بعد ثلاثة سنوات من ذلك الحادث وفي نفس المكتب الخاص بالدكتور مارتن كانت تجري محادثة مثيرة للاهتمام...

" ممم… دكتور مارتن لقد وصلنا طلب من الحكومة هذا الصباح والذي يقتضي بالتعاون التام مع الفريق الذي سيرسلوهُ إلى هنا و…"

"وماذا؟"

" آه… كيف أقولها؟، إنهم ينوون أخذ المرضى الذين لدينا والذي هم في حالة الموت السريري وبعض ممن حالتهم ميؤوس منها بالفعل!"

-ضرب-

عند سماع الدكتور مارتن لكلام زميله الأصغر سناً لم يستطع السيطرة على غضبه أكثر من ذلك وضرب طاولة مكتبه بكل قوته و ليردف غاضباً.

" هؤلاء الأوغاد ما الذي ينوون فعله الآن؟، التعدي على المرضى حتى يحل الذعر بين العامة أكثر مما هو بالفعل!؟، اللعنة!"

" أنا أتفهم شعورك وبالأخص كون العديد من هؤلاء المرضى تحت وصايتك، لكن لا يمكننا فعل ايِّ شيء خصوصاً في هذه الفترة الحرجة فإن الحكومة لها قاعدة أخلاقية و تنفيذية لا يعلا عليها لآن كما تعلم."

"أنا أعي ذلك وهذا ما يجعلُني أكثر غضباً!، فبسببِ الأحداث الأخيرة فإن الحكومة صارت تفعل ما تشاء دون رادع!"

" بأية حال يا دكتور مارتن فإن هذا هو واقع الأمر وكل ما يمكننا هو تحضير أنفسنا لما سينتج عنه وأن نأمل الأفضل"

"آه، أتمنى ذلك بحق."

" لذلك دكتور مارتن، من سينقل هذا الخبر إلى أهالي الضحايا ويبلغهم بقرار الحكومة؟"

" هذا...لا أعلم، لننتظر ولِنرى من هو سيء الحظ هذا الذي سيفعل ذلك" أعقب كلام الدكتور مارتن الصمت التام لمدة دقيقة ليقطعه زميله وهو يطقطق بأصابعه كما لو أنه فكر في شيء مهم كان قد نسيه.

" بالمناسبة...ماذا حصل بخصوص التقدم في علاج الفيروس الذي ظهر حديثاً؟، هل هو مثل الإثنين السابقين أو حتى أكثر إزعاجاً؟"

"بالحديث عن ذلك فلقد توصلت بعض مراكز الأبحاث التي تربطني بها بعض العلاقة إلى بعض النتائج والتي كانت…"

كانت هذه المحادثة هنا لا تزال جارية وفي نفس الوقت كانت هناك محادثة أخرى تجري ولكن في مكانٍ لا يمكن وصفه إلا بالغريب وغير المتوقع والذي كان...

في إحدى غرف المرضى وفي سريرٍ يرقد عليه شاب شاحب المظهر ومترهل الجلد كما لو كان عجوزاً وتحديداً في وعي هذا الشاب ،هناك كانت تجري تلك المُحادثة المثيرة للاهتمام والتي ستعمل على تغيير مجرى الأحداث ومصير الجميع على هذا الكوكب...

……

إذن كم يوماً مضى؟ ماذا حدث في الخارج؟ وهل نجا ايُّ أحدٍ من أفراد عائلتي بعد حادث السيارة الذي تعرضنا له؟، ثم ماذا لو لم أدعو عائلتي لقضاء عطلة رأس السنة معي وجلبهم من فرنسا إلى هنا؟ ماذا لو إخترت سائق أجرة آخر بدل ذلك الأحمق الأصلع؟ ماذا لو أخبرت السائق بالسير في المسار الأخر لمكان ذهابنا؟

هذه الأسئلة وأمثالها والكثير من ماذا لو كانت كانت تراودني عند استيقاظ وعيِّ في هذا الظلام ألا متناهي، ونعم أطلقت عليه بالوعي للأنني لا يمكنني وصفه بغير ذلك.

فغير التفكير والإحساس ببعض للمشاعر من حين لأخر لا يمكنني الإحساس بايِّ شيءٍ أخر؛ لا سمع، لا بصر ولا ايُّ حاسة أخرى، على الأقل لحد الآن…

بأي حال فإن هذه الأسئلة لم تروادي لوقت طويل، على الأقل هذا ما أعتقده ليتم استبدالها بعدم الإهتمام، نعم عدم إهتمام إذ هكذا أنا، سأفعل كل شيء حتى لا يحدث شيء ما في هذا الوقت ستجد بعض الإستجابة والكثير من الأفعال مني لمنع حدوث هكذا أمر، لكن بمجرد أن يحصل هذا الشيء سواء كان جيداً أو سيئاً لن أعود أهتم لا به ولا بنتائجه.

