أمام منزلٍ صغير يقع في إحدي أزقة مدينة يانتشنغ، جلس شو مينغ أمامه وضع خشبةً صغيرة، يبيع عليها بضعة روايات قام بكتابتها سابقاً.
أمامه كان الشارع الرئيسي للمدينة مليئاً بالناس بشكلٍ حيوي، بقي شو مينغ يراقبهم، بعضهم يبستم، الآخر يسير بملامح حزن، توتر، غضب .
كانت تلك عاداته اليوميه، فقد إعتاد مراقبة الأشخاص من الزقاق حتي غروب الشمس، إلي أن يأتي بضعة أطفال و بالغين من الحيّ القريب ليقص عليهم قصصاً من نسج خياله .
كان يستمتع بإلقاء القصص عليهم من حينٍ لآخر، كما كان يتقاضى بضعة عملات نحاسية قليلة من آباء تلك الأطفال، ماجعله قادراً علي البقاء حياً في هذا العالم الموحش .
كان الوقت الآن ظهراً، ضربت آشعة الشمس الحارقة وجهه النحيل، إلا أن خلف تلك النحالة إختبأ وجهٌ وسيم، بملامح حادة كالسيف، وشعرٍ أسود كالفحم، عيونه كانت تلمع كالنجوم في السماء، لم تكن ملامحه واضحة لتلك الدرجة بسبب فقره الذي أحاله لتلك الحالة فجعله كشخصٍ عاديّ بين البشر .
وضع يده ببطءٍ علي خده متذكراً تلك السنوات التي قضاها علي كوكب الأرض، عندما كان يجلس علي أريكته المريحة، يقلب مقاطع الفيديو القصيرة، يكتب القصص وينشرها علي المواقع، يمارس هواياته واحدة تلو الأخري، و أهمها...كان الطعام، شرائح البيتزا الطازجة و الدجاج المشويّ مع كوبٍ من المياه الغازية .
لم يكن يجوع كحاله الآن، فقد ترك كل ذلك قبل تسع عشرة عام، حينما ضربته صاعقةٌ في يومٍ ممطر أثناء محاولته الإستناد علي عمود إنارة بالشارع بعد تعبه من الركض محاولاً إجتناب المطر .
بعد ذلك بلحظات فتح عينيه، فإذ به بجسد طفل رضيع بعمر عدة أشهرٍ فقط، رُبي في دار أيتامٍ إلي أن بلغ الخامسة عشر فقرر الإعتماد علي نفسه منذ ذلك الحين .
حاول بيع الكتب و الروايات التي يكتبها، لكن تلك القصص لم تحظَ بتلك المكانه في قلوب العامة و النبلاء علي حدٍّ سواء، قلة قليلة فقط ممن إشتروا كتبه جعلتهم يشعرون بالحماس، في هذا العالم لم يبدو أن هناك روايات لتسيلة الأشخاص .
لذا إستمر في كتابتها علي أمل أن تحظَ بالتقدير يوماً ما، فيرتفع كشخصٍ ثري ويعيش حياةٍ مترفه إلي أن يبلغ الثمانين ويموت كأي شخصٍ عادي .
لكن الآن، بدأ ذلك الحلم في التدمر، فقد تقبل مصيره بالفعل كشخصٍ عادي من عامة الناس، كان هذا العالم كالصين القديمة، حيث يعمل الأشخاص بلا كللٍ أو ملل ألي أن يأتي يوم موتهم، قلة فقط ممن يحظون بتقدير النبلاء و المسؤولين الحكوميين ترتفع مكانتهم ليعيشوا كأثرياء .
في الواقع فكّر من قبل في أن يترك الكتابة ويتوجه نحو الطبخ ، فهنا لم تكن هناك العديد من الأطعمة المشهورة في حياته سابقاً، فكّر بإنشاء مطعمٍ من قبل وصنعها، فقد تأتي بزبائن ويتوسع عمله إلي أن يصبح ثرياً .
لكنه تخلَّ عن ذلك، فقد شعر كأنه قُدّر له الكتابة، منذ تلك اللحظة التي ولد فيها في حياته الماضيه، ففي وعيه كان هناك كتاب يبدو كأي كتابٍ عادي، كان ذلك الكتاب معه في حياته الماضيه، وقد جاء معه هنا أيضاً .
حاول رفع مقطع فيديو يتحدث عن ذلك الكتاب الغريب في وعيه سابقاً، لكن الناس سخروا منه بشدة ناعتين إياه بالمجنون أو نحو ذلك .
إلا أنه تجاهلهم، حاول سابقاً سحب ذلك الكتاب من وعيه لكن فشل، لذا إستسلم وبدأ في كتابة القصص بورقٍ عاديّ، وبشكلٍ غير متوقع، كان موهوباً في ذلك لدرجة إنتشار قصصه بشكلٍ غير طبيعي علي الإنترنت مما جعله كاتباً مشهوراً .
