" هاي أنت!، إحذر في التعامل مع المرضى فهم لا يزالون بشراً كما تعلم!" كان هذا الكلام صادراً من سيدة ترتدي زيَّ الممرضة وهي تُأنب رجلاً يرتدي زيَّ القوات الخاصة والذي حتى وجهه كان مخفياً تماماً.
"نعم، نعم سأحاول أن أكون أكثر حصراً سيدتي الممرضة~" لم يكن رد هذا الرجل أكثر من إغاظة للممرضة بينما لم يكلف نفسه الالتفات لكلامها السابق كما لو أن كلماتها تخل من أذن لتخرج من الأذن الأخرى.
ولم يكن هذا الحادث هو الوحيد لا في هذه الغرفة ولا في هذه المستشفى حتى، فأغلب المستشفيات في هذا البلد قد حصل لها نفس الأمر وكان عليهم الطاعة بخنوع بينما مرضاهم يتم أخذهم هكذا للاشيء يبشر بالخير.
وبالعودة إلى شابنا الغريب ذاك فقد كان يحدث له الأمر ذاته، لكن بعناية أكبر فيكفي أن يتوقف جهاز واحد من الأجهزة المتصلة به ليموت 'جسده' وسيكون جيداً من أجل لا شيء!
فالمرضى أمثاله كان الجنود أكثر حرصاً في التعامل معهم وتركوا المختصين هم من ينقلونهم إلى سيارات الإسعاف العسكرية المتوقفة في موقف المستشفى بالفعل.
وما هي إلا أقل من ساعة حتى إكتمل عمل القوات الخاصة وتم نقل جميع المرضى المعنيين إلى السيارات ولِيرن صوت القائد في هذه المجموعة من القوات.
" جميعاً لقد انتهى عملنا هنا لذلك ليركب الجميع في أماكنهم لأننا سننطلق إلى المنشأة الآن، لذا هيا إنطلق! ولا تترهل أمامي هكذا!"
" حاضر سيدي!"
وبردهم هذا فعل جنود القوات الخاصة كما أمروا بأقصى سرعة، ليبقى فقط إثنانِ واقفينِ بالقرب من بعضهما وهما يسيران بهدوء ودون عُجالة والذَينِ كانا القائد بمظهره الذي لا يمكن وصفه إلا بالفخمِ والمناسب تماماً لوظيفته أما الأخرى فقد كان يبدو أنه مساعده إلا أن مظهره كان عادياً ومتوسطاً على عكس هذا القائد.
" إذن لم تنسى إحضار المستندات الخاصة بالمرضى صحيح قائد جون؟" تساءل المساعد وهو يسأل القائد المدعو بجون بينما لم يكلف نفسه عناء إخفاء النبرة الساخرة في صوته ولا حتى نظاراته التي تنتظر بشوق لجواب هذا القائد المهمل والسخرية منه علانية .
" إلتقط ولا تتكلم مجدداً فمزاجيَّ اليوم سيء للغاية!" قائلاً ذلك ألقى بالحقيبة التي يحملها في يده إلى هذا المساعد 'المحترم' بينما فتح باب السيارة التي كانت من نوع العجلات المصفحة دون الإهتمام إذا ما كان هذا المساعد قد إلتقطها أم لا.
"أوه؟، غريب ألم تكن تتمتم الأغاني وأنت تشع بالفرح لأنك ذاهبٌ لقضاء العطلة في منزلك بعد إنهاء هذه المهمة؟ فماذا حصل لينقلب مزاجك بهذه السرعة فور خروجك من المشفى، هاه؟" لا تزال نغمة هذا المساعد كما هي في حديثه إلى قائده المفترض، فهو لا يزالُ يجعل الأمر مريباً للغاية بشأن السر الذي يكمن في عدم رد القائد على فظاظتهِ هذه.
" إنه ذاك الطبيب اللعين المدعو بمارتن الذي افسد مزاجي بالكامل!، فلولا أننا في الوقت الراهن في أمس الحاجة للأطباء المهرة أمثاله لكنت أريته ما يعني أن تتلاعب بي أنا جون تايلر بهذا الشكل!"
