الفصل 40: مستشفى القديس إيلاريوس (3)
- منظور فاليسيرا -
لطالما اعتبرتُ السقوط إهانة شخصية لي.
أنا سيدة الجاذبية. أنا من يقرر ما يرتفع وما يهبط، وما يُسحق وما يطفو.
لكن في بئر ذلك المصعد الملعون، عندما انقطعت الكابلات وتم تفعيل المثبتات الزمكانية التي شلت قدرتي على طي الفضاء، أُجبرت على تذوق طعم العجز لثوانٍ معدودة.
شفرات الليزر الحمراء الهائلة التي انطلقت من جدران البئر شطرت كابينة المصعد الفولاذية العملاقة إلى ثلاثة أجزاء كما تُشطر كعكة هشة.
رأيت وميض الشفرة يخترق المعدن بجواري، ورأيت كايل يسحب تلك القناصة الباكية "إيفا" معه في الجزء الذي انزلق نحو اليمين.
أما داميان وسيا، فقد هويا في الجزء الأيسر وسط الظلام.
وأنا؟
أنا بقيت في الجزء الأوسط، الذي هوى بشكل عمودي، حاملاً معه أيدن الذي كان يصرخ كخنزير يُساق إلى الذبح.
الهواء كان يعوي حولنا. الظلام المطلق ابتلعنا.
لكنني لم أكن خائفة.
"إكسير دموع الفجر" من الرتبة S، الذي ابتلعته في عربة القطار، كان لا يزال ينبض في عروقي كنهر من النور السائل.
الإرهاق؟ تلاشى. الجروح؟ التأمت من مستوى الحمض النووي.
والأهم من ذلك... الكيان الكوني المظلم، ذلك الطفيلي القديم الذي يسكن جمجمتي والذي طالما حاول افتراسي وتخطي إرادتي، كان الآن مقيداً بسلاسل من طاقة الحياة المطلقة، يئن في أعمق زاوية من وعيي، مسجوناً ومُخرساً.
كنت في ذروة قوتي.
كنت سامية حرب تهوي في الظلام، مستعدة لمعاقبة من تجرأ على إسقاطها.
"سنموووووت!" زأر أيدن، وهو يسبح في الهواء بانعدام الجاذبية، دموعه ومخاطه يتطايران في كل اتجاه.
عندما اقتربنا من القاع، وشعرت أن تأثير المثبتات الزمكانية في البئر قد ضعف...
ضخخت إيترا الجاذبية في قدميّ.
لم أبطئ سقوط الكابينة.
بل وجهت كل قوة الجاذبية المعكوسة نحو جسدي فقط، لأثبت قدمي على أرضية المصعد الهاوي، ثم ضاعفت كثافة كتلتي لأجعل الجزء الخاص بنا يهبط كنيزك متعمد، أتحكم أنا في صدمة ارتطامه.
ببببووووووووووووووم! كرااااااااااااش!
الارتطام كان كارثياً.
الجزء الفولاذي الذي يحملنا اصطدم بقاع خرساني سميك.
الفولاذ التوى، وتمزق، وانطوى على نفسه محدثاً دوياً شق طبلة الأذن.
قوة الصدمة كانت كفيلة بتحويل أي بشري عادي إلى معجون من العظام واللحم.
لكنني... كنت أقف هناك.
حائط صد من الجاذبية الكروية غلفني بالكامل في الجزء الأخير من الثانية.
لم تتسخ شعرة فضية واحدة من رأسي.
معطفي الأبيض الجديد الذي سرقناه ظل ناصعاً، لم تمسه ذرة غبار.
أما أيدن... فقد اصطدم بحائط الجاذبية الخاص بي بدلاً من الفولاذ، وسقط على الأرضية المعدنية المحطمة يلهث، يسعل دماً من أنفه، وأضلاعه تئن من شدة الكدمات، لكنه كان حياً.
الظلام انقشع تدريجياً.
أبواب الكابينة المحطمة سقطت للأمام بصرير مريع، كاشفة عن الطابق الذي ابتلعنا.