إذن بأية حال فإن هذا المكان الذي يقطنه وعيَّ أو ايًّ كانت حالتي هذه قد تسبب في رجوع بعض عاداتي القديمة مثل ما أفعله الآن إذ أتحدث مع نفسي سواء بأفكاري أم كما أفعل أحياناً بالتكلم بصوتٍ عالي والذي بطبع لا يمكنني فعله الآن نظراً لحالتي الحالية.

وبالعودة إلى الموضوع فإن العادة الأخرى التي عادة؛ هي كثرة التفكير في كل شيء وايَّ شيء، فأنا عندما كنت صغيراً كنت أقضي ساعات في كل يوم وأنا أفكر وأستنتج وأضع إحتمالات لما يمكن أيحدث مثلاً لو أنني كنت في موقف يتوجب به أن اقتل شخصاً ما ثم تبدأ الأفكار بالتسلسل من هذه الفكرة والواحدة لِكونيَّ أنظر في جوانب متعددة كلماذا أنا في هذا الموقف أساساً أو من هو من يتوجب عليَّ قتله أو هل أنا مجبر حقاً على قتل أحدهم في الاساس؟ والكثير والكثير من الإحتمالات الأخرى…

فمن فكرة واحدة أبدأ بأخذ إحتمالات الأمر وما يمكن أن تكون ردة فعلي أو من أعرفهم على ذلك طبقاً للمعلومات التي لديَّ بالفعل عن نفسي والأخرين، فمثلاً عندما كنت في العاشرة من عمري فكرت في ماذا سيحدث إن مات أحد والدي أو أقاربي وكيف يجب أن أتصرف وأنا أحاكي جميع السيناريوهات التي يمكنني التفكير فيها وهكذا تماماً مثل السابق كنت أكرر الأمر مراراً وتكراراً ولكن بأفكار مختلفة وعديدة.

إلى بعد عدة سنوات من بداية هذه العادة تشكلت لدي عادة جديدة وهي أن أتوقع ردة الفعل والكلام الذي سيقوله الشخص المقابل إستجابة لفعل فعلتهُ وكلام تحدثت به بالفعل أو على العكس تماماً فالفعل أو الحديث لم يحدث إلى الآن ولكنه سيحصل مستقبلاً.

الذي ينجح في الكثير من الأحيان، لكن لكل شيء إيجابيات وسلبيات فمع أن هذه العادات تبدو جيدة وبنَّائة إلا أن لها عيوباً كبيرة جعلتني أحاول التخلص منها والذي نجح نوعاً ما في النهاية بعد جهد مضني من جانبي.

ففكر معي فعندما تفكر لساعات قبل أن تغفو في أشياء لن يكون لها في الغالب ايُّ فائدة عملية لذاتك الحالية وأنت في أمَسِ الحاجة للوقت فكيف تستمر في فعل ذلك، هاه؟

أما التوقع الذي تحدثت عنه؟ فلقد كانت أثاره هي الأكثر إزعاجاً بالنسبة لي ولتبسيط الأمر فإن هذه العادة قد تسببت في خلل من نوعٍ ما في مشاعري وكيف ارد على أحداث معينة.

فمثلاً عندما أتوقع أن شخصاً سيقول لي كلاماً ما وأن هذا الكلام سيكون مُسيئاً لي دون سبب أو لسوء فهم ما فإن ردة فعلي تكون أكثر حدة فالغضب وخيبة الأمل التي كانت يجب أن تكون ثلاثة من عشرة ستكون ما يقرب تسعة من عشرة وببساطة فقد تسبب في تضخيم بعض المشاعر لدي لدرجة أن حتى بعد أن توقفت عن هذه العادة إلا أنها وآثارها لا تزال تظهر، لكن ذلك أصبح نادراً للغاية بعد حادث معين.

أما العادة الأولى التي ذكرتها فقد كان سبب توقفي عنها سخيفاً بعض الشيء، إذ سمعت من أمي في مناسبة ما أن من يتحدث إلى نفسه هو مجنون، وكون أمي التي لها أكبر مكانة في قلبي هو من قال هذا الكلام فلقد تسبب ولا شعورياً برفضي لهذه العادة وتوقفي عنها…

وكما هو واضح فقد بدأت تلك العادات بالعودة خصوصاً أن ليس لها ايًّ من تلك السلبيات في حالتي هذه ولأبدأ ما أنا بارعٌ فيه ألا لهو التغيير؛ من نفسي، أفكاري ومشاعري أو ما بقي منها على الأقل.

