"هاي أنتَ!، نعم أنتَ! إياك ولمس الضحايا قبل وصول السلطات المختصة!" كان المتحدث هو رجل في منتصف العمر يرتدي ثياباً رسمية للعمل وهو يُؤنب صبياً يبدو من مظهرهِ أنهُ في الخامسة عشرة من عمره والذي كان يحاول الوصول لموقع الحادث أمامه والذي كان عبارة عن تصادم سيارتين.

سيارة دفع رباعي هوندا وأخر سيارة تكسي شائعة ستجدها في كل مكان في شوارع لوس أنجلوس هما ما تسببا في هذا الحادث المروري.

صفير~ صفير~

وبعد أقل من خمسة دقائق من صياح الرجل يمكن سماع أصوات سيارات الشرطة والإسعاف وهي تقترب من مكان الحادث. كان أول من ترجل هم المسعفين يليهم الشرطة الذي سارعوا لتنظيم مكان الحادث.

" ليبتعد كل من ليس لها شأنٌ هنا على وجهي السرعة، المسعفون فالتقوموا بعملك بسرعة، هيا إنطلق دون تأخير!" صرخ رجل في الثلاثينات من عمره يرتدي الزي الرسمي لقوات الشرطة والذي يبدو من مظهرهِ أنهُ القائد بينهم.

إستمع المسعفون إلى أوامر قائد الشرطة وإن لم يكونوا بحاجة لذلك حقاً، فمن منهم لا يعلم واجبه وما يقتضيه عمله حتى؟

انقسم المسعفون إلى اتجاهين؛ مجموعة إلى سيارة الدفع الرباعي والأخرى إلى التكسي المقلوبة في زاوية الشارع لِيتفقدوا الداخل ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

"هنا!، لدينا شخصٌ حيُّ بحاجة إلى الإنقاذ!" كان المتحدث رجل في مقتبل العمر يرتدي زيَّ الإطفاء يقف بالقرب من مقعد السائق الذي كان بابه مخلوعاً بالفعل وهو يلوح بيده لمسعفين يحملان معهما سريراً متخصصاً لنقل الضحيايا لهكذا مناسبات.

إقترب المسعفين بسرعة وقاما بنقل سائق السيارة إلى واحدة من سيارات الإسعاف الثلاثة الوقفة بالقرب من مكان الحادث.

وكان الأمر نفسه بالنسبة إلى السيارة الأخرى إلا أن ركابها لم يكوني بذلك الحظ، فمن ستة ركاب كان إثنين قد توقف تنفسهُما بالفعل حتى قبل وصول الإسعاف، أما الأربعة الأخرون فرغم بقائهم على قيد الحياة فإن حالتهم ليست بالأمر الهين على الإطلاق!

بعد إكمال تركيب الأجهزة اللازمة لإبقاء سائق الهوندا على قيد الحياة عاد الثنائي من المسعفين، ولكن هذه المرة ذهبا في إتجاه سيارة التكسي ومعهما السرير بأقصى سرعة لإنقاذ هؤلاء الضحايا المساكين.

عند سير المسعفين إلى سيارة التكسي كان قادماً أربعة مسعفين يحمل كل زوج منهم صبياً صغيراً، كان هذان الصبيان يبدوان بعمر الثامنة أو السابعة فقط والأكثر لفتاً للانتباه هو التشابه بينهما فكل من أبعاد الجسم والشكل الخارجي لهما متطابق تقريباً مما يوضح أنهما كان من التوائم المتشابهين. لم يبدو على الطفلين أنهما قد تعرضا لايِّ جروحٍ خطيرة، لكنهما ما زالا فاقدين للوعي مع بعض الخدوش هنا وهناك.

وما هي إلا ثواني حتى مرَّ الثنائي بزوج آخر من المسعفين الذينِ هما كذلك يحملان سريراً ولكن هذه المرة توقف هذا الزوج الذي يحمل رجلاً أصلعاً وكبيراً في العمر لبره ليتكلم أحدهما لهذا الزوج القادم لتو بعد إرسال سائق العربة الإخرى.

" مايكل، هناك ثلاثة أشخاص آخرين في تلك التكسي، لكن إثنينِ منهما قد ماتا بالفعل والوحيد الحي هو الشاب في مقعد الراكب الأمامي، لذلك لتنقُلاه أولاً!"

