بسماع ذاك الصوت الرقيق أمامه مباشرة، رفع شو مينغ عينيه ببطء، رأي أمامه فتاةٍ جميلة بشعرٍ أزرق طويل و زيّ مُطرز باذخ ، خلفها سار ثلاثة حراس سيوفهم حول خصرهم كلٌّ منه يشع بهالةٍ غريبة .

بمجرد رؤية كلمتي " عشيرة لو " علي زيّهم الأحمر، عرفها فوراً، كانت تلك هي إحدي العشائر الأربعة الكبري داخل مدينة يانتشنغ .

نهض من مكانه و ضم يديه معاً: " السيدة الشابة، هذه الكتب بعضها تتحدث عن القصص الخيالية و الآخر بضعة قصائد عادية و بضعة معلوماتٍ تعليمية ، أما عن كاتبها، فقد كتبتها بنفسي "

تفاجأت لو شيا بذلك، فهنا لم يحظَ العامة بفرصة لتعلم القراءة و الكتابة، سوي القليل منهم، أما عن كتابة القصائد وغيرها، كان ذلك شبه مستحيل إن لم تكن من عشيرة من المسؤولين الحكوميين أو عشيرة قتالية : " أوه؟ إذا كم سعر كل تلك الكتب؟ "

تفاجأ شو مينغ من سؤالها إلا أنه أجاب بهدوء ضاماً يديه: " سعرها يساوي خمسة عملات فضية "

نظرت لو شيا للحارس بجانبها، فأخرج كيساً مليئاً بالعملات الفضية، كان يحوي ما لا يقل عن عشرين عملة، فأخذته ومدت يدها لشو مينغ بإبتسامة رقيقة: " خذ هذا المال، لا يمكنني شراء كل تلك الكتب بهذا الثمن البخس "

لم يرفض شو مينغ، بل مد يديه و أخذ الكيس بهدوء: " شكراً لكِ أيتها السيده الشابه "

أومأت له بهدوء، كما بدأ الحراس بجمع تلك الكتب التي تزيد عن خمسة عشر كتاباً، كان سعر تلك الكتب يزيد بالتأكيد عن خمسة عملات فضية بل وربما يزيد عن عشرين، لكن إن لم يقم شو مينغ ببيعها لربما تعرضت الكتب للسرقة أو تمزقت صفحاتها بسبب المطر الذي كان ينزل بشكلٍ غير منتظم لذا سارع ببيعها بسرعه .

قبل ركوب لو شيا العربة مجدداً إلتفت ونظرت لشو مينغ بهدوء " ماهو إسمك أيها السيد؟ "

رد شو مينغ : " إسمي؟ شو مينغ "

شعرت لو شيا من كلامه سابقاً بأنه ليس متشرداً، فقد كان يعلم آداب الحديث، بل ويتحدث بلباقة وهيبة تتخطي المشردين غير المتعلمين.

بعد الحصول علي الإجابة، ركبت العربة بهدوء : " إنطلقوا نحو العشيرة " كما فتحت أحد الكتب التي تحوي قصيدة كتبها شو مينغ بنفسه، أبهرتها كتاباته الخاصة، عمق المعاني، وزن الكلمات وغيرها الكثير، فتحت كتاباً آخر فإذ به يحوي قصة خيالية تتحدث عن مشرد أنشأ إمبراطورية عظمي، كانت قصصه مثيرة لا تحوي لحظة مملٍ واحدة فتابعت القراءة .

أما شو مينغ، فقد أخذ المال وذهب لشراء بعض الطعام ليسد جوعه، كان طعامه عبارة عن فخذ دجاج مع قطعة خبز طازج، لم يتذوق الدجاج منذ أكثر من شهرين، لذا قرر الإستمتاع ومكأفأة نفسه علي إنجاز اليوم .

بعد أن إنتهي من طعامه، وضع إناء الطعام جانباً و إستلقي علي سريره بهدوء: " سأرتاح الليله، غداً سأكتب المزيد " فكر داخلياً، بعدها أغلق عينيه ببطء .

في عشيرة لو، وصلت العربة أمام بوابة للعشيرة تقع علي جانب الشارع، نُحت كلمة " لو " علي البوابة الخشبية للعشيرة، فُتحت البوابة بهدوء .

داخل العربة كانت لو شيا تقرأ كتب شو مينغ بهدوء وتأمل، جاهلةً وصول العربة للعشيرة حتي فإذ بأحد الحراس خارجاً يذكرها: " سيدتي، وصلنا للعشيرة "

بسماع ذلك، أغلقت لو شيا الكتاب في يديها، غير قادرةً علي الإنتظار للجلوس مبفردها وقراءة تلك الكتب بهدوء، أعجبتها كتابات شو مينغ، سواء كانت القصائد أو الكتب الخيالية، أو المعلومات العامة القليلة التي قام بكتابتها .