وكما لو أن وعاء الضغط قد تم فتح غطائه أخيراً فقد فجر جون كل ما يكنه من غضب دفعة واحدة، فلقد احمر وجهه غضباً وهو يفتح قبضته ويشدَّها كما لو أنه يتخيل نفسه ممسكنٌ برقبة الدكتور مارتن وهو يعتصرها مراراً وتكراراً.
" تسك، ستبقى إلى الأبد مجرد كتلة من العضلات بدل الدماغ على هذا الحال، ففي كل مرة أبعد فيها نظري عنك يتلاعب بك أحدهم!، ألا تتعلم البتة!؟"
" هاهاهاها~ ومن يهتم بهذه الأمور الصغيرة مع وجودك بجانبي يا صديقي ويليام هاه!؟"
" هذه 'الأمور الصغيرة' هي سبب تدني رتبتك رغم إنجازاتك التي فعلتها ولو لم أكن بجانبك بالفعل وأسعى دائماً للتغطية على عقلك 'اللامع' هذا لتمَّ تخفيض رتبتك لمجرد جندي عادي في القوات الخاصة أو ربما ما هو أسوأ!" رد ويليام وهو يصفع جبهته بسخط.
" نعم!، ولهذا أنتَ هو نجمي المحظوظ!، فأنا لا أنسى في كل يوم أن أشكر الخالق على توفيقه لي لإنقاذك آنذاك!"
" أرجوك لا تتكلم كما لو كنتَ مُتديناً فعندما تحدثتُ معك لأول مرة كنتَ لا تعرف حتى ما هو الإنجيل!" ومجدداً وللمرةِ الثانية صفع ويليام جبهته، لكن هذه المرة بدل السخط حل محله الإستسلام والاستقالة.
"…" من ناحية أخرى صمت جون وهو يحك رأسه بحرج وحتى مع بشرتهِ السميكة لا يزال يمكن رؤيةُ أثرٍ للإحمرار والذي لا يتناسب بتاتاً مع بنيته الضخمة والصورة الأولية التي يعطيها لمن يراه لأول مرة.
'آه، يارب متى ستنبتُ العقل في دماغ حَملكَ الضال هذا؟' فكر ويليام بتظلم ولم ينسى أن يمسك الصليب الفضي في رقبته وهو يتهندُ رثائاً كيف يمكن أن تكون الحياة مُنصفة ببغض في بعض الأحيان.
ففي مقابل عقله الذي لا يعمل في الأمور المتعلقة بالعلاقات والتعامل مع الآخرين والكثير من الأمور الأخرى، فإن لديه إحساساً قتالياً وغريزياً متفوقاً وعقلاً بارعاً في المخططات والمكائد عندما يتعلق الأمر بالعمل لدرجة أنه وفي بداية تعرفة عليه كان يظن أنه يتغابى هكذا عمداً...
لكنَّ العمل معه ولعدة سنوات قد أقنعه أنه لا يفعل ذلك عمداً، على الأقل هذا ما لم يكن أفضل ممثل في العالم وأكثر شخص بلا إحساس في ذلك...
" بأية حال يا ويليام لم نحن ننقل هؤلاء المرضى إلى المنشأه هاه؟"
" أنتَ… حقاً!" وللمرة الثالثة في هذا اليوم أو على الأقل... منذُ تعرفنا على هذا الثنائي صفع ويليام جبهته الحمراء بالفعل.
" همم؟، أنا ماذا؟" لم يكن رد جون يبدو أكثر من إستفزاز صريح فلَولا معرفته بطبيعة زميله حقاً لَرماه ويليام من السيارة بالفعل!
" لا...شيء!، فقط تجاهل الأمر!"
