الفصل 41 : مستشفى القديس إيلاريوس (4)

- ​منظور فاليسيرا -

​في عالم "إيليزيوم"، تُقاس القوة بمقدار ما تستطيع تدميره قبل أن يرتد الكون ليحطمك.

​كنت أقف في منتصف المختبر الممتلئ بأشلاء جيش الكيميرا، والدماء تغطي البلاط الأبيض لتشكل بحيرة لزجة تنعكس عليها الأضواء الحمراء المتبقية.

وفي الجهة المقابلة، كان يقف "الجرّاح".

​وحش من الرتبة S المُعدلة.

هذا التصنيف لم يُوضع عبثاً في سجلات الاستخبارات.

الرتبة S تعني كارثة تمشي على قدمين. تعني كياناً قادراً على مسح قطاع كامل من الخريطة إذا تُرِك بلا رادع.

وهذا الشيء الواقف أمامي... لم يكن مجرد وحش هائج تحركه الغريزة؛ بل كان كابوساً ميكانيكياً وبيولوجياً، يمتلك عقلاً تحليلياً يفوق الحواسيب الكمية، وأدوات صُممت خصيصاً لتشريح المستيقظين.

​"نبض المريضة منتظم، لكنه يحمل توتراً غير مرئي،" قال الجرّاح بصوته الاصطناعي الهادئ، والمهذب بشكل يثير الغثيان.

عدّل نظارته الطبية فوق عينيه الليزريتين، بينما كانت أرجله العنكبوتية الثمانية السوداء تنغرس ببطء في الأرضية الصلبة.

"المقاومة أثناء التخدير ستؤدي إلى تمزق في الأنسجة العضلية. أنصحكِ بالبقاء ثابتة."

​"وفر نصائحك لنفسك، أيها الخردة،" هدرتُ، وعيناي القرمزيتان تشتعلان بوهج الجاذبية.

​لم أنتظره ليقوم بخطوته الأولى.

بسطت كفي الأيمن، وأطلقت العنان لطاقتي.

الانشطار الزمكاني.

​شززززززز!

​ثلاثة خطوط سوداء، دقيقة كالشعرة، قطعت الهواء بسرعة تفوق سرعة الصوت، متجهة مباشرة نحو صدره البشري وقلبه الميكانيكي الأزرق.

هذا الهجوم يمحو المساحة بين الذرات؛ لا يوجد درع مادي قادر على صده.

كان من المفترض أن يتقطع الجراح إلى أربعة أجزاء متساوية في كسر من الثانية.

​لكن... ما حدث تالياً جعل بؤبؤي عيني يتقلصان بصدمة.

​الجرّاح لم يتفادى الهجوم بعد انطلاقه.

لقد تفاداه قبل أن ينطلق!

​مستشعراته الليزرية لم تكن تقرأ حركتي الجسدية، بل كانت تقرأ "التشوه الزمكاني" في الهواء قبل أن يتشكل!

في الجزء من الألف من الثانية الذي استغرقته الإيترا لطي الفضاء، كانت أرجله العنكبوتية الهيدروليكية قد دفعته جانباً بسرعة لا يمكن لعين بشرية التقاطها.

​الخطوط السوداء قطعت الهواء الفارغ، واصطدمت بالجدار الخلفي للمختبر.

​كرااااااااااش!

​الجدار، المصنوع من خرسانة مبطنة بالتيتانيوم والمقوى بتعويذات هندسية من الرتبة S ليتحمل انفجارات هائلة، انشطر بعمق مترين.

الغبار الإسمنتي تناثر في الهواء.

​"حركة غير دقيقة. المريضة تعاني من تشنجات عصبية،" تردد صوت الجرّاح من الجانب الأيمن.

​التفتت بسرعة، لكنه كان قد بدأ هجومه.

​إحدى أذرعه الجراحية الستة التي تنبت من ظهره انطلقت نحوي.

كانت تحمل "مشرط ليزر" لا يطلق شعاعاً عادياً، بل شعاعاً أبيض ساطعاً، مكثفاً لدرجة أن الهواء حوله بدأ يغلي ويتحول إلى بلازما من فرط الحرارة.

​"درع الجاذبية!"