أومئ رجل المدعو مايكل من الثنائي برأسه بإيجاب وصمت. لم يماطل المسعفون أكثر من ذلك وكل زوج ذهب لعمله.

وصل زوج المسعفين إلى سيارة التكسي وهم يقفون بالقرب من جهة مقعد الراكب الأمامي الذي فُتح بابه بالفعل من قبل رجال الإطفاء.

كانت هذه السيارة مقلوبة ومحطمة في الكثير من الجوانب ولم يكن الشاب الجالس في المقعد الأمامي مقيداً إلا بحزام الأمان الذي منعه من السقوط من مقعده بعد أن كانت السيارة مقلوبةً بالفعل.

"هاي مايكل؟" سأل زميل مايكل عندما ألقى نظرة على المقاعد الخلفية للسيارة وما تحتويها.

" تكلم وأنت تَعمل، فليس لدينا وقت للدردشة هكذا!" رد مايكل على زميله هذا بحده وهو يعمل على ازالة حزام الأمان ليستطيع بذلك إنزال هذا الشاب ونقله على وجه السرعة.

" نعم، نعم...إذن هل تعتقد أيضاً أنهم عائلة؟"

سأل المسعف مع أن اليقين واضح في نبرة صوته.

"بالتأكيد، ايُّ أحمقٍ بعقلٍ سليم يستطيع إستنتاج هذا القدر بعد رؤية الصبية الصغار والرجل والمرأة في الخلف!" لم يكن جواب مايكل إلا ما يطلق عليه بالحاد وغير المراعي وهو ينتقد زميله بشكل غير مباشر.

" آه، إنهم عائلة مسكينةٌ بحق، ليموت الأب والأم في نفس الوقت. آه، يا لهم من مساكين~"

"توقف عن التحسر وساعدني بحمل هذا الشاب إلى النقالة بسرعة قبل أن يفوت الأوان!"

لم يظهر على هذا المسعف ايَّ غضب عند سماع مايكل وهو يأنبه فلقد تعود على فظاظه زميله هذا بعد كل الوقت الذي قضياه معاً وكتفى بالإماء الصامت كرد.

بعد ثواني حمل الثنائي الشاب الذي لا يبدو أنه تجاوز العشرين من العمر وبشعره الأسود وبشرته الصفراء ومقترتاً مع ملامح وجهه كان من الواضح أن لم يكن بأصليٍ أمريكي ولكن لم يكن من الواضح ما هو أصله بالفعل…

لم يلبث المسعفان حتى وصلا إلى سيارة الإسعاف الوحيدة المتبقية ليقوما بإدخال الشاب ووضعه هناك وربطه بالأجهزة المخصصة لحالته.

تحركت سيارة الإسعاف دون تأخير إلى أقرب مستشفى وليبقى الزوج من الرجل في منتصف العمر بشعره الأسَود والمرأة التي بجواره هي الأخرى بشعرها الأصفر وملامحا والتي أخفتها الجروح في نفس الوضعية والتي تجعلهما يبدوان كما لو أنهما كانا يحتضنان 'شيئاً' ما، في إنتظار من يأتي لأخذهم لمكان رقدتهم…

………

لقد كان هذا في اليوم التالي لحادث التصادم السابق وفي صالة الإستقبال للمستشفى الذي تم نقل ضحايا الحادث فيه.

"مهلاً دكتور مارتن!" كانت هذه موظفة الإستقبال وهي تنادي على رجلٍ في منتصف العمر والذي كان يمر بالقرب من مكتب الإستقبال ليتوقف هذا الأخير عن الحركة وهو يتطلع إلى من نادى إسمه هكذا.

" حضرة الدكتور مارتن إن أحد ذوي ضحايا حادث الأمس وتحديداً فهو يكون من أقرباء العائلة التي راحت ضحية الحادث، فلقد أتى منذُ الفجر وهو ينتظر رؤيتك للتحدث إليك بخصوص حالة ذلك الشاب الذي كان هو أحد الضحايا كذلك!" تكلمت موظفة باستقامة وإتقان ولم تنسى إضافة بعض التفاصيل لكي يدرك الدكتور ما تقصده تماماً.