"حسناً؟، لا يهم. إذن ما هي الإجابة على سؤالي؟"
"آه… جون، صدقي جون ماذا كنت تفعل عندما كنت أشرح كل شيء عن هذه المهمة والذي بضمنه قد أشرت بالتحديد لسببِ قيامنا بهذا، هاه!؟" عدل ويليام نظارتهُ الطبية التي تحركت بعد الصفع المتتالي لجبهته وهو ينظرُ إلى جون بحدة.
"أنا كـ-"
" لا داعي لكَ للإجابة على ذلك فلقد كان سؤالاً بلاغياً لا أكثر، كما أنني أعلم أنك كنت تفكر في طبخ زوجتك وما قد تعده على العشاء عندما تعود، صحيح!؟"
"هذا...صحيح، إنه كما تقول!" لم ينكر هذا الرجل الضخم وهو يحك خده هذه المرة بدلاً من رأسه حرجاً من كشف أفكاره الداخلية.
"آه، دعك من ذلك وستمع جيداً، لأنك لو طلبت مني أن أعيد كلامي فسأقتل كلينا هنا والآن!"
"نعم،نعم. سأتاكد من الإنتباه لكلامك جيداً فلا داعي للغضب هكذا يا صاح! هاهاهاها~"
'جرب أن تعيد كل شيء لرجل بالكاد يفهم ايًّ مما تقول ثم قل لا داعيَ للغضب!' كانت أفكار ويليام الحالية تعكس مشاعر كل مدرس سيء الحظ بما يكفي ليدرس هكذا شخص .
" إذن أين كنا؟، هاه نعم سبب المهمة! . إنه معقد نوعاً ما ليفهمه دماغ العضلات الخاص بك لذلك سأبسط الأمر بجملة واحدة وهي النقص في 'فئران' التجارب لذلك يحتاجون لبعض الامدادات وهذا ما نفعله حالياً…"
" لقد فهمت مجمل الأمر، لكن منذُ متى أصبح المرضى 'فإراناً' للتجارب هاه؟"
" صدقي جوني لا أعلم إن كان يجب أن أحمُدَ لبساطتك هذه أم أذمُها. آه، بأية حال، فإن هذا هو الواقع. فمنذُ سنتين والحكومة تفعل ما تشاء بحجة الإصلاح والقضاء على الفيروسات والكوارث التي تجتاح البلاد والعالم أجمع.
لكنَّ هذا ليس عملنا صحيح؟ فحتى منظمات ونشطاء حقوق الإنسان صامتون عن هذا، لذلك لا تشغل تلك المساحة المجهرية من دماغك بموضوع لن يصلك تأثيره حتى، محق أليس كذلك؟"
" ما دام هذا ما تقول، لكن ينتابني شعور سيء من هذا الأمر برمته وأشعر كما لو أن قلبي يتم سحقه بقبضه ما..."
" حقاً!؟"
" وهل مازحتك بشأن هذا من قبل؟"
لم يرد ويليام وهو يخرج هاتفه من جيب معطفه ويتصل على الفور برقمٍ مسجل بإسم الجنرال مع ثلاثة خطوط عمودية.
" نعم هذا أنا يا رأيس. أه نعم نحن على وشك إكمال مهمتِنا بالفعل. أها نعم لدي شيء مهم لقوله لك. نعم إنه أمر مهم للغاية!.
إنه يا سيدي كالأتي؛ نريد أنا وقائدي جون أن يتم نقلنا إلى وحدة أخرى أو على الأقل العمل في غير هذه المنشأة وأن تُمحى أسمائنا بالكامل من هذه المهمة. أها نعم أنا أعي ما ينقضي عليه طلبي هذا، لكن أرجو أن تأخذه على محمل الجد فالأمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا. أوه إذن سأقطعُ الاتصال الآن، ووداعاً جنرال وأمسية سعيدة وليوفقكَ الربُ~"
" إذن ماذا كان رد الجنرال؟"
" قال أنه سيفكر في الأمر بعد نجاحنا في إتمام هذه المهمة، لكنني سأضغطُ عليه لاحقاً وسأفعل كل ما في وسعي للهروب من هذه المحنة!. بالمناسبة هل الأمر أسوأ من تلك المرةِ التي حدث فيها هذا لقلبك؟"
" إن كان عَليَّ المقارنة بينهما فساقول أن تلك المرة كانت كطفل يتلمس باصابعه قلبي، ولكن…"
" لا داعي لهذا التشويق والدراما الآن فقط قل ما لديك، هيا!"
