دخل دان إلى غرفته واتجه مباشرة إلى المساحة الفارغة نفسها التي قضى فيها معظم الأيام الماضية.
كان يحاول جاهدًا محاكاة طبيعة “الهولوغرام” المستخدم في أجهزة الأكاديمية الحديثة، لكنه أدرك أن العيب الجوهري فيها يكمن في اعتمادها على مساحات ثابتة وأشكال جامدة تفتقر إلى المرونة. ومع ذلك، فإن حديثه الأخير مع الأستاذ لورين أنار له البصيرة وكشف موضع الخلل: بدلاً من محاكاة الهولوغرام تقنيًا، يجب أن يحاكي “الأرواح” نفسها.
بدأ دان بضخ مانا الفضاء إلى الخارج كعادته، فبدأت هيئة جسد بشري تتشكل أمامه، وكانت أطرافها هذه المرة أكثر دقة وإتقانًا من ذي قبل. لكن سرعان ما بدأ الجسد يتفكك مجددًا.
لم تفارق الابتسامة وجه دان، فهذه المرة كان يملك الحل.
استخدم مانا عنصر الظلال ودمجها ببراعة مع الجسد الذي يصنعه. ولأول مرة توقف التفكك، وبدأ الجسد يتماسك ويتشكل بوضوح أكبر. اتسعت ابتسامة دان، لكنها سرعان ما تلاشت حين انهار الجسد فجأة وتلاشى تمامًا.
تنهد دان بعمق، لكن اليأس لم يجد طريقًا إلى قلبه؛ فقد عثر أخيرًا على القطعة المفقودة. أدرك أن عيب الهولوغرام يكمن في كونه جسدًا اصطناعيًا: رغم اعتماده على عنصر الفضاء، فإن هذا العنصر لا يعدو أن يكون “أساسًا” للبناء، والحل يكمن في تعزيزه بعنصر آخر يمنحه الديمومة.
استمر دان في العمل على الهولوغرام ساعات طويلة حتى أشرق الصباح. رغم الفشل المستمر، لم ييأس أبدًا؛ بل كان يقترب خطوة بخطوة من الهدف.
وبعد محاولات عديدة، تمكن دان أخيرًا من صنع هولوغرام مستقر. ابتسم بسعادة رغم الإرهاق الشديد، وهو ينظر إليه. كان الهولوغرام بنفس طول دان، محاطًا بهالة من الظلام، لكن هناك مشكلة واحدة واضحة: لم يكن له معالم وجه.
“في الواقع، هذه ليست مشكلة كبيرة”، فكر دان. “توقعتُ هذا؛ فأنا لم أركز على محاكاة الوجه. عضلات تحريك الوجه تسبب الصداع فقط… لنتركه الآن.”
خرج دان إلى أحد الرفوف وأخرج قناعًا أسود لوجه مبتسم؛ كان قد اشتراه سابقًا تحسبًا لهذه اللحظة بالذات. وضعه على وجه الهولوغرام بعناية.
ثم استخدم عنصر الفضاء ليوجه ذراع الهولوغرام. رفع الهولوغرام يده على الفور. بعد أن جرب باقي الأطراف وتأكد من سيطرته، حركه ليفتح الخزانة ويرتدي الملابس. اختار له ملابس سوداء كاملة مع قلنسوة وقفازات، ليبدو أقل وضوحًا كونه هولوغرامًا.
ابتسم دان وقال:
“حسنًا يا صديقي، يبدو أنك جاهز. لكن… ماذا يجب أن أسميك؟”
نظر إلى القناع الذي يبتسم باستمرار، فكر لحظة، ثم قرر:
“حسنًا… من الآن فصاعدًا، اسمك ‘وجه مبتسم’. سأختصرها إلى ‘سمايل’.”
بعد أن استقر على الاسم وهو ينظر إلى الهولوغرام، فجأة… سقط دان من مكانه مغشيًا عليه.
استيقظ دان فجأة، وأول ما شعر به هو ألم حاد في رأسه.
“آه… رأسي يؤلمني. كم مضى عليّ نائمًا؟”
فتح عينيه ببطء، ونظر حوله في الغرفة. لم يتغير شيء؛ الهولوغرام — سمايل — لا يزال واقفًا في مكانه تمامًا كما تركه. لكن الضوء الخافت الذي كان يتسلل من النافذة اختفى، وحلّ مكانه ظلام كثيف.
“رائع… يبدو أن الليل قد حلّ. اللعنة، كم مرة أغمي عليّ حتى الآن؟”
فكر دان لحظة، ثم همس لنفسه:
“استهلكت المانا طوال الليل دون توقف… لا عجب أنني أغمي عليّ فجأة.”
نهض دان بصعوبة، متكئًا على يديه، ثم ركّز نظره على سمايل. لم ينتهِ الأمر بعد. كان لا يزال هناك الكثير ليجربه.
أغمض عينيه، وركّز تركيزه كله على الهولوغرام. فجأة، أصبح يرى من خلال عيني سمايل. القناع المبتسم يملأ مجال رؤيته، والغرفة تبدو مختلفة قليلاً من هذا المنظور — أكثر ظلامًا، أكثر عمقًا.
بدأ يمشي ببطء، عيناه مغمضتان في جسده الحقيقي، بينما يتحكم في حركة سمايل. خطا خطوات قليلة في الغرفة… ثم تعثر بأحد الكراسي وسقط على ركبته.
“حسنًا… النظر من منظور شخص آخر ليس سهلاً على الإطلاق.”