"حسناً، في هذه الحالة إجعليه يذهب إلى مكتبي وينتظر قليلاً فلدي عمل مهم الآن" فور انتهاء حديثه أكمل الدكتور مارتن مسيره إلى من يعلم إلى أين، لتلقي الموظفة الإستقبال بنظارتها إلى رجل هو الأخر في منتصف العمر والذي يحمل تعابيراً متعبة ناهيك عن أن المنطقة تحت جفنيه كان مسودة كما لو أنه لم ينم لأكثر من عدة أيام.

كان هذا الرجل يحمل ملامحاً غير معتادة في هذا البلد فضلاً عن شعره الأصفر القصير وبنيته التي تجعله يبدو أصغر سناً وشعور الثقة الذي يتراءى إليك عند رؤيته جعلت منه مشهداً غير اعتياديٍ نوعاً ما.

" أعتقد أنك سمعت ما قاله الدكتور، وإن موقع مكتب الدكتور مارتن يقع في…" أخذت موظفة الإستقبال توضح كيف وأين سيجد المكتب بصبر وهي تفكر في كم هي سيئة الحظ هذه العائلة ليحدث لها هذا قبل عدة أيام من نهاية هذه السنة وبداية السنة الجديدة لتبدأ بذلك السنة الرابعة والعشرين من القرن الواحد والعشرين.

عند إنتهاء حديث الموظفة أومئ الرجل بصمت دون كلام كما لو أنه قد فقد شيئاً ثميناً في هذا الحادث جعل من الصعب عليه حتى التحدث، وليرحل هو كذلك نحو الموقع الذي ارشدته إليه الموظفة تواً.

….

صرير~

فور سماعه لصوت فتح الباب قام الرجل في منتصف العمر ذي الشعر الأشقر الذي كان يجلس على الكرسي الذي يقع بالقرب من منضدة المكتب من مقعده.

" إذن أنت هنا بالفعل، هذا جيد" كان المتحدث والذي دخل للتو إلى هذا المكتب هو الدكتور المدعو بمارتن الذي خاطب الرجل في منتصف العمر.

" أقدم نفسي أنا جوزيف، جوزيف مولر، سُعِتُ بلقائك دكتور مارتن" قدم الرجل الأشقر المدعو بجوزيف نفسه بأدب.

" مارتن ثرس، بإمكانك مناداتي بالدكتور مارتن فقط، وليَّ جزيل الشرف بلقائك أيضاً سيد جوزيف" لم يتوانى الدكتور مارتن عن أخلاقة وقدم هو نفسه الآخر.

جلس الدكتور مارتن عن الكرسي خلف المنضدة بينما عاد جوزيف إلى مقعده السابق، بعد ذلك وقبل أن يحل ما يدعى بالصمتِ المحرج تحدث جوزيف متساءلاً.

" لقد علمت عن حالة عائلة أختي بالفعل، فهي وزوجها قد وافتهما المنية بالفعل بينما التوأمان هما الأفضل حالاً، وإن ما أود مناقشتك بشأنه هو حالة ابنِهما الأكبر إلياس فمما فهمته أنه وإلى الآن مازالَ فاقدناً للوعي وأن حالته ما تزال حرجة للغاية، فما الذي يتوجب عليَّ فعله للمساعدة في ذلك؟"

"آه، لا أعلم ماذا أقول لك فكما ذكرت فإن حالته حرجة للغاية وربما حتى ميؤوساً منها!"

"هل لا أوضحت الأمر أكثر من فضلكِ؟"

" لتبسيط الأمر لأقصَى ما يمكن فإنه وللأسف يعاني من نزيف حاد في رأسه ناهيك الأضرار التي لحقت بباقي جسده، فمع أننا قد قمنى بالفعل بعملية جراحية له إلا أننا قد تفاجأنا بوجود ورم بدماغه والذي صعب عملنا أكثر مما هو بالفعل ولكننى لا نزال نتمنى الأفضل"

" دكتور أرجو أن تقوموا بكل ما يلزم لإنقاذه، وبالنسبة لايِّ تكالف تُستلزم فأنا على إستعداد تام لتحملها!"