خرجت ببطء. كعب حذائي الأسود داس على لوح معدني ملتوٍ.
الهواء هنا... لم يكن هواءً.
كان مزيجاً كيميائياً مقززاً. رائحة الفورمالديهايد الحادة — المستخدمة لحفظ الجثث — كانت تضرب الجيوب الأنفية كصفعة، مختلطة برائحة اللحم المتعفن، الإيترا الطبية المعقمة، ورائحة النحاس والدم المجفف.
رفعت عيني القرمزيتين، وبدأت أستكشف "القبو الثالث".
الطابق B3.
لم يكن مظلماً تماماً.
كانت الإضاءة فلورية بيضاء، قوية، ساطعة، وخالية من أي دفء، كإضاءة غرف العمليات.
المكان كان واسعاً جداً، يمتد كعنابر مصنع طائرات، لكنه لم يكن يحتوي على آلات ميكانيكية.
كان مليئاً بطاولات العمليات المعدنية الباردة.
مئات الطاولات، مصفوفة في صفوف هندسية دقيقة.
وفوق كل طاولة، كانت تتدلى أذرع آلية تنتهي بمشارط ليزرية، مناشير عظمية دوارة، وحقن هائلة الحجم مليئة بسوائل فلورية خضراء وسوداء.
الجدران كانت مبطنة بالكامل بخزانات زجاجية أسطوانية ضخمة.
مشيت بخطوات بطيئة نحو أقرب خزانة زجاجية.
بداخل السائل الحافظ الأخضر، كان يطفو شيء يجعل المعدة تنقلب رأساً على عقب.
لم يكن بشراً، ولم يكن وحشاً من الزنزانات.
كان "كيميرا". هجين بيولوجي كابوسي.
رأيت جذع امرأة شابة، قُطع رأسها، وخُيط مكان عنقها رأس ذئب رماد مشوه بفكوك إضافية.
ذراعاها استبدلتا بمخالب غول صخري، وبطنها كان مفتوحاً ومحشواً بأسلاك إيترالية تنبض بالطاقة لتبقي هذا الجسد الميت... حياً.
"يا إلهي... أين نحن..."
سمعت صوت أيدن المرتعش من خلفي.
كان يزحف خارج حطام المصعد، وجهه شاحب كورقة بيضاء، ونظارته الدائرية مشروخة.
نهض بصعوبة بالغة، ونظر إلى الخزانات الزجاجية، ثم إلى طاولات العمليات الملطخة بالدماء الطازجة والأحشاء المتروكة بإهمال.
"مختبرات الكيميرا،" قلت ببرود جليدي، وأنا أمرر أصابعي المغطاة بالقفاز الأسود على زجاج الخزانة.
"هنا تُجرى تجارب دمج الحمض النووي البشري مع إيترا وحوش الزنزانات. يقطعون المرضى أحياء، ويدمجونهم مع أطراف الوحوش لصنع أسلحة بيولوجية لا تعرف الألم."
أيدن وضع يده على فمه، وركض نحو زاوية قريبة، وبدأ يتقيأ بعنف، يفرغ عصارة معدته على البلاط الأبيض المعقم.
"نحن... نحن في قاع الجحيم... فاليسيرا... سنموت هنا... أنا لم أرد هذا... كنت أريد فقط وظيفة مستقرة... راتباً... تقاعداً..." كان يبكي كطفل ضائع، يرتجف بهستيريا، واللعاب يتدلى من فمه.
نظرت إليه.
الاشمئزاز الذي شعرت به تجاهه في تلك اللحظة كان أعمق من اشمئزازي تجاه الكيميرا الميتة في الزجاج.
"قف على قدميك، أيها الحثالة،" هدرت بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقلاً جعل أيدن يتيبس في مكانه.
"الضعف هنا لا يستدعي الشفقة. الضعف هنا يستدعي مشرط الجراح. إذا أردت أن تموت باكياً، سأمزقك بنفسي لأوفر عليهم عناء تشريحك."