ففي هذا الوضع الذي لا أشعر فيه بمرور الزمن فإنه يعد أفضل مكان وزمان لتحسين نفسي وإزالة ما أعتقده مضراً أو سيئاً من ذاتي والذي كنت أفعله طوال حياتي.

وإن أكثر ما أفخر به والذي يجعلني أحياناً مُرتعباً من نفسي هو ما فعلته بنفسي في إحدى المرات؛ فمنذُ ولادتي قد كنت صبياً رقيق القلب وكثيرُ البكاء وحساساً لأبعد الحدود فبضعُ كلمات عفوية من أحدٍ ما تكفي لجعليَّ أبقى الليل بأكمله أبكي بصمتٍ تحت وسَادَتِي...

إلى أن أتى يوم عندما كنت في الثالثة أو الرابعة عشر من عمري وحصل أمر ما والذي جعلني أتعهد لنفسي أن لا أبكي أبداً على ايِّ شيءٍ ،ما دمت لا أتعمد فعل ذلك لسبب ما بطبع، أو أن لا أهتم لرأيِ أو كلام ايِّ أحد…

والذي حصل فعلاً فتدريجياً لم أعد أهتم إلا لرأي شخصٍ واحد لا غير والذي كان أمي وهذا الإهتمام هو الأخر ومع مرور الوقت قل تدريجياً ناهيك أنه ومنذُ حينها وإلى هذا الحادث لم أبكي إلا مرة أو مرتياً والذي يعد تغيراً جذرياً من شخص يبكي لأبسط الأشياء واتفهها كل يوم إلى عدم البكاء مجدداً تقريباً فهو بالفعل إنجاز هائل من جانبي...

لكن مع هذا وكأثرٍ جانبيٍ لعدم الإهتمام بشيء هكذا، أصبحت أكثر حسابية وأعتمد على المنطق في كل ما أفعل وبذلك أصبحت اللامبالاة هي صفتي الرئيسية ولتتقلص المشاعر لديَّ شيئاً فشيئاً لأصل لمرحلة عدم شعوري بما يدعى بالحب، الكره والحزن وغيرها من المشاعر، لكن في النقيض من ذلك فإن فهمي لها ومع كل يوم يمر لي في هذه الحياة يزداد بإطراد لدرجة أن معرفة مَن يكره مَن ومَن يحب مَن ومَن يحمل رغبة القتل أو الموت لمَن وغيرها من المشاعر التي يكنها الأخرون لبعضهم لهو أسهل من التنفس بالنسبةِ لي.

...أتساءل متى سأخرج من هذه الظُلمة يترى؟ وما الذي حدث فعلاً بعد تصادم السيارتين بينما وعيِّ قابعٌ هنا؟ بطبع ومجدداً لا جواب...إذن لنعد إلى ماكنت أفعله، وهو محاولة الشعور بجسدي أو حتى ولو جزء بسيط منه والذي كنت أحاول فعله في كل مرة أنتهي من سلسلة أفكار معينة.

بالمناسبة ماذا سأفعل إن وجدت العالم مدمراً عند خروجي من هذا المكان؟، أم أنني لن أخرج أبداً؟، أو ماذا لو...

……..

أفكار لا تنتهي ومحادثة بلا نهاية هي الوصف الوحيد المناسب لما يجري في وعيِّ هذا الفتى، فأفكاره هذه قد إمتدت لسنتها ثالثة لكن وعيه مازال عالقاً في هذا الظلام المجهول...

_________________________

ملاحظة (ملاحظات) الكاتب:

1. بالمناسبة، هل توقع أحدكم أن يأتي شخص والذي لا أعلم من ليحدث هذا الشاب عند قرائتكم لهذا في البداية؟ لمثلاً يعطيه قدرة أو نظاماً ما؟ أو حتى أن يتم التحدث إليه من شخص عالي المستوى أو أن يرجع بالزمن عشر سنوات أو ما شابه ليبدأ بذلك رحلته لقهر العالم وأن يكون هو الشخص الأول والأقوى في العالم بهذا الغش الذي حصل عليه؟ آسف لتخييب ظنك إن كان هذا ما توقعته عند قرائتك لهذا، لكن الـ MC لهذه الرواية ليس لديه أو سيكون لديه ايُّ غش مثل هذا...

2022/04/26 · 92 مشاهدة · 1488 كلمة
-_-Dlela
نادي الروايات - 2026