بعد ساعات طويلة من السفر، توقفت القافلة عند مفترق طرق محاط بالأشجار العالية. كانت الشمس تغرب، ملونة السماء بألوان برتقالية وحمراء.
"سننصب المخيم هنا الليلة،" أعلن قائد الحرس، نازلاً من حصانه. "غداً نكمل المسير."
بدأ الحراس في نصب الخيام بسرعة وكفاءة. طاهي القافلة، رجل قصير بلحية رمادية وعينين ماكرتين، بدأ في إعداد العشاء. رائحة الحساء الساخن ملأت المكان.
"هيا، تناول عشاءك،" قال أحد الحراس لفويدر، مقدماً له صحناً من الحساء.
كان فويدر جائعاً. تناول الحساء ببطء، مستمتعاً بدفئه. لم يلاحظ النظرة المتبادلة بين الطاهي والحارس.
بعد دقائق، بدأت رؤيته تضبب. حاول النهوض لكن ساقيه خانتاه. آخر ما رآه كان وجه الطاهي المبتسم قبل أن يسقط في ظلام عميق...
عندما استعاد وعيه، كان في ظلام دامس. حاول تحريك يديه لكنه شعر بثقل غريب في جسده. الهواء كان بارداً ورطباً، ورائحة العفن تملأ المكان.
كانت الزنزانة صندوقاً معزولاً تماماً عن العالم الخارجي. لا أصوات، لا ضوء، لا شيء سوى الظلام والصمت المطبق. في البداية، حاول فويدر الصراخ، لكن صوته ارتد إليه كأنه يصرخ في وسادة. الجدران كانت تمتص كل صوت.
مرت الأيام، أو ربما كانت شهوراً - فقد فويدر إحساسه بالزمن تماماً. الجوع كان رفيقه الدائم. تعلم أن يميز أصوات الجرذان في الظلام، يتتبع حركاتها، يصطادها. في البداية كان يتقيأ كل مرة يأكل فيها جرذاً نيئاً، لكن مع الوقت، أصبح الأمر طبيعياً.
كل أسبوع، كان يسمع صوتاً خافتاً، وتظهر فتحة صغيرة في الجدار تسقط منها وجبة هزيلة - قطعة خبز جافة وقليل من الماء العكر. لم يكن يعرف من أين تأتي، أو متى ستأتي التالية. أحياناً كان ينام لساعات طويلة، وأحياناً أخرى كان يبقى مستيقظاً لفترات لا يعرف مدتها، يراقب الظلام.
تحولت حياته إلى روتين بدائي: النوم، الانتظار، اصطياد الجرذان، البحث عن قطرات الماء المتسربة. في البداية، كان يحاول تذكر وجه والديه، ضحكة جين، رائحة الخبز الطازج في قريته. لكن مع مرور الوقت، بدأت هذه الذكريات تتلاشى، تُمحى من عقله كأنها لم تكن. عقله تحول إلى آلة بقاء بسيطة - كل ما يهم هو اللحظة الحالية، الوجبة التالية، الجرذ التالي.
في الظلام الدامس، تطورت حواسه دون أن يدرك. أصبح يشم رائحة الجرذان قبل أن يسمع حركتها، يحس بتغيرات درجة الحرارة الطفيفة في الهواء، يميز أنماط تساقط قطرات الماء. عضلاته أصبحت أقوى من الحركة المستمرة في الظلام، وحواسه أصبحت أكثر حدة من الاعتماد عليها للبقاء.
وبعد عام كامل من العزلة المطلقة، فُتح الباب للمرة الأولى. الضوء الخافت من المشعل كان كافياً لجعله يصرخ من الألم. دموع لا إرادية انهمرت من عينيه التي لم تر ضوءاً منذ عام كامل.
كان فويدر يقف هناك، نصف عارٍ، جسده نحيل لكنه مفتول العضلات من الصيد المستمر، شعره طويل ومتشابك وملطخ بدماء الجرذان، بشرته شاحبة كالموتى من غياب الشمس. لكن الأكثر تغيراً كانت عيناه... عيناه اللتان تحولتا إلى شيء آخر، شيء تشكل في الظلام المطلق.
لم يتكلم فويدر. لقد نسي كيف. كل ما فعله هو النظر إلى الضوء، عيناه تتكيفان ببطء، وعقله يحاول استيعاب فكرة أن هناك عالماً خارج هذا الصندوق المظلم.