" آه، إن الأمر ليس مسألة تكاليف العلاج ولكني أفهم ما تعنيه بذلك، ونعم سنفعل كل ما في وسعنا لإنقاذه وسأتأكدُ شخصياً من ذلك فلا داعي لكَ للقلق أكثر من اللازم!"

"آه، أملُ ذلك~" تهندَ جوزيف برثاء وهو يغوص في عقله بكل الاحتمالات لما سيأتي من هذا الأمر.

…..

"لا يمكن! هل حقاً لا يوجد ايُّ حلٍ لحاته هذه!؟" كان المتحدث هو ذاك الرجل الأشقر جوزيف وفي نفس المكان وهو يحدث الدكتور مارتن كذلك ولكن كان هذا بعد أسبوع من الحادث.

" أنا آسف حقاً لحملي لكَ هكذا أخبارٍ سيئة ولكن ما باليدِ من حيلة، فجميع الطرق التي يمكننا العمل بها لم تؤتي ثمارها، فمع أننا قد عالجنا النزيف وحدينا من الورم مؤقتاً

ولكن ومن واقع خبرتي وما مر به جسد هذا الفتى وبالأخص دماغه فإن فرصة استيقاظه لا تتعدى الصفر، لذلك كطبيب وشخص قد رأى الكثير من هكذا حالات فأنا أقترح عليكَ أن تترك جسده يرتاح وأن تدع روحه ترقدُ بسلام، فإنه الآن لا يمكن أن يطلق عليه إلا بمن مات سريرياً، ويبقى الأمر بين يديك".

كانت كلمات الدكتور ترن في عقل جوزيف ولكن كضربات الطبول وليكون قلبه الجريح بالفعل هو ذاك الطبل.

" لا أعلم...كلا، بالأصح فأنا لست مخولاً بهكذا فعل فحتى لو قررت فعل ذلك فمازال عليَّ التشاور مع باقي العائلة وبالأخص أقربائه من والده أولاً!" حاول جوزيف تحدث برزانه، لكنَّ صوته المهتز قد خانه فور بدئه لكلامه وحتى جزء العائلة والأقارب لا يبدو إلا كعذر خرج به للتو وهو يحاول تجنب ما هو 'محتوم'.

"بإمكانك فعل ما تراه مناسباً، وبالمناسبة فلقد تحدثتُ منذُ قليل مع الدكتور المسؤول عن التوأم وقد أخبرني أن حالتهما مستقرة وأن بإمكانِ وليِّ أمرهما إخراجهما من المشفى إن شاء ذلك مع بقاء بعض علاجات وفحوص بعد الصدمة التي يجب الأخذها بشكل دوري وأنا أنصح وبشده بأن تخرجهما وأن تحاول أن تُبعد تفكيرهما عن ماحصل لهما، لكي لا تتدمر نفسيتهما بالبقاء بمفردهما ودون من يخفف عنهما".

" سآخذ بنصيحتك يا دكتور واخرجهما اليوم وشكراً لكَ على كل ما فعلته من أجلنا، حقاً شكراً لكَ~" قائلاً ذلك وقف جوزيف وأخفض رأسه حتراماً وشكراً لهذا الطبيب الذي ساعد كثيراً في محنتهم هذه.

" عفواً، فلم أقم إلا بواجبي ناحية مرضاي، فلا داعيَ لشكري بهذا الشكل!" رد الطبيب مارتن بأدب وهو يتمعن في هذا الرجل والذي مع كل يوم يمر لمعرفته له لا يسعه إلا أن يزداد إعحاباً وحتراماً لهذا الأخ والخَالِ المتفاني.

" إذن إنه الوداع دكتور، وإلى لقائنا القادم~"

" إلى اللقاء سيد جوزيف~"

وبهذا الوداع خرج جوزيف من المكتب وهو يمشي إلى المكان الذي يسكنه التوأم بينما ومن حينٍ إلى آخر يصيبه الذهول كما لو أن وعيه يتم سحبه قصراً ليرى ذكرياتٍ له مع أخته وعائلتها لترن في ذهنه…

2022/04/24 · 150 مشاهدة · 1755 كلمة
-_-Dlela
نادي الروايات - 2026