فأمرت الحراس: " خذوا الكتب وضعوها بغرفتي، عاملوها بحذر كي لا تتمزق، سأقوم بدراستها لاحقاً "

إنحني الحرس قليلاً و بدأوا بجمع الكتب الملقاة داخل العربة، تقدمت خادمة صغيرة: " مرحباً بعودتك سيدتي، هناك أخبارٌ رائعه ! "

كانت تلك خادمتها الخاصة، فنظرت لها لو شيا بوجهٍ تملأه علامات الإستفهام: " يانشي؟ أي خبرٍ يستدعي هذا كله؟ "

إبتسمت الخادمة وردت: " تحسنت علاقة سيد العشيرة بالسيد الشاب الأول، كما إتضح أن السيد الشاب يتدرب تحت قيادة مدربٍ قوي! لكنه رفض قول إسم معلمه "

" لكن قوة السيد الشاب مذهلةٌ حقاً، كاد يهزم سيد العشيرة في قتال، ربما لو كان قتالاً حقيقياً لإنتصر! " كانت إبتسامة غبية تعلو محيا يانشي وهي تشرح وضع العشيرة في غياب لو شيا .

توقفت لو شيا قليلاً بسماع ذلك، ولد أخوها الأكبر بإنسداد قنوات الطاقة منذ صغره فعجز عن ممارسة فنون القتال، أدي لخيبة أمل والده وشيوخ العشيرة تاركين إياه كأي تلميذ منخفض الكستوي داخل العشيرة، لم يُعامل قط كسيد شاب لعشيرة لو !

لكن الآن أصبح يُعامل كسيد شاب بل وتحسنت علاقته بوالد وفوق هذا كله أصبحت قوته علي قدم المساواة مع سيد عشيرة لو.. " يانشي، كيف عولج مرض أخي؟ "

ردت يانشي: " السيد الشاب قال أن معلمه ساعده، لم يقل أكثر من هذا..سأقودك للداخل سيدتي، سترين بنفسك! "

سارعت يانشي خطواتها نحو مبني صغير في منتصف العشيرة، داخل المبني—جلس السيد الشاب الاول لعشيرة لو - لو فينغ - علي كرسيّ مرتفع، بجانبه جلس سيد عشيرة لو

- لو شين - بشعرٍ أزرق مع بضعة خيوطٍ من اللون الأبسض تدل علي كبر عمره .

كان لو فينغ بشعره الأحمر الشبيه بشعر والدته وعيونه الذهبية، وملامح حادة، يملك هيبة سيد شاب حقيقي تشع منه طاقة داخلية عميقه .

علي اليمين و اليسار، جلس شيوخ عشيرة لو علي كراسي أقل إرتفاعاً من كرسيّ لو فينغ و لو شين .

سمعوا منادٍ ينادي : " دخلت السيدة الشابة لو شيا ! "

بعد ذلك الصوت، دخلت لو شيا بنفس ملابسها السابقة، تسير خلفها خادمتها يانشي ورأسها منحني للأسفل، كانت لو شيا تسير بسرعة لتري التغيرات التي حدثت بالعشيرة .

بمجرد دخولها ووقوفها أمام كرسيّ والدها و لو فينغ تكلمت: " أبي؟ ماذا حدث هنا؟ و–لو فينغ...هل تعافيت ؟ "

نظر لها لو شين نظرات فرحة : " هاهاها، لا بأس لو شيا، أخوك تعافي كلياً، قريباً سنكون العشيرة الأولي بالمدينة بأكملها هاهاهاها "

لم يتحدث لو فينغ بل بقي هادئاً كعادته دائماً، لم يكن بارداً إعتاد فقط البقاء صامتاً، كما واصلت لو شيا سؤاله " لو فينغ! "

رفغ لو فينغ عينيه ونظر لها بعمق، لم تكن أخته خائفة بل كانت نظرات قلقٍ فقط...: " أختي...لا داعي للقلق لقد تعافيت حقاً " أجابها بإبتسامة دافئة دون مبالغة .

فرحت لو شيا بسماع ذلك الخبر فتساقطت الدموع من عينيها بلا شعور، نهض لو فينغ وحاول مواساتها، كان ذلك مشهداً يفرح قلب العشيرة بأكملها .

مرّ يومان بهدوء منذ ذلك اليوم، في الزقاق كان شو مينغ يكتب المزيد من الكتب بسعادة، في اليومان الماضيين لم يجوع كثيراً، فقد إستفاد من تلك الأموال المُقدمة من لو شيا، كان يتمني أن تعجبها كتاباته فتعود لشراء المزيد منها....

في نهاية الشارع، كان هناك حارس من عشيرة لو يسير كأنه يبحث عن شيئ ما، فكان يتوقف عن الأشخاص ويسألهم عن شيئ ما، إلي أن أشار شخصٌ ما علي شو مينغ من بعيد .