الآن في هذا العالم، لم تحظَ كتبه بأي إهتمامٍ تقريباً إلا أنه تجاهل الأمر كلياً، وركز علي إكمال كتبه، كما حاول إخرج ذلك الكتاب الغريب من وعيه مرة بالفعل، فنجح في إخراجه للواقع .
فإذ بصفحاته فارغة تماماً، ففهم أن ملء تلك الصفحات يقع علي عاتقه، فبدأ بكتابة قصصه الخاصة بذاك الكتاب الغريب .
في هذا العالم إنتشرت فنون القتال العادية بشكلٍ كبير، لذا إستوحي تلك الفنون القتالية ووضع قصةً جديدة داخل ذلك الكتاب، لكن وبشكلٍ غير متوقع، بعد كتابة قصة و عندما كان علي وشك الدخول الأحداث الرئيسية للقصة، شعر بتعبٍ شديد جعله طريح الفراش لعدة أيام .
في تلك الأيام عاش بفقرٍ شديد غير قادر علي النوم أو علاج نفسه، أو إيجاد لقمة يأكلها حتي، مما زاد حاله سوءً، لولا مرور طبيبٍ رحيم ورؤية حالته لكان قد مات في ذلك اليوم .
ظن في البداية أن ذلك مرضٌ عادي، فإستأنف كتابة القصة بالكتاب في وعيه، مع تجهيزات كاملة بجانبه، كحبوبٍ و أعشابٍ علاجية رخيصة تُباع في الشوارع وبضعة أرغفة من الخبز الجامد، كان هناك إحتمالية بكون ذاك الكتاب هو السبب، فأي كتابٍ طبيعي يظهر في وعي المرء ؟!
وبعد كتابة صفحيتن، وصل لأحداث القصة، فمرضَ كالمرة الأولي تماما، هذه المره كانت أقل صعوبة بسبب تجهيزاته فإستطاع المرور من تلك المحنه، لذا وضع الكتاب في وعيه و أقسم ألا يفتحه مجدداً .
إستأنف حياته الطبيعيه منذ ذلك اليوم، كتابة الكتب بالصباح، وبيعها بالشوارع، إلقاء القصائد و القصص المثيرة في المساء مع جيرانه و أطفال الشوارع .
إختفي ضوء الشمس وحلّ ظلام الليل، كان الآن موعد قدوم الأطفال من الحي المجاور و البالغين مستمعين لقصصه، فبدأ بتنظيم الكتب أمامه .
فكر في نفسه: " همم، أي قصة يجب أن أبدا بها..؟ "
سمع صوت أقدامٍ آتية نحوه، كانت خطواتٍ خفيفه، صوت أقدام أطفالٍ صغار .
دخل خمسة أطفال واحداً تلو الآخر إلي الزقاق الضيق : " العم شو! "
فور رؤيته صرخ الأطفال بسعادة بصوت موحد، كانت تلك وسيلة الترفيه الوحيدة لهم، فبعد يومٍ طويل من العمل الشاق كانوا يستمتعون بسماع تلك القصص التي يلقيها عليهم شو مينغ .
إرتسمت إبتسامة هادئة علي وجه شو مينغ " إجلسوا، سأخبركم اليوم بقصة الخالد البشري "
كان المجلس عبارة عن حصيرة صغيرة، غالباً ما إستخدمها شو مينغ للنوم، فلم يملك منزلاً يأويه من الأمطار و غيرها
جلس الأطفال بهدوء وطاعة، الحماسة تظهر علي وجوههم، لم يُلق شو مينغ القصة عليهم فوراً، بل إنتظر وصول آبائهم، فقد إعتاد علي وصول الأطفال مبكراً .
" شو مينغ ! " سمع صوت شخصٍ بالغ ينادي عليه، فإلتف ليري رجلاً عجوزاً يتكئ علي عكازٍ يتقدم نحوه .
" العم يو! تعال إجلس " إبتسم شو مينغ بسعادة، ودعاه للجلوس فوراً .
كان العم يو دائماً ما يعطيه الطعام في الأيام الصعبة عليه، كما إستمتع دائماً بقصص شو مينغ الخيالية خاصةً تلك التي تتحدث عن الخلود وغيره من الخرافات .
نهض أحد الأطفال بعمر السابعة من مكانه، كان طفلاً صغيراً يُدعي لي وي : " الجد يو ! تعال و إجلس بجانبي " لوّح بيده بهدوءٍ إلي العم وي مبتسماً .
" حسناً حسناً، من لدينا هنا؟ الصغير لي " تقدم العم وي بعصاه و ربت علي رأس لي وي قليلاً ثم جلس بجانبه بهدوء .
بعد جلوسه مباشرةً جاء آباء الأطفال واحداً تلو الآخر، تبادلوا التحيات مع شو مينغ، الإبتسامات المليئة بالتعب تعلو محياهم، فرغم تعبهم من العمل الشاق إلا أن تلك القصص القصيرة من شو مينغ دائماً ما تزيل آثار التعب اليومي .