مسح أيدن فمه بكم قميصه الممزق، وأومأ برأسه برعب، وسحب مسدسيه الرشاشين، رغم أن يديه كانتا ترتعدان لدرجة أنه كاد يسقط السلاح.
"سـ... سيدتي... هل تظنين أن إيفا وداميان وسيا... أحياء؟" سأل بصوت مختنق.
"من يهتم؟" أدرت ظهري له، وبدأت أمشي في الممر الفاصل بين طاولات العمليات الملطخة بالدم.
"إذا كانوا يستحقون الحياة، فسيخرجون. وإذا كانوا ضعفاء، فهذا المسلخ سيغربلهم. كل ما يهمني الآن هو النزول طابقاً بطابق، حتى أقف أمام القديس إيلاريوس وأحطم جمجمته."
بينما كنا نمشي في ذلك الصمت المعقم والمقزز...
بزززززز!
أضواء غرف العمليات البيضاء انطفأت فجأة بفرقعة حادة.
لثانية واحدة، غرقنا في الظلام.
ثم، اشتعلت إضاءة طوارئ حمراء، دموية، تغسل المختبر الهائل بلون الموت.
ومن مكبرات الصوت المخبأة في السقف، انطلق صوت آلي، خالي من الروح، لكنه يحمل نبرة احترافية مريضة:
[ تم رصد اختراق بيولوجي في الجناح B3. عينات غير مصرح بها. تفعيل بروتوكول الحصاد المبكر. تنشيط جميع المشاريع غير المكتملة في القاعة أ وب. ]
توقفتُ في مكاني.
عيناي القرمزيتان ضاقتا، وابتسامة سادية، صغيرة وباردة، ارتسمت على شفتي.
"تنشيط؟" همس أيدن، وعيناه تدوران في المكان بهلع. "ماذا... ماذا يعني تنشيط؟!"
لم يحتاج للانتظار طويلاً للحصول على إجابة.
خشششششش... كرااااااك!
الصوت بدأ من طاولات العمليات القريبة منا.
الجلود الجلدية السوداء التي تُستخدم لربط المرضى تمزقت بقوة وحشية.
الأنابيب البلاستيكية التي كانت تضخ السوائل الخضراء والمخدرات في أوردة "الجثث" الممدة، انتُزعت بعنف، لتتناثر السوائل الكيميائية على البلاط.
أجساد الكيميرا... الكائنات المشوهة التي ظنناها ميتة أو في غيبوبة عميقة... بدأت تتحرك.
نهض أحدها من على الطاولة التي تبعد عنا خمسة أمتار فقط.
كان رجلاً في منتصف العمر، أو بالأحرى، كان رجلاً.
نصفه الأيمن بشري تماماً، عارٍ ومغطى بغرز جراحية قبيحة ومتقيحة.
لكن نصفه الأيسر... كان ذراع وساق وحش "غارغويل" صخري ضخم!
العمود الفقري للرجل كان مثقوباً بمسامير فولاذية تتصل ببطارية إيترالية محفورة في ظهره لتجبر أعصابه الميتة على الحركة.
فتح الرجل عينيه.
لم تكن عيوناً بشرية؛ كانت مجرد بؤبؤين أبيضين محتقنين، يقطران دماً.
الفك السفلي كان مكسوراً ويتدلى بشكل مقزز، ليسمح لخيوط من اللعاب الأخضر بالسقوط.
لم يكن الوحيد.
من كل طاولة، ومن كل زاوية مظلمة في ذلك المختبر الهائل الذي يحتوي على مئات الأسرة، بدأت هذه المسوخ بالنهوض.
رأيت امرأة تم استبدال أطرافها الأربعة بشفرات فولاذية تشبه أطراف فرس النبي، تزحف على الجدران.
رأيت جسد طفل صغير دُمج بطريقة بشعة مع أحشاء كلب رماد، يلهث ويصدر زئيراً لا يتناسب مع حجمه.