"أه آسف، لقد فقط أنني أريد أن أحدث نفس تلك الأجواء في افلام الرعب والإثارة عندما يقول شخص ما شيئاً مرعباً لا أكثر ."
"نعم، نعم. فقط لتكمل حديثك بالفعل!"
" أه أين كنا؟ نعم. ولكن هذه المرة أشعر كما لو أن الشيطان نفسه من يُمسك بقبضته بقلبي، يعتصره بشرٍ مَحض…"
" من طفل إلى شيطان، يبدو أن الأمر أسوء بكثير من مجرد كمين لمجموعة إرهابية. إذن هل خفَّ هذا الشيء بعد تكليمي للجنرال؟"
" قليلاً فقط ."
" آه، يبدو حقاً أن عليَّ التكلم شخصياً مع الجنرال بخصوص نقلنا ومسح أسمائنا من هذه العملية بالكامل …"
برغم أن المحادثة في النهاية بدت غير طبيعية وغريبة للغاية فإن المتحدثين لم يبدو عليهما إلا أنها كانت أكثر محادثة طبيعية في العالم.
أما الشخص الوحيد الذي كان بإمكانه سماع هذه المحادثة والذي كان السائق الذي هو الآخر من القوات الخاصة فقد كان يضع سماعات الرأس تحت خوذته حتى قبل ركوب الثنائي وهو يستمع لموسيقى جامحة تذكرك بساحة المعركة لتنتهي وتليها أغنية جديدة من قائمة التشغيل لأغاني نايت كور التي يشغلها بالفعل…
"هاي هاري. أوي أنت هل تسمعني؟" صرخ ويليام على السائق وهو يردد إسمه بصخب وبعفوية كما لو كان معتاداً على ذلك بالفعل ولمدة طويلة.
" أه، المساعد ويليام لقد كنت أضع السماعات وكانت الأغنية صاخبة بعض الشيء لذلك لم أستطيع سماعك في البداية. أرجو المعذرة!"
رد السائق المدعو بهاري بعد بره وهو يوقف تشغيل الأغنية وحول نظرته للحظة إلى المرآة الخلفية ليلقي بنظرهِ على مُحدثه قبل أن يعيد تركيزه إلى الطريق أمامه، والذي كان صحراء جرداء فغير الطريق الإسفلتي التي تسير عليه هذه المجموعة من السيارات العسكرية فكل شيء هو أصفر على مدى البصر.
" هاري انتَ حقاً الأفضل!، يجب أن أحدث الجنرال لنقلك معنا وأن تكون سائقنا الخاص على الدوام!" مدح ويليام بلا خجل إهمال هذا الجندي وخرقه للقواعد فقط لمنفعته الشخصية من ذلك.
" ههههه، إنكَ تحرجني بكلامك هذا يا سيدي، فأنا لا أستحق هذا المديح منك، فإن كل ما أقوم به هو واجبي لا أكثر!" رد هاري بخل ظاهر وهو يمسح مؤخرة رقبته.
وبهذا وبعد برهة من الصمت أعاد هاري تشغيل قائمة الموسيقى، ليبقى هذا الصمت مخيماً على هذه المُصفحة ويبقى كل شخص من الثلاثة مُستميداً في أفكاره؛ هاري في تخمين ما هي الأغنية التالية، ويليام في ما الذي قد يسببه مجرد نقل بسيط لبعض المرضى ليشعر جون هكذا وجون نفسه ما زال عازماً في مهمته الأكثر 'أهمية' ألا وهي تخمين ما هي الأكلة التي أعدتها زوجتها له في عشاء ليلة العطلة...
وهم بهذا غائبون جميعاً عن مدى تأثير فعلهم هذا على العالم وبكل ما يعرفونه…..