​كثفت مساحة الفضاء أمامي لتحويلها إلى جدار صلب من الجاذبية المطلقة.

أي هجوم فيزيائي أو سحري كان سيُسحق ويسقط على الأرض بمجرد ملامسته لهذا الجدار.

​تششششششششش!

​اصطدم المشرط الليزري بدرع الجاذبية.

ولأول مرة... لم يُسحق الهجوم!

​المشرط كان يهتز بتردد ذري هائل.

كان الجرّاح قد قام بحساب كثافة درعي، وبدأ مشرطه الليزري "يقطع" طبقات الجاذبية نفسها!

الضوء الأبيض الساطع بدأ يخترق الجدار غير المرئي، والحرارة الكاوية لفحت وجهي.

​"هذا الشيء... يحلل سحري؟!" صرخت في داخلي، وتراجعت خطوتين للخلف بسرعة قبل أن يخترق المشرط الدرع بالكامل.

​"تعديل التردد. اختراق الطبقة الواقية ناجح. بدء الشق الأولي،" قال الجرّاح، ولم يمنحني ثانية لالتقاط أنفاسي.

​قفز في الهواء مستخدماً أرجله الثمانية كزوابرك هيدروليكية جبارة.

طار لمسافة عشرين متراً ليهبط فوقي مباشرة، كعنكبوت مفترس ينقض على فريسته.

في الهواء، فتح أذرعه الجراحية الستة معاً!

​المشرط الليزري، المنشار العظمي الدوار، وحقنة الأسيد... كلها هوت نحوي كوابل من الموت الميكانيكي.

​"سحــــق!"

​زأرت بأعلى صوتي، وضربت كلتا يدي معاً.

لم أستهدف جسده، بل استهدفت مركز الجاذبية تحته.

خلقت بؤرة جذب هائلة في الأرضية أسفله مباشرة، محاولة سحبه وتحطيمه قبل أن يصل إليّ.

​قوة الجاذبية كانت مرعبة. البلاط الأبيض تحتنا تحول إلى غبار.

الخرسانة المسلحة التي تقبع تحت البلاط بدأت تئن وتتشقق بصوت يشبه صراخ الجبال.

​الجراح، الذي كان في منتصف الهواء، سُحب بقوة تعادل مئات الأطنان نحو الأرض!

​بببببووووووووووووووووووووووووم!

​الارتطام زلزل الطابق B3 بأكمله.

أرضية المستشفى، التي صُممت لتقاوم كوارث نووية، انخسفت في دائرة قطرها ثلاثون متراً!

شبكات حديد التسليح برزت ملتوية كأضلاع مكسورة.

الهزة أطارت أيدن، الذي كان يراقب برعب من الزاوية، ليصطدم بالجدار ويسقط يئن.

​غيمة هائلة من الغبار والدم المتخثر ارتفعت في الهواء لتغطي الرؤية.

​تنفست بصعوبة. هل سحقته؟ هل حطمت هيكله العنكبوتي؟

​وفجأة... من وسط سحابة الغبار الخانقة...

انطلقت سلسلة معدنية تنتهي بملقط جراحي هائل الحجم!

​لم أتمكن من طي الفضاء في الوقت المناسب بسبب سحابة الغبار التي شوشت رؤيتي.

انحرفت بجسدي بغريزة خالصة.

​المرقط المعدني الضخم مر بجوار خصري... لكنه لم يخطئني تماماً.

​سلااااااااااش!

​حواف الملقط الحادة، والمصممة لتمزيق الدروع، مزقت معطفي الأبيض الجديد، وغاصت في اللحم الطري لخاصرتي اليمنى!

​"آآآآآآآآآغ!"

​صرخة ألم حادة، لا إرادية وبشرية تماماً، هربت من حلقي.

اللحم تمزق، والشعور بالمعدن البارد وهو يجرف طبقة من عضلاتي كان مقززاً وحارقاً.

الدم القرمزي الساخن اندفع فوراً ليبلل ملابسي ويتساقط على الركام.

​سحبت الجاذبية لضرب السلسلة، لكن الملقط تراجع بسرعة البرق عائداً إلى الغبار.