بعضهم قدّم الهدايا القليلة لشو مينغ، كخبزٍ يابس أو حساءٍ قليل، بعضهم أحضر القليل من القماش الخشن، لم تكن أشياءً غالية إلا أنها تركت في قلبه إنطباعاً جيداً عنهم، فرغم فقرهم مازالوا يحضرون له الهدايا .
بعد ساعتين—إنتهي شو مينغ من إلقاء قصصه، غادر الأطفال مع آبائهم بسعادة، تبعهم العم يو، الآن لم يتبقَ سوي شو مينغ و كتبه .
بدأ بتنظيمهم، و إخفائهم لكي لا يتعرض للسرقة أثناء نومه، ثم جلس علي الحصيرة بثيابٍ قصيرة غير كامله، دون غطاءٍ يأويه من برد الليل، أخرج الحساء و الخبز اليابس الذي حصل عليهم للتو، وبدأ بأكلهم، كانت تلك أو وجبة يتناولها طيلة يومه .
بعد أن إنتهى، وضع الإناء جانباً و إستلقي علي الحصير، دون تفكيرٍ كثير أغمض عينيه بهدوء و خلد إلي النوم .
تغير الليل و طلعت شمس الصباح، ضرب ضوء الشمس الوهّاج وجهه موقظاً إياه، فتح شو مينغ عينيه بهدوء، نهض بهدوء وبدأ بشد أطرافه .
شعر بظهره متيبساً من النوم علي الحصير، إلا أنه تجاهله، فقد شعر بذات الشعور مراراً وتكراراً إلي أن إعتاد عليه، بدأ بتنظيم كُتبه، أقلامه و أوراقه، كان شعور تأليف قصةٍ جديده أو شعرٍ جديد يهوّن عليه هذه المعيشة المتواضعة .
كانت الكتابة مهربه الوحيد من حياته، رغم ذلك، كان دائماً ما يشعر بالحماس عند كتابة معركة ما، تمني تجربة شعور القتال يوماً ما .
حلّ الظهر، كان اليوم من أشد الأيام حرارة منذ قدومه لهذا العالم، كان ممتناً لصاحب المنزل الذي سمح له بوضع بضاعته أمام منزله، فقد إستطاع الإختباء من حرارة الشمس الحارقة في ظلال ذاك المنزل، بالإضافة إلي إستكمال بيعه .
في الشارع الرئيسي، مرت عربة يسحبها خيلين نفيسين، حول العربة مشي عدة محاربين يرتدون رداءً علي طرازٍ صيني قديم، رداءً بلون أحمر ناري، كلٌّ منهم يحمل سيفاً حول خصره .
كان الماس يجتنبون تلك العربة أثناء سيرها، فتلك كانت عربة لشخصٍ من عشيرة قتالية عشيرة - لو - أحد العشائر الأربعة الكبري بمدينة يانتشنغ .
كانت عشيرة قتالية نبيلة، كانت تحوي محاربين قاموا بتنمية ما يسمي بالطاقة الداخلية، جعلهم ذلك يحتلون مركزاً وهيبة داخل المدينة .
داخل العربة جلست فتاةٌ بشعرٍ أزرق طويل ورداءٍ بنفسجي مُطرزٌ برموزٍ جميلة، كانت تحمل هيبةً نبيلة، في يدها كانت ممسكةً بكتابٍ تقرأه بهدوء .
تنهدت الفتاة قليلاً : " قد مللت من قراءة الكتاب ذاته لمراتٍ عديدة " عبست قليلاً و أغلقت الكتاب واضعةً إياه علي الكرسي المقابل .
سمعها كبير الحراس الذي يسير بجانب العربة: " سيدتي، لما لا تتخلين عن الدراسة و تنضمين لصفوف المحاربين؟ لديك موهبة جيدة بالتأكيد "
عبست الفتاة بمجرد سماع ذلك ووضعت يدها علي خدها ناظرة لنافذة العربة: " أريد الإنضمام للبلاط الإمبراطوري، من الطبيعي أن أدرس، كما أنني لا أحب القتال و القتل "
أثناء نظرها للخارج، لمحت شاباً بملابس بسيطه يجلس أمام أحد المنازل القديمة، حوله كان هناك العديد من الكتب الملقاة بلا مبالة .
" كبير المحاربين، قف هنا، أريد إلقاء نظرة علي تلك الكتب " تحدثت الفتاة بهدوءٍ أثناء نظرها علي الكتب أمام شو مينغ فتوقفت العربة علي جانب الطريق .
نزلت الفتاة بهدوء، وسارت نحو شو مينغ، حولها كان هناك ثلاثة حراس يأمنون خروجها ودخولها، مما يظهر مكانتها في عشيرتها .
وقفت أمام شو مينغ مباشرة، فرفع عينيه ليري فتاة تقف أمامه، بسبب مظهر الحراس من حولها شعر شو مينغ بالتوتر قليلاً .
" ماهو محتوي تلك الكتب؟ ومن كتبها ؟ " سألت الفتاة بنبرةٍ لطفية و أنيقة .
.
.