رأيت كتلاً من اللحم البشري مخيطة معاً لتكوين جدار بشري متحرك يمتلك عشرات الأذرع التي تبحث عن شيء لتمزيقه.
"يا إلهي... يا إلهي..." تراجع أيدن للخلف، ومسدساه موجهان بعشوائية.
"هذا جيش! جيش من الكوابيس! كيف سنقاتل كل هؤلاء؟!"
بدأت المسوخ بالتحول نحونا.
مئات الوجوه الميتة، المشوهة، والتي تفتقر لأي عقل، ركزت غريزتها المصطنعة والمبرمجة على شيء واحد: إبادة الدخلاء.
زمجرة جماعية، متداخلة، يختلط فيها أنين البشر بصراخ الوحوش، زلزلت المختبر ذو الإضاءة الحمراء.
ثم... اندفعوا!
كسيل من اللحم المتعفن، والعظام المكشوفة، والمعادن الصدئة، انقضت الكيميرا نحونا من كل الاتجاهات!
سرعتهم لم تكن طبيعية؛ البطاريات الإيترالية المغروزة في ظهورهم كانت تضخ طاقة قسرية تجعل عضلاتهم تنقبض بقوة تمزق أوتارهم نفسها، لكنهم لا يشعرون بالألم!
"أيدن! أوهامك!" صرخت ببرود.
أيدن أغمض عينيه وهو يبكي، وضخ إيترا زرقاء من قفازاته الهولوغرافية.
"انقسام السراب!" صرخ.
فجأة، ظهرت عشر نسخ مني ومن أيدن في المختبر، تركض في اتجاهات مختلفة لتشتيت انتباه القطيع.
لكن... الكارثة وقعت.
الكيميرا التي انقضت نحونا لم تتوقف.
لم تلتفت للنسخ الوهمية!
مرت إحدى الكيميرا ذات المخالب الصخرية مباشرة عبر وهم لأيدن، وانقضت نحو أيدن الحقيقي، مخالبها موجهة لتمزيق رأسه!
"إنهم لا يرون الأوهام!" صرخ أيدن بهستيريا وهو يلقي بنفسه على الأرض متفادياً الضربة بصعوبة، لتصطدم المخالب بالطاولة المعدنية وتقسمها نصفين.
"إنهم لا يعتمدون على الرؤية البصرية! مستشعراتهم مبرمجة على بصمة الحرارة ونبض الإيترا الحقيقي! أوهامي بلا فائدة!"
جبان عديم الفائدة، فكرت باشمئزاز.
نظرت إلى جيش اللحم المشوه الذي يندفع نحوي.
الرائحة المقززة اقتربت، وصرخاتهم المبرمجة ملأت أذني.
اقتلِهم... همس الكيان الكوني في أعمق نقطة في عقلي، صوته كان ضعيفاً ومقيداً بسلاسل الإكسير، لكن ساديته كانت تتسرب.
حولي هذا الرخام إلى طين أحمر... دعيني أستمتع بالدم...
"سأفعل ذلك... ولكن بأسلوبي،" همست بابتسامة جليدية.
لم أتراجع خطوة واحدة. لم أستل سلاحاً مادياً.
مددت يدي اليمنى للأمام، وفتحت أصابعي الخمسة ببطء، كقائد أوركسترا يستعد لبدء معزوفة ملحمية.
"الخضوع،" نطقت الكلمة بهدوء تام.
في اللحظة التي أغلقت فيها قبضتي...
سححححححححق! بووووووووووووم!
لم أستهدف وحشاً واحداً.
استهدفت مساحة دائرية قطرها خمسون متراً أمامي مباشرة!
في جزء من الألف من الثانية، تضاعفت الجاذبية الأرضية في تلك المنطقة إلى مائة وخمسين ضعفاً!
المشهد لم يكن قتالاً؛ كان إبادة فنية، دموية، وسادية خالصة.
عشرات الكيميرا التي كانت تقفز في الهواء نحوي، أو تركض بسرعة جنونية... توقفت فجأة كأنها اصطدمت بجدار زجاجي غير مرئي.