لم يرَ مينغ شو ذلك فقد كان مركزاً علي كتاباته الخاصة، تقدم ذلك الحارس بهدوء إلي أن وقف أمام شو مينغ فسأله بنبرة تعالي : " أأنت المشرد التي أخذت سيدتنا منه كتباً؟ "

نظر له شو مينغ دون أن يقف: " نعم لكني كاتب ولست مشرد، ماذا تريد إذاً؟ " كانت كلماته باردة، فقد رأي ملابس ذاك الشخص، كان بوضوح من عشيرة لو، رغم هيبة العشيرة إلا أن ذلك الشخص تحدث معه بتكبر للتو، كان لديه كبريائه الخاص أيضاً .

ضيق الحارس عينيه قليلا: " أنت! تسك، لولا أن السيده أمرتني بإحضارك لمزقتك إرباً الآن، هيا إنهض و إتبعني "

بسماع ذلك وضع شو مينغ الحبر من يديه، ونظر في عينيّ الحارس مباشرة: " إن كانت سيدتكم تريد حضوري فلتأتي لهنا بنفسها، فلست حشرةً تُساق كالحمير " .

كلانغ ! ( صوت سحب السيف من غمده )

لم يستطع الحارس تحمل إهانة من مجرد مشرد في نظره، فسحب سيفه بلا تردد مستعداً لقطع عنقه، إلتفت بعض الأشخاص ناظرين لحارس عشيرة لو .

" يا إلهي هل تريد عشيرة لو قتل شخصٍ ما؟ "

" أي شخص تجرأ علي إهانة حارس عشيرة لو ؟ "

بدأت محادثات كهذه في الجوار، إلا أن الحارس لم يتراجع بسبب كلاماتهم لكن قبل رفعه السيف ليقطع عنقه تكلم شو مينغ: " فكر بالأمر، أتريد قتلي أمام كل تلك الأعين؟ كيف ستكون سمعة عشيرة لو - العظيمة - بعد قتل مجرد متشردٍ -حقير- يبيع الكتب في الشارع؟ لربما يقطع سيد العشيرة رأسك بنفسه بمجرد سماع ذلك "

فكّر الحارس قليلاً، فرأي كلام شو مينغ مقنعاً، فوضع السيف في غمده سريعاً قبل إنتشار إشاعاتٍ غريبة عن العشيرة : " أنت...ستندم "

بعد إنتهائه من الحديث إلتف الحارس وغادر تاركاً شو مينغ دون كلام أكثر

تنفس شو مينغ الصعداء، كان قلبه يخفق بشدة الآن، فقرر تغيير هذا الطبع بداخله، رغم كون كرامته وكبريائه مهمين، إلا أنه نسي للحظة أن هذا العالم يُقام علي حد السيف فقط..

بدون قوة لن تكون أكثر من مجرد حشرةٍ تذبح وتُلقي علي جانب الطريق دون إيجاد من يدفنك، الآن بعد أن أساء لعشيرة لو، لم يعد له مكان في مدينة يانتشنغ: " اللعنة ! "

عض علي أسنانه بقوة بغيظٍ مكبوت، إلا أنه تمالك نفسه سريعاً، بدأ سريعا بجمع الأوراق و الحبر التي قام بشرائها بالأمس، لم يتبقَ معه سوي خمسة عملات فضيّه، بالكاد تكفي لإيصاله لمدينة أخري .

بعد جمع أغراضه القليلة، إستعد للرحيل، ولو لم تكن عشيرة لو بأكملها لتلاحقه، إلا أن ذلك الحارس قبل قليل قد يأتي نع رفاقه لضربه أو حتي قتله في زاوية ما دون أن يشعر أحد...كانت تلك طبيعة ممارسي فنون القتال، لم يكن هناك ما يسمي بالفضيلة أو الشرف .

ما يسمي بفنون الدفاع عن النفس مجرد كذبة كبيرة، فقد صممت للقتل فقط لاغير، تلك كانت الحقيقة التي ينكرها فناني القتال المتظاهرين بالفضيلة...

فنان قتال شيطاني أو خيّر ؟ كانت تلك مجرد مسمياتٍ إتخذها عاشقي السلطة جاذبين الشباب نحوهم عشقاً للسلطة فقط لا غير، كانت تلك حقيقةً مُطلقة فهمها بعد أعوامٍ قليلة من عيشه هنا، فقد شاهد جرائم قتلٍ كثيرة من قبل... بل حتي هو نفسه قد قتل شخصاً من قبل... إلا أنه كان حثالة يختطف الأطفال الصغار، فقد إستحق ما حدث له..

..

بعد جمعه لأغراضه بالكامل وعند إستعداده للمغادرة سمع صوتاً مألوفاً من الخلف: " أيها السيد ! إنتظر !"

إلتف ليري صاحب الصوت، فوجدها كانت تلك الزبونه قبل يومين، السيده الشابة الثانية لعشيرة لو - لو شيا - .

2026/04/11 · 4 مشاهدة · 1611 كلمة
Mohammed
نادي الروايات - 2026