كان الكهف أعمق مما توقع ريو بكثير.
كلما ابتعد عن النقطة التي استيقظ فيها، ازداد الضغط الجوي ثقلاً. الماجيكولز هنا لم تكن مجرد طاقة كثيفة، بل كانت حية، نابضة، تتحرك بنمط غريب كأن المكان نفسه يتنفس بصعوبة.
"هذا ليس طبيعيًا..."
توقف ريو، وأغمض عينيه، وركّز على تنفس الفراغ. شهيق... زفير... الإيقاع ساعده على الاستمرار، لكنه لم يحجب الحقيقة المرة: ثمة كيان ضخمة تربض في نهاية هذا المسار.
[تحذير]
[تم رصد كيان ذو طاقة غير قابلة للقياس]
[مستوى التهديد: كارثي]
[نصيحة النظام: الانسحاب الفوري هو الخيار الوحيد]
نظر ريو إلى النافذة الزرقاء المتوهجة، ثم أغلقها بإيماءة ذهنية باردة.
"لا يوجد مكان أنسحب إليه." تمتم بهدوء، وواصل السير.
بعد دقائق، وصل إلى مساحة شاسعة. الجدران كانت مُغطاة برموز قديمة ومعقدة، تتوهج بدقة مخيفة. ارتفع السقف إلى علو شاهق ضاع في العتمة، بينما كانت الأرض محفورة بدائرة ختم ضخمة، ينبعث منها ضوء ذهبي خافت.
وفي المركز... استقر تنين.
توقف ريو تمامًا. لم يتجمد جسده خوفًا، بل إدراكًا لعظمة المشهد. الكائن أمامه كان أضخم من أي خيال؛ جسد أسود مُخضرّ، حراشف تتلألأ كالجواهر، وأجنحة مثقوبة بسلاسل من ضوء ذهبي. كان الرأس — بحجم صخرة عظيمة — مُستلقيًا على الأرض، لكن النَفَس يتصاعد منه ككُتَل من طاقة مرئية.
[تحليل الكيان...]
[الصنف: تنين حقيقي (مختوم)]
[اللقب: التنين العاصف]
[الاسم: ؟؟؟]
فجأة، تحرك الوعي قبل الجسد. انفتحت عين واحدة ذهبية، عملاقة، توهجت كشمس صغيرة وحدّقت مباشرة في ريو. تجمد الهواء، وتوقفت الماجيكولز عن الحركة، كأن العالم يحبس أنفاسه.
"...إنسان؟"
صوت عميق، مُدوّي، اهتزت له ضلوع ريو. "بعد كل هذا الوقت... إنسان فانٍ يدخل إلى سجني؟"
انهال الضغط الروحي على ريو ككتلة جبل. بدأت عظامه تصدر طقطقة خفيفة، وقلبه خفق بعنف كأنه سيخرج من صدره. لكنه لم يركع. لم ينحنِ. لم يرتعش.
"سواء كنت إنساناً أو فانياً،" قال ريو بصوت هادئ رغم الألم، "يبدو أنني الوحيد الذي سيسمع صوتك اليوم في هذا القبر الصخري."
اتسعت العين الذهبية قليلاً، وصدرت ضحكة هزت الصخور. "جريء! بشر متهور لا يعرف حتى من يخاطب! أنا التنين العاصف الذي ارتعدت له القارات! ألا ترتجف فرائصك عند سماع اسمي؟"
نظر ريو إلى السلاسل الذهبية التي تقيد الجسد العملاق، ثم عاد بنظره إلى عين التنين.
"التنين العاصف... اسم مهيب،" قال ريو بنبرة مستوية. "لكن السلاسل التي تقيدك تقول إنك الآن مجرد سجين آخر في هذا الكهف، تماماً مثلي. أنا ريو، وبدلاً من الارتجاف، أفضل أن أتعلم كيف أتنفس في حضورك."