ثم... هبطت.
لا، لم تهبط. بل سُحقت ضد البلاط الأبيض!
كراااااااااااااااااااااااااااك!
صوت تحطم مئات العظام في نفس الثانية كان مدوياً لدرجة أنه طغى على صوت الإنذار.
الكائنات التي كانت تمشي، سُحقت للداخل. الجماجم البشرية تفتت كقشور بيض ضعيفة، والعقول تناثرت وتلاشت تحت الضغط.
العضلات الصخرية انشقت، والمخالب انكسرت.
الدروع المعدنية الملتصقة بأجسادهم انبعجت وطُحنت لتخترق أحشاءهم.
البلاط الأبيض المعقم تحول في ثانية واحدة إلى بركة حمراء، لزجة، ومقززة من العظام المطحونة، اللحم المفروم، والأسلاك المتشابكة! الدماء اندفعت كأمواج صغيرة لتلامس حذاء أيدن الذي كان يزحف للخلف وهو يصرخ رعباً ليس من الوحوش... بل مني!
أعدت قبضتي، فتلاشت الجاذبية.
المنطقة أمامي كانت عبارة عن حفرة دائرية ضحلة مليئة بـ "عصير" بيولوجي ومعدني. لا توجد جثة واحدة كاملة. فقط طين من اللحم.
"هذا... هذا جنون..." همس أيدن، يرتجف بشدة.
"هذا هو الفن،" التفتت إليه ببرود.
"تعلم كيف تُبيد، ولا تكتفِ باللعب بالسراب."
لكن... المختبر كان هائلاً.
الأمواج الأولى أُبيدت، لكن العشرات غيرها كانت لا تزال تتدفق من الممرات الخلفية وغرف الحفظ.
أحد الكيميرا، الذي يمتلك ذراعي حشرة عملاقة كالمناجل، قفز من سقف المختبر مستهدفاً عنقي من الخلف.
لم أستدر. لم أكلف نفسي عناء النظر إليه.
رفعت إصبعي السبابة.
انشطار زمكاني.
شزززززززززززت!
خط أسود، رفيع كالشعرة، خالي من أي مادة، ظهر في الهواء خلف ظهري مباشرة.
الكيميرا الذي كان يهوي نحوي بسرعة جنونية... مرّ عبر هذا الخط الأسود.
سلااااااااااش!
لم يسقط فوقي.
سقطت نصف جثته اليمنى على يميني، ونصف جثته اليسرى على يساري!
القطع كان مثالياً، نظيفاً لدرجة أن الدم لم يتدفق إلا بعد أن لامست القطعتان الأرض بثانية كاملة، لتنفجر الشرايين المقطوعة بدقة ذرية.
الانشطار الزمكاني لا يقطع اللحم؛ إنه يلغي وجود المساحة التي تفصل بين الذرات!
انطلقت.
لم أنتظرهم ليصلوا إليّ.
أصبحت أنا العاصفة التي تقتلع هذا المختبر.
كنت أمشي بخطوات واثقة، أنيقة، ومعطفي الأبيض يرفرف خلفي.
كل وحش يقترب من يميني، كنت أرفع يدي وأطوي الفضاء حول رقبته.
بصوت "كراك" مروع، كانت الرقاب تلتوي بزاوية 360 درجة، وتُقتلع الرؤوس لتدور في الهواء قبل أن تسقط.
كل مجموعة تتكتل أمامي، كنت أرسل إليهم "قذيفة جاذبية".
كرة غير مرئية من الضغط المطلق، تخترق صدورهم، محدثة فجوات دائرية مثالية، تسحب أعضاءهم الداخلية—القلوب، الرئات، الأمعاء—وتضغطها في كرات لحمية صغيرة بحجم كرات التنس، لتسقط خلفهم بينما تتهاوى أجسادهم المجوفة.
الدم كان يغطي الجدران، طاولات العمليات، والأسقف.
