الظلام.
لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان مادة لزجة تبتلع الحواس. كأن الوجود قد لُفظ خارج ذاكرة الزمن، وأُلقي به في جوف هاوية سحيقة لا قاع لها.
ثم... جاء الألم.
لم يكن ألماً عادياً، بل كان صراخاً في الخلايا. وخزات حادة كالخناجر المحمّاة تنغرز في صدره مع كل محاولة بائسة لاستنشاق ما يُفترض أنه "هواء". شعر ريو برئتيه كأنهما بالونان من الزجاج المتشقق، يوشكان على الانفجار تحت ثقلٍ غير مرئي.
"هاه... غه..."
فتح ريو جفنيه؛ كانا ثقيلين كأنهما من الرصاص. لم يرَ شيئاً سوى سوادٍ يتخلله وميض أزرق شاحب ينبعث من شقوق الصخور البعيدة، كأنه عروق تنبض بسمٍّ سماوي.
الماجيكولز.
الاسم لم يأتِ من ذاكرته، بل نُقش في وعيه فجأة. لم تكن هذه الطاقة سحراً حانياً، بل كانت قوة غاشمة، كثافة وجودية تخنق "الفاني" الذي يتجرأ على الوجود في معقلها. كانت تتسرب عبر مسامه، تضغط على أحشائه، وتطحن عظامه الهشة ببطء.
[تهيئة النظام...]
[تم رصد مُضيف: ريو]
[الموقع: عالم Tensura — كهف الختم]
[الحالة: فاني (نواة ذابلة)]
[تحذير: كثافة الطاقة المحيطة تتجاوز عتبة الاحتمال الجسدي بـ 1200%. الموت الوشيك خلال: 47 دقيقة]
تأمل ريو الكلمات الزرقاء الباردة التي طفت أمام عينيه. 47 دقيقة تفصله عن التحول إلى كومة من اللحم المهروس بفعل ضغط الطاقة.
لم يكن لديه ترف التساؤل عن "من أنا؟" أو "كيف جئت؟". الغريزة الوحيدة التي صمدت في وجه هذا الرعب كانت البقاء.
[الحل المتاح: تقنية تنفس الفراغ (رتبة: أساس المبتدئ)]
[الوصف: تنظيم تدفق الطاقة الخارجية عبر قنوات "الشي" لإجبار الجسد على التأقلم القسري]
[الهدف الحالي: صقل الجلد (المرحلة الأولى)]
أغمض ريو عينيه. استجمع بقايا إرادته المبعثرة. تدفقت صور ذهنية في عقله كأنها جمرات منقوشة؛ مسارات الطاقة، نقاط الوخز، وإيقاع النَفَس الذي يفرق بين الحياة والعدم.
"شهيق..."
اندفعت الماجيكولز عبر أنفه كالحمم السائلة. شعر بحلقه يتقرح، وبرئتيه تشتعلان. كاد أن يقطع الدورة، كاد أن يصرخ، لكنه يعلم أن الصرخة تعني ضياع النَفَس.. وضياع النَفَس يعني الفناء.
حبس الهواء.
نبضة... نبضتان... ثلاث.
كان قلبه يقرع صدره كطبلٍ مجنون يحاول الهروب من قفصه الصدري.
"زفير..."
أخرج الهواء ببطء شديد، محملاً بسموم طاقة "الشي" العكرة التي رفضها جسده.
[فشل في مواءمة الدورة الأولى. الضرر الجسدي: +2%]
[الوقت المتبقي: 45 دقيقة]
لم ييأس. في مسار الخلود، اليأس هو أول عدو يُذبح.
أعاد الكرة. هذه المرة لم يقاوم الماجيكولز، بل حاول "توجيهها". تخيل جلده كأنه مصفاة دقيقة، تسمح بمرور القليل وتصدّ الكثير.
شهيق...
هذه المرة، لم يترك الطاقة تنزل إلى أعماقه، بل حصرها في الطبقة السطحية من جسده.
حبس...
زفير...
[نجاح الدورة الثانية]
[تقدم صقل الجلد: 0.001%]
[بدء استقرار العلامات الحيوية]
استمر ريو. نسي الزمن، نسي الظلام، نسي حتى اسمه. تحول وجوده كله إلى "نقطة تمركز" واحدة: النَفَس.
عشر دورات... خمسون... مائة.
ومع كل دورة، كان الألم يتغير. من ألم "تمزيق" إلى ألم "نحت". كان يشعر بجلده يزداد كثافة، وبالمسام وهي تنغلق وتنفتح بإيقاع جديد لم تعرفه البشرية من قبل.
[إشعار: تم إتمام 100 دورة متواصلة]
[اكتمال المرحلة الصغرى: صقل الجلد (1%)]
[تحديث الحالة: الجسد بدأ في بناء "مناعة طاقية" ضد بيئة الكهف]
[نسبة البقاء: 15% (في تحسن مستمر)]
فتح ريو عينيه.
الظلام لا يزال موجوداً، لكنه لم يعد يراه عدواً. الكهف لم يتغير، لكن ريو هو من بدأ يتغير. نظر إلى يده الشاحبة؛ كانت هناك طبقة رقيقة جداً من البريق الرمادي تغلفها، كأنها غبار من الفولاذ.
"هذا هو الطريق إذاً..."
تمتم بصوت مبحوح، لكنه يحمل نبرة من الفولاذ.
الخلود ليس هبة من السماء، بل هو سرقة من أنياب الموت.
[مهمة جديدة: التحرك من نقطة الانهيار. ابحث عن مصدر طاقة مستقر (ماء/نباتات)]
اتكأ ريو على الجدار الحجري، أحس ببرودته تخترق جلده "المصقول" حديثاً. وقف على قدميه المرتجفتين، وبدأ يخطو أولى خطواته في عالمٍ لا يعترف إلا بالقوي.
لم يعد ريو مجرد فاني ضائع... لقد أصبح مُزارعاً في مهد الموت.
نهاية الفصل الأول