​وضعت يدي المرتجفة على خاصرتي الممزقة. الجرح كان عميقاً، لكن "إكسير دموع الفجر" الذي يسري في دمي بدأ عمله فوراً.

الخلايا بدأت تنقسم وتلتحم بسرعة جنونية، محدثة أزيزاً حاراً يغلي الدم.

​"التخدير الموضعي فشل. المريضة تقاوم بقوة غير متوقعة. أرى تجدداً خلوياً فائقاً..."

​انقشع الغبار.

الجراح كان يقف في قاع الحفرة التي خلقتها.

أرجله الثمانية كانت مغروزة عميقاً في الخرسانة المسلحة لتثبيته ومنعه من السحق التام.

هيكله العنكبوتي الأسود كان مليئاً بالخدوش، وإحدى أذرعه الجراحية كانت ملتوية ومحطمة، لكنه كان بعيداً جداً عن الموت.

​"التجدد الخلوي سيجعل عملية الاستئصال أطول،" أضاف الجراح، وعيناه الليزريتان تومضان باللون الأحمر القاني.

"سأقوم بزيادة معدل البتر."

​اندفع نحوي بسرعة تتحدى قوانين الفيزياء.

المعركة تحولت من اشتباك عن بعد إلى التحام دموي، مميت، وسريع لدرجة أن رؤية أيدن البشرية لم تكن تلتقط سوى ومضات من الضوء الأبيض والأسود.

​الجرّاح كان يستخدم أرجله العنكبوتية للقفز والارتداد عن الجدران والسقف المحطم، محولاً المختبر بأكمله إلى شبكة موت. كان يهاجم من زوايا مستحيلة.

​"مُت أيها الطفيلي!"

​أطلقت موجات متتالية من انشطارات الزمكان.

الهواء كان يتمزق بخطوط سوداء كأنني أقطع لوحة قماشية.

​لكنه كان يتلوى بينها.

المناشير العظمية الدوارة اقتربت مني. اضطررت لاستخدام الجاذبية لصدها عن قرب.

​كراااااانش! زززززززز!

​كل اصطدام بين درع الجاذبية الخاص بي والمنشار العظمي كان يولد شرراً يضيء المختبر المظلم، ويصدر صوتاً يدمي الآذان.

​في إحدى اللحظات، استغل الجرّاح تركيزي على صد المنشار، وأطلق الذراع التي تحمل "حقنة الأسيد الهيدروليكية" من زاوية عمياء تحت مستوى نظري.

​رأيت الإبرة الفولاذية الغليظة، التي يبلغ طولها نصف متر وتشع بسائل أخضر كاوٍ، تتجه مباشرة نحو فخذي الأيسر!

​لم يكن لدي وقت لتشكيل درع.

لو اخترقتني تلك الإبرة، لحقنت الأسيد الكبريتي المركز في أوردتي، ولذاب جسدي من الداخل حتى الإكسير لم يكن لينقذني!

​رفعت يدي اليسرى بحركة انتحارية يائسة، وأمسكت بالإبرة الفولاذية الغليظة بيدي العارية!

​تشششششششششششش!

​الاحتكاك بين الإيترا الكثيفة في كفي والفولاذ المندفع ولّد حرارة هائلة.

لكنني أوقفتها على بُعد سنتيمتر واحد من فخذي.

​"خطأ جراحي،" علق الجراح ببرود.

​قبل أن أتمكن من سحق الإبرة بيدي، ضغط الجرّاح على زر التفريغ في تلك الذراع الآلية.

​السائل الأخضر الكاوي، المركز، اندفع من الإبرة ليس ليحقنني، بل ليُرش كمادة حمضية كاوية على ساقي وبطني!

​"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!"

​هذه المرة، الألم كان يتجاوز أي شيء اختبرته في حياتي.

​الأسيد لم يذيب ملابسي فقط؛ بل بدأ يأكل لحمي حياً! شعرت بالحمض وهو يلتهم طبقة الجلد، ويغوص في الأنسجة العضلية لساقي اليسرى، مصدرة أصوات "فورررران" مقززة، والدخان الأخضر يتصاعد من جسدي حاملاً رائحة شواء مقيئة!

​الإكسير السامي في دمي بدأ يحارب الأسيد.

الخلايا تلتئم، والأسيد يذيبها مجدداً.