رائحة الموت كانت كثيفة لدرجة أنها أصبحت مرئية كضباب أحمر.
لكنني كنت أبتسم.
النشوة كانت تغمرني.
القوة المطلقة، الخالية من ألم تمرد الكيان، كانت مُسكرة كأغلى أنواع النبيذ المعتق.
كنت أرقص رقصة الموت، لا ألمس جثة، ولا أتلقى خدشاً.
درع جاذبية خفي وملاصق لجلدي كان يرد أي رشقات من حمض أو شظايا عظام يحاولون رميها نحوي.
أيدن كان يركض خلفي، يطلق النار من مسدسيه الرشاشين على الكيميرا الزاحفة أو المحتضرة التي تركتها خلفي.
كان يصرخ بهستيريا مع كل طلقة، دموعه تغسل وجهه، وجسده كله يرتعش.
"موتوا! موتوا أيها المسوخ!" صرخ أيدن وهو يفرغ مخزناً كاملاً في جمجمة طفل مدمج مع وحش، ليتحول رأس الطفل إلى عجينة دموية.
أيدن سقط على ركبتيه وبدأ يبكي بحرقة.
"يا إلهي... لقد قتلت طفلاً... أنا قتلت طفلاً..."
"لم يكن طفلاً،" قلت ببرود وأنا أسحق كيميرا آخر بقدمي.
"كان مجرد مادة عضوية مبرمجة لقتلك. إذا استمررت في هذا الضعف الأخلاقي التافه، سأتركك هنا لتبكي بينما يأكلون ما تبقى من وجهك."
بعد عشر دقائق من المذبحة الطاحنة... ساد الصمت.
أرضية المختبر الذي يعادل حجمه ملعبين، كانت مغطاة بالكامل ببحر من الدماء اللزجة، اللحم المفروم، الأطراف المبتورة، والمعدات المحطمة.
لا شيء كان يتنفس سواي أنا وأيدن.
وقفت في منتصف هذه الإبادة الجماعية.
معطفي الأبيض لا يزال ناصعاً بفضل درع الجاذبية الذي صد كل قطرة دم.
تنفست بهدوء، مستمتعة برائحة النحاس والموت.
"لقد... لقد قتلناهم جميعاً..." همس أيدن، وهو ينهض بصعوبة بالغة، منزلقاً في برك الدماء.
"فاليسيرا... أنتِ... أنتِ وحش... أقصد... أنتِ سامية! لقد أبَدْتِ جيشاً وحدك!"
التفتت إليه ببطء.
"الجيوش للضعفاء يا أيدن. القوة المطلقة لا تحتاج إلى أعداد."
ابتسم أيدن ابتسامة مكسورة ومريحة، كأنه وجد أخيراً طوق النجاة الذي سيخرجه من هذا الجحيم. تقدم خطوة نحوي، ومسح الدم عن نظارته.
"نستطيع الخروج... بهذا المستوى من القوة، أنتِ قادرة على شق المستشفى نصفين! دعينا نجد المصعد التالي وننزل... سنبيدهم جميعاً!"
لكن... في تلك اللحظة المجردة.
وسط بحر الدماء، والصمت الذي خيّم على المختبر المدمر.
التقطت حواسي شيئاً.
شيئاً جعل درع الجاذبية المحيط بجلدي... يرتجف.
لم يكن صوتاً عالياً.
كان صوتاً ميكانيكياً، هادئاً جداً، دقيقاً، وإيقاعياً.
تِك... وِييير... كليييك...
تِك... وِييير... كليييك...
الصوت كان يأتي من سقف المختبر.
من بين الظلال الكثيفة التي تغطي الأنابيب العلوية وفوهات التهوية.
ضاقت عيناي القرمزيتان.
هذا لم يكن كيميرا عادياً.
الإيترا التي بدأت تتسرب من السقف لم تكن إيترا حيوانية أو فوضوية كباقي المسوخ.
كانت إيترا مركزة، دقيقة، وباردة كشفرة جراح من الرتبة S المطلقة!