تنهّد، ثم قرر تجربة شيء آخر. فعّل مهارته “الوعي الثانوي”. في لحظة، شعر وكأن وعيين يتعايشان داخل رأسه: وعيه الأصلي في جسده، ووعي ثانوي يقيم في سمايل. غرابة الشعور جعلته يتردد لثانية، لكنه سرعان ما اعتاد عليه.
الآن كان يملك جسدين ووعيين في الوقت نفسه.
أمسك دان — بجسده الحقيقي — كرة صغيرة جلدية كان قد أعدها مع القناع سابقًا، ثم رماها نحو سمايل. في اللحظة ذاتها، تحرك الوعي الثانوي داخل سمايل، فمد يده بسرعة وأمسك الكرة ببراعة. ثم رماها مرة أخرى نحو دان.
لكن دان فشل في الإمساك بها؛ سقطت على الأرض وتدحرجت بعيدًا.
“هذا ليس بالسهل كما كنت أظن… أشعر بارتباك حقيقي. رغم ذلك، الأمر ممكن.”
استمر في رمي الكرة عدة مرات. في البداية كان التنسيق بين الوعيين مضطربًا، لكنه مع كل رمية أصبح أفضل. الارتباك تدريجيًا تحول إلى إحساس بالسيطرة.
“الآن… تبقى الخطوة الأخيرة. الجزء الأهم، الذي جعلني متحمسًا منذ البداية.”
ركّز دان مرة أخرى على سمايل، ونظر من خلاله. ثم فعّل عنصر الظلال.
تدفقت مانا الظلال نحو جسد سمايل، فالتفت حوله كدخان أسود حي، يتحرك بسلاسة مذهلة. شعر دان بحماس لا يُقاوم؛ لقد نجح أخيرًا. لديه الآن هولوغرام يحمل عنصر الظلال بشكل جوهري.
لكن شيئًا ما بدا مختلفًا.
“هذا… غريب. سلاسة عنصر الظلال أفضل بكثير مما كنت أشعر به عندما أستخدمه بنفسي.”
توقف لحظة يفكر.
“هل السبب أنني جعلت عنصر الفضاء أساس الجسد؟ ربما يعمل كوسيط أنقى…” توقف دان لحظة، ثم ابتسم ابتسامة عريضة. “حسنًا، دعنا نتحقق من الأمر بشكل علمي.”
اتجه إلى الدرج الصغير بجانب السرير، وأخرج جهاز قياس الموهبة القديم الذي يحتفظ به سرًا — قطعة معدنية صغيرة تشبه ساعة جيب، مزودة بكريستال شفاف في الوسط. كان يستخدمه نادرًا، لكنه الآن ضروري.
“سمايل، امسك بهذا.”
مد الهولوغرام يده المغطاة بالقفاز الأسود، وأمسك الجهاز بثبات. دان وضع يده على الكريستال، وبدأ يضخ مانا خفيفة داخل الجهاز، محولاً الطاقة عبر سمايل كوسيط.
توهج الكريستال بلون أزرق باهت أولاً، ثم تحول إلى أسود غامق مع خطوط فضية رفيعة. ظهرت الأرقام بوضوح:
عنصر الفضاء: 100%
عنصر الظلال: 88%
تجمد دان في مكانه، عيناه متسعتان.
“مهلاً… مهلاً مهلاً! هل زادت موهبة الظلال لسمايل بهذا الشكل الكبير؟ لا عجب أن الظلال لديه أكثر سلاسة وفعالية بكثير مما أشعر به عندما أستخدمها بنفسي!”
شعر بدقات قلبه تتسارع. لم يكن هذا مجرد هولوغرام محسن؛ كان تحسينًا جذريًا في التوافق مع العنصر.
“دعنا نجرب أكثر.”
ركّز دان مرة أخرى، وفعّل عنصر الظلال بكامل قوته نحو جسد سمايل. تدفقت المانا كدخان أسود كثيف، يلتف حول الهولوغرام كأنه رداء حي. الظلال لم تكن مجرد طبقة خارجية؛ بل أصبحت جزءًا منه، تتحرك بكثافة وسلاسة تفوق ما يستطيع دان فعله بنفسه بمراحل.
نظر دان إلى ظله الخاص على الأرض — من خلال عيني سمايل هذه المرة. الظل بدا أعمق، أكثر وضوحًا، كأنه ينتظر شيئًا.
اقترب سمايل ببطء من الظل، ثم انحنى نحوه. فجأة، بدأ جسد الهولوغرام يذوب في الظل كأنه يغوص في بحر أسود، دون أي مقاومة. اختفى تمامًا داخل ظل دان، تاركًا فقط ابتسامة القناع تتلاشى آخر ما يُرى.
ثم، في لحظة، عاد سمايل يخرج من الظل نفسه، يقف مرة أخرى أمام دان كأن شيئًا لم يحدث.
ابتسم دان ابتسامة واسعة، مليئة بالدهشة والحماس.
“هذا… رائع. يمكنني جعله يختبئ في ظلي متى شئت. لا أحد سيكتشفه، ويمكنه الخروج في أي لحظة.”
نظر إلى سمايل الذي وقف صامتًا، قناعه يبتسم كعادته.
“أنت لست مجرد هولوغرام بعد الآن، يا صديقي. أنت… شيء أكبر بكثير.”
ثم أضاف بصوت منخفض، كأنه يتحدث لنفسه:
“يجب أن أري المدير"
دان ركّز على سمايل، فدخل الهولوغرام إلى ظله بسلاسة تامة.
ثم خرج من غرفته.