حرب بيولوجية وحشية تحدث داخل لحمي وفي نفس الثانية!

الألم كان يجعل الرؤية تغيم وتتحول إلى اللون الأحمر المطلق.

​سقطت على ركبة واحدة في بركة الدماء، ألهث بعنف، وعيناي تذرفان دموعاً حارة من فرط العذاب الجسدي.

​ههههههههههه... ضحكة الكيان الكوني المظلم، المقيد في عقلي، ترددت بوضوح، تستمتع بعذابي.

هل ترين؟ جسدكِ البشري التافه يتمزق بواسطة لعبة ميكانيكية! فكي السلاسل... دعيني أتولى الأمر، وسأحوله إلى خردة في ثانية!

​"اخرس... لن أعطيك... السيطرة!" همست من بين أسناني التي كادت تتكسر من شدة الضغط عليها.

​الجراح لم ينتظرني لأتعافى.

استغل سقوطي على ركبتي، ورفع ذراع "المشرط الليزري" الهائلة، وهوى بها مباشرة نحو عنقي لقطع رأسي بحركة جراحية واحدة!

​كنت أصارع ألم الأسيد الذي لا يزال يأكل عضلات ساقي. لم أستطع رفع يدي في الوقت المناسب.

​وفي تلك اللحظة...

"مُت أيها الكابوس اللعين!"

​صوت صراخ هيستيري، ممزق بالدموع، انطلق من الجانب الآخر للمختبر.

كان "أيدن".

​أيدن، الجبان الذي كان يختبئ طوال المعركة، وقف على قدميه المرتجفتين، ووجه قفازاته الهولوغرافية نحو الجراح.

​ضخ أيدن كل الإيترا المتبقية في جسده، وخلق وهماً هائلاً!

​فجأة، من بين الجثث الممزقة للكيميرا، نهض "كايزر درافيون"! وهم مثالي، واقعي لدرجة مرعبة، للسامي حاكم إيليزيوم.

الوهم اندفع نحو الجراح، ملوحاً بسيف من النور المطلق!

​أجهزة الجراح الاستشعارية التقطت بصمة حرارية هائلة وإيترا مكثفة — قام أيدن بمحاكاتها بخداع بصري وحراري معقد.

​توقف المشرط الليزري على بُعد ملليمترات من عنقي!

حرارته أحرقت خصلات من شعري الفضي.

​الجراح، المبرمج على حساب مستويات التهديد،

صنف "وهم كايزر" كتهديد من الرتبة S+، واستدار فوراً بكامل أسلحته لصد هجوم الوهم السامي!

​المشرط الليزري اخترق الوهم.

تبدد وهم كايزر درافيون إلى غبار أزرق مضيء، ليقف الجراح في منتصف الفراغ.

​"تمويه بصري وحراري من الرتبة A. خطأ في التحليل،" نطق الجراح، واستدارت عدساته الليزرية بسرعة مرعبة نحو الزاوية التي يقف فيها أيدن يلهث ويسقط على الأرض من الإرهاق الإيترالي.

​"التشخيص: تدخل خارجي يعيق الجراحة. العلاج: استئصال المتطفل."

​الجراح تجاهلني تماماً، واستخدم أرجله العنكبوتية ليندفع كالسهم الأسود نحو أيدن العاجز!

​"لا!" زأرت.

​تجاهلت ألم الأسيد الذي يحرق ساقي. تجاهلت العضلات الممزقة في خاصرتي.

ضخخت طاقة الجاذبية، ودفعت نفسي في الهواء كالطلقة، منقضة نحو الجراح لاعتراضه قبل أن يصل إلى أيدن.

​أنا لا أهتم بحياة أيدن كصديق، فهو مجرد بيدق تافه. لكن... هو بيدقي.

لا يحق لأي كائن في هذا الكون الملعون أن يلمس أتباعي أو يكسر ألعابي أمامي!

​وصلت إلى الجراح في منتصف المسافة بيني وبين أيدن.

​تلاحمنا في الهواء.

معركة التحام جسدي بين سامي الجاذبية وسايبورغ من الرتبة S.

​المشهد كان دموياً، مدمراً، ومروعاً.