انفتحت العين الثانية. عينان ذهبيتان الآن تحدقان فيه، تدرسانه من الرأس إلى القدم. "محبوس... أنت؟" ضحك التنين بفضول. "أيها الفاني الضئيل، كيف تجرؤ على مقارنة نفسك بي؟"
"لأني أفهم الحبس،" رد ريو بهدوء. "أنت مختوم بسلاسل الضوء، وأنا مقيّد بجسد فانٍ ضعيف، في عالم لا أعرفه، بلا ذاكرة ولا قوة. لكن الفرق بيني وبينك... هو أنني لا أنتظر أحداً ليحررني."
تغيرت نظرة فيلدورا من الفضول إلى شيء أعمق. "أنت... غريب. كل البشر الذين دخلوا هذا الكهف سابقاً هربوا مرعوبين أو سقطوا ساجدين. لماذا لا تفعل أيًا من هذا؟"
"لأنك لست عدوي، ولست إلهي أيضاً. أنت مجرد كائن على طريق مختلف. طريقك توقف عند هذا الختم، أما طريقي... فقد بدأ للتو."
رفع فيلدورا رأسه قليلاً بقدر ما سمحت السلاسل. "وماذا يفعل فانٍ ضعيف مثلك في كهف مليء بماجيكولز قاتلة؟"
"أتعلّم البقاء،" أجاب ريو بصدق. "ثم أصبح أقوى، ثم أفهم هذا العالم.. وربما أبحث عن الخلود."
"الخـلود؟" ضحك فيلدورا ضحكة مُجلجلة ملأت الكهف كله. "أيها الإنسان الصغير، أنا خالد بالفعل! وانظر أين انتهى بي المطاف!"
"الخلود دون حرية ليس إلا سجناً أطول،" قال ريو بهدوء. "لكن الخلود مع الداو... هو الطريق الحقيقي."
توقفت الضحكة. ساد صمت جاد. "الداو؟ ما هذا؟"
"التوازن. الطريق. الجوهر الذي يحكم كل شيء،" شرح ريو بصوت هادئ. "القوة وحدها لا تكفي، والحرية وحدها لا تدوم. لكن الداو يجمع كل شيء. حتى أنت، أيها التنين العاصف، تخضع له.. ولهذا أنت هنا."
ساد صمت عميق، ثم تحدث فيلدورا: "لا أحد... تحدث معي هكذا منذ زمن طويل. أنت مُثير للاهتمام، ريو. شديد الاهتمام."
"هل ستقتلني؟" سأل ريو ببساطة.
"لا،" أجاب فيلدورا فوراً. "أنت أضعف من أن يكون قتلك مفخراً لي. بالإضافة إلى ذلك، أنا وحيد منذ ثلاثمئة عام، ووجود إنسان يتحدث معي بهذه الطريقة... مُسلٍّ. سأراقبك يا ريو، لنرى إن كان هذا 'الداو' الذي تتحدث عنه حقيقة أم مجرد كلمات فانٍ يحتضر."
"شاهد إذن،" قال ريو، وانحنى قليلاً — ليس خضوعاً، بل احتراماً. "وإن نجوت، سأشاركك قصص الداو."
"هاهاها! أتطلع لذلك!" ضحك فيلدورا، ثم أغلق عينيه مجددًا. "اذهب يا ريو. ابحث عن مائك. اصنع بقاءك. سأكون هنا... كالعادة."
استدار ريو مبتعداً، وقبل أن يختفي في الظلام، سمع صوت التنين مرة أخيرة:
"ريو... لا تمت بسرعة. الوحدة مُملة."
ابتسم ريو، رغم أنه لم يلتفت. "سأفعل ما بوسعي."
[مهمة خاصة مُفتوحة: اكسب ثقة فيلدورا]
[التقدم: 5%]
في عمق الكهف، وجد ريو نبعاً صغيراً ينبع من شق في الصخر. ركع، وشرب ببطء وهدوء. ومع كل رشفة، شعر بالحياة تعود إليه قطرة قطرة.
"الداو هو الطريق..." همس لنفسه. "وهذه... مجرد الخطوة الأولى."
خلفه في الظلام، انفتحت العينان الذهبيتان قليلاً، تراقبان ظهره بصمت.
فيلدورا لنفسه. "هذا... قد يكون أكثر تسلية مما ظننت."
نهاية الفصل الثاني