في ظلام المجاري اللزج.

فرقة "ألفا"، النخبة التي كانت قبل ساعات تجلس في مطعم "أوركيد الدم" وتأكل طعام الملوك، أصبحت الآن تركض في الوحل والفضلات، مطاردة من العالم بأكمله.

​إيفا كانت تشتم بلعنات، غضباً وقهراً.

أيدن كان يشهق من الإرهاق.

داميان يعض على شفتيه ليتحمل ألم ذراعه. وفاليسيرا شبه فاقدة للوعي بين يدي سيا.

​وعندما توقفنا أخيراً في نفق جانبي مسدود مؤقتاً لنلتقط أنفاسنا...

​كان الصمت يغلفنا.

صمت الهزيمة المطلقة.

​لا أسلحة إضافية.

لا أموال. بطاقاتنا مجمدة.

وجوهنا معروضة على كل شاشة كإرهابيين.

​الـ FBI يطاردنا، الفوليدرز ينتظروننا، والمستشفى يجهز لـ "الحصاد الجماعي" كما أدركتُ من خطة ألكسندر، ولا نملك أي طريقة لإيقافهم.

​"لقد انتهينا..." همس أيدن، وسقط على ركبتيه في المياه القذرة.

"نحن مشردون. ليس لدينا مكان نذهب إليه. سنموت هنا كفئران مصابة بالطاعون."

​نظرت إليهم جميعاً.

إلى هذه النخبة المحطمة التي جُردت من كل غرورها وكبريائها.

​الآن، وفي هذا القاع المتعفن، لم تعُد رتبة S- أو A تعني شيئاً.

في قاع المدينة، البقاء ليس للأقوى... بل للأكثر اعتياداً على القذارة.

​وأن أكون فأراً في المجاري... هذا هو تخصصي.

​خطوت للأمام، ووقفت في منتصفهم.

​تخليت عن وقفة المجند الخائف، وأرجعت ظهري للوراء، رافعاً رأسي بنظرة باردة، حادة، ومظلمة.

نظرة "الجوكر الأسود".

​"توقفوا عن النواح،" قلت بصوت هادئ، خشن، ومختلف تماماً عن صوتي الذي سمعوه طوال الأيام الماضية.

​رفعوا رؤوسهم جميعاً ونظروا إليّ بصدمة.

النبرة، لغة الجسد، الثقة المرعبة... هذا لم يكن كايل المجند.

​"أنتم الآن في منطقتي،" تابعت بابتسامة خفيفة، ساخرة. "أعرف مكاناً آمناً. لن تجدنا كاميرات إيليزيوم، ولن تصلنا كلاب الـ FBI. لكن..."

​نظرت إلى ملابسهم الممزقة والدماء التي تغطيهم.

​"أحذركم. المكان ليس فندق خمس نجوم. ولن يعجبكم صاحبه كثيراً."

​"من؟" سألت إيفا بصوت مهتز.

"إلى أين ستأخذنا؟"

​اتسعت ابتسامتي.

"إلى صديقي الغبي، المهووس بنظريات المؤامرة. سنذهب لزيارة زاك."

2026/04/30 · 19 مشاهدة · 3213 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026