​الجراح استخدم أرجل العنكبوت الفولاذية كحراب ليطعنني.

كنت أصدها بيدي العاريتين المغلفتين بإيترا الجاذبية المكثفة.

كل تصادم كان يصدر دوي انفجار يمزق البلاط، الجدران، وسقف المختبر!

​كرااااااش! بووووووووم!

​اصطدمنا بأحد الأعمدة الخرسانية الداعمة للمستشفى.

العمود، المصمم لتحمل زلازل، تفتت كالبسكويت تحت قوة اصطدامنا.

​"توقفي عن الحركة يا مريضتي،" قال الجراح بصوته الهادئ، بينما كنا نتدحرج وسط الأنقاض.

​إحدى أرجله العنكبوتية المدببة تمكنت من اختراق دفاعي... وانغرزت مباشرة في كتفي الأيمن!

​الفولاذ الأسود اخترق اللحم والعظم، وخرج من ظهري!

​"آآآآآآآآغ!" بصقت دماً قرمزي حاراً على العدسات الليزرية في وجهه البشري الميت.

​الألم كان ساحقاً، يغمر وعيي بالسواد.

لكن الغضب... الكبرياء الشيطاني الذي يرفض الخضوع لأداة طبية، اشتعل كالجحيم في قلبي.

​بينما كانت ساقه الفولاذية تخترق كتفي وتثبتني في الأرضية المحطمة، والمناشير تقترب لتمزيقي...

​رفعت يدي اليسرى السليمة، ولم أوجهها نحوه... بل وجهتها نحو سقف المختبر! السقف السميك الذي يفصلنا عن الطابق B2 مزارع الدماء.

​"إذا كنت تحب الجراحة كثيراً..." هدرت والدم يسيل من كل مسام وجهي، وابتسامة سادية، مجنونة، وملطخة بالدماء تشق وجهي.

"... فدعني أريك كيف أُشرح هذا المبنى الملعون!"

​"سقوووووووط النيزك!"

​لم أضاعف الجاذبية للأسفل.

بل عكست الجاذبية المطلقة في دائرة قطرها خمسون متراً فوقنا، محولة إياها إلى "نقطة سحق علوية"!

​الجراح حاول التراجع، أدرك الخطر، لكنني أمسكت بساقه المغروزة في كتفي بكلتا يدي لكي أمنعه من الهرب، متجاهلة العذاب الذي يمزق لحمي.

​السقف الخرساني، المعزز بالتيتانيوم والتعويذات السامية، بدأ يئن بصوت يشبه بكاء آلهة محتضرة.

ثم... بدأ يتمزق.

​كراااااااااااااااااااااااااااااااااااااك!

​شبكة التيتانيوم التوت، والخرسانة تحطمت، والسقف الهائل بأكمله... هبط!

​أطنان من الحطام، المعدن، وكتل الخرسانة المسلحة التي تزن مئات الأطنان، هبطت كنيزك مدمر... مباشرة فوقنا أنا والجرّاح!

​لم يكن انهياراً عادياً.

الجاذبية التي استخدمتها سرعت السقوط وجعلت وزن الركام يتضاعف ألف مرة!

​بببببووووووووووووووووووووووووووووووووووووووم!

​الانفجار كان أعظم من أي شيء شهده الطابق B3.

موجة صدمية هائلة اكتسحت المختبر، محطمة كل الخزانات الزجاجية، والأنابيب، وما تبقى من الكيميرا الميتة.

أيدن تطاير كدمية قماشية ليستقر بعيداً عن منطقة الانهيار.

​المستشفى بأكمله... من الطابق B1 وصولاً للسطح، ارتجف بعنف كأن زلزالاً مدمراً ضرب أساساته.

​سحابة هائلة من الغبار، الدخان الأسود، والشرر الكهربائي غطت منطقة الاصطدام بالكامل.

​الصمت هبط مجدداً. صمت الموت.

​وسط تلال الركام الخرساني الهائل الذي انهار علينا، والفولاذ الملتوي...

​كنت أستلقي تحت كومة من الحجارة التي سحقتها جاذبيتي لأصنع لنفسي جيباً صغيراً للنجاة.

​كنت أتنفس بصعوبة بالغة.

حشرجة دموية تخرج من صدري.