"أيدن. تراجع ببطء،" همست بصوت يحمل تحذيراً حقيقياً لأول مرة.
"ما... ماذا؟" توقف أيدن، وابتسامته تلاشت ليحل محلها رعب بدائي.
فجأة، الأضواء الحمراء في قسمنا من المختبر انطفأت.
اشتعل مصباح جراحي دائري هائل، يتدلى من السقف.
مصباح أبيض ساطع، مركز، يُستخدم في أعقد العمليات الجراحية، سُلط بقعته المضيئة مباشرة علينا.
ومن الظلام المطلق فوق المصباح الجراحي... هبط هو.
لم يسقط كباقي الوحوش. نزل ببطء، معلقاً بأسلاك حريرية فولاذية تنبعث من مؤخرته.
"الجـرّاح".
هكذا تُسمي ملفات كيريون السرية هذا الكابوس.
حجمه كان يوازي حجم شاحنة مدرعة.
النصف السفلي من جسده كان عبارة عن هيكل ميكانيكي عنكبوتي أسود ولامع، يمتلك ثماني أرجل فولاذية مدببة تنتهي بمخالب قادرة على اختراق التيتانيوم كأنه زبدة.
لكن النصف العلوي... كان بشرياً.
أو بالأحرى، جثة بشرية مشدودة فوق هيكل آلي.
الصدر كان عارياً، شاحباً كالموت، ويحتوي على قلب ميكانيكي مكشوف ينبض بسائل أزرق مضيء.
الرأس كان لرجل في الخمسينيات، أصلع، يرتدي نظارات طبية جراحية حقيقية، لكن عينيه خلف النظارات كانتا مجرد عدسات ليزرية تمسح المكان بدقة ميكروسكوبية.
أما أذرعه... لم تكن ذراعين فقط.
من كتفيه وظهره، امتدت ستة أذرع آلية متعددة المفاصل.
كل ذراع لم تكن تنتهي بيد، بل تنتهي بأداة جراحية كابوسية بحجم الإنسان:
ذراع تحمل مشرط ليزر يقطع بـدرجة حرارة 5000 مئوية.
ذراع تحمل منشاراً عظمياً دواراً يقطر صديداً.
ذراع تحمل حقنة هيدروليكية ضخمة مليئة بحمض كبريتي أخضر.
وأذرع تحمل ملاقط هائلة قادرة على تمزيق السيارات.
هبط الجرّاح بهدوء تام على أرضية المختبر المليئة بالدماء.
أرجله العنكبوتية الثمانية لامست البلاط بصوت "كليييك" معدني أنيق.
وقف أمامنا مباشرة، يفصلنا عنه عشرة أمتار فقط.
العدسات الليزرية في عينيه ركزت عليّ.
ومن فمه البشري الميت، انطلق صوت اصطناعي، مُخلّق إلكترونياً، لكنه يحمل نبرة طبيب مهذب، مهني، ومريض نفسياً:
"عذراً على التأخير. كنت منشغلاً في تشريح... عينة معقدة. أرى أنكم أحدثتم فوضى في غرفتي المعقمة."
عدّل الجرّاح نظارته الطبية بإحدى أذرعه الآلية الدقيقة، ثم وجه مشارطه الليزرية نحوي.
"المريضة رقم واحد... تمتلك مسارات إيترالية مشوهة، وشذوذاً زمكانياً في تركيبتها الخلوية. مثيرة جداً للاهتمام."
ثم نطق الجملة التي جمدت الدم في عروق أيدن تماماً:
"التشخيص: تشوه جيني عضال.
العلاج: استئصال كامل للأعضاء الحية. بدون تخدير.
فلنبدأ... الجراحة."
المحركات الهيدروليكية في أطرافه الثمانية صرخت بـ "أزيز" عالي التردد، والمشارط الليزرية أضاءت المختبر بوهج أبيض حارق، بينما استعد الكابوس ذو الرتبة S لتقطيعنا إلى شرائح تشريحية دقيقة.