​معطفي تدمر بالكامل.

القميص الحريري تمزق.

ساقي اليسرى كانت محترقة بالأسيد وتكشف عن العضلات الوردية، وكتفي الأيمن كان ينزف بغزارة من الثقب الفولاذي.

الدماء كانت تغطي كل إنش من جسدي.

الإكسير السامي كان يعمل بجنون داخل عروقي، يحاول ترميم هذا الدمار الشامل، لكن سرعة الاستنزاف كانت تقارب سرعة العلاج.

كنت أختبر العذاب المطلق في كل خلية.

​حركت يدي بصعوبة، ودفعت كتلة خرسانية عن صدري، محاولة النهوض في وسط الضباب الإسمنتي الخانق.

​أخبرتكِ...همس الكيان الكوني بسخرية منتصرة في رأسي. أنتِ ضعيفة. لحمكِ يتمزق. دماءكِ تسيل. ستُذبحين هنا، وتضيعينني معكِ. اتركيني أتولى الأمر!

​"أفضل الموت... على أن أكون قشرتك..." بصقت دماً على الركام، ونهضت على ركبتي المرتجفتين.

​انقشع الغبار قليلاً.

​نظرت أمامي.

​هل مات؟ هل سحق نيزك الخرسانة ذلك الكابوس الميكانيكي؟

​من بين أكوام الركام الذي يزن أطناناً...

سُمع صوت احتكاك معدني يثير القشعريرة.

​كليييييك... خشششششش...

​أطنان الخرسانة أُزيحت جانباً بقوة هيدروليكية جبارة.

​وظهر "الجرّاح".

​كان محطماً.

هيكله العنكبوتي الأسود انبعج تماماً.

ثلاث من أرجله الثمانية كانت مكسورة ومقطوعة، تسرّب زيوتاً سوداء.

اثنتان من أذرعه الجراحية سُحقتا.

النصف البشري الميت كان مغطى بالغبار، ونظارته الطبية انكسرت من جهة واحدة.

قلبه الميكانيكي الأزرق كان ينبض بسرعة غير منتظمة ويطلق شرراً كهربائياً.

​لكنه... كان لا يزال واقفاً.

لا يزال حياً.

​"صدمة خارجية هائلة. تلف هيكلي بنسبة 40%. إعاقة في الأطراف الحركية،" نطق الجراح، وصوته الآلي أصبح متقطعاً ومشوشاً بسبب تلف مكبرات الصوت، مما جعله يبدو أكثر رعباً، كصوت شريط تسجيل تالف من الجحيم.

​ثبت عدسته الليزرية المحطمة نحوي.

أنا، التي كنت أجثو على ركبتي، أنزف، وعاجزة تقريباً عن استدعاء شرارة جاذبية أخرى من فرط الاستنزاف الجسدي، رغم محاولات الإكسير اليائسة.

​رفع الجراح ذراعه التي تحمل "المنشار العظمي الدوار"، والذي كان لا يزال يعمل بصوت أزيز مرعب.

​"المريضة لا تزال تتنفس. خطأ في الإجراءات الطبية..." قال الجراح وهو يتقدم نحوي بخطوات عرجاء لكنها قاتلة.

​"التشخيص النهائي: استئصال جذري ومباشر."

​كنت أنظر إليه وهو يقترب.

أدركت في تلك اللحظة المجردة، وبوضوح قاطع، معنى كلمة "الرتبة S".

​هذه الوحوش لا تُمحى بضربة حظ.

لا تُسحق بانهيار سقف.

إنها كوابيس صُممت للبقاء والتمزيق حتى آخر دائرة كهربائية فيها.

​أغلقت عيني، وأنا أستعد للنهوض، لمواصلة هذه المذبحة حتى يذوب لحمي بالكامل، أرفض الاستسلام للكيان المظلم، وأرفض الموت تحت مشرط هذا الخردة المريضة.

​المعركة لم تنتهِ. مسلخ الكيميرا كان لا يزال يطالب بالمزيد من الدماء، وجسد السامي كان لا يزال لديه بضع قطرات ليقدمها.

2026/06/02 · 7 مشاهدة · 2297 كلمة
ash
نادي الروايات - 2026