مراقباً أطياف «جاسم» والآخرين وهم يغادرون، قال «زيد» بنبرةٍ غلبت عليها الغبطة: «هنيئاً للموتى بحالهم، فهم لا قيود تغلّهم، ويملكون حرية المجيء والذهاب كما يشتهون».
فحتى شخصٌ بقوته الجبارة، وجد نفسه عاجزاً عن المغادرة منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماه أرض ذلك الحاجز. إن كل ثانية تمر في «لعبة التصفية» مشبعة بالصراع، ومعظم المشاركين الذين بُعثوا من جديد يذبح بعضهم بعضاً طمعاً في النقاط.
ابتسم «عزّام» في قرارة نفسه؛ ففي حالة «تقنية الانبعاث الترابي»، لا تسري عليهم القوانين حقاً.
«سأذهب للبحث عن "مؤمن"».
نطق بها «طارق»، الذي كان يرتدي قميصاً أسود ضيقاً يبرز بنيته، وهو يرمق «عزّام» بنظرة عابرة قبل أن يتوارى عن الأنظار في لمحة بصر. وبحكم جيناته المتعطشة للقتال، ما كان «طارق» ليفوت فرصة قنص الأقوياء، غير أن المصير المستقبلي لابنه «مؤمن» كان لا يزال شاخصاً أمام ناظريه، ولن يسمح بحدوث ذلك أبداً.
حملق «زيد» في الاتجاه الذي سلكه «طارق» بنظرات غير ودودة، وقال: «أهو حقاً والد "مؤمن" البيولوجي؟ وهل يأبه حقاً لسلامة ابنه؟».
ثم غيّر مجرى الحديث قائلاً: «إنه ذلك المغتال الذي هاجم المعلم "منصور" إبان حادثة "وعاء البلازما النجمي"، أليس كذلك؟».
قبض «زيد» على كفيه سراً؛ فلو تسنى له الأمر، لودّ حقاً أن يلقن «طارق» درساً قاسياً. فمن أجل سداد ديونه، باع طفله لـ «عشيرة الزين»، بل واغتال «وعاء البلازما النجمي» دون أدنى تردد طمعاً في الجائزة. ومن المعلوم أن ذلك الوعاء كان يمثل أهمية قصوى لعالم «فنون الأرواح» بأسره آنذاك.
في نظره، لم يكن «طارق» سوى مستغلٍّ باع ضميره بالكامل، ولحسن الحظ أن «مؤمن» يختلف عنه تماماً.
أومأ «عزّام» برأسه قليلاً وقال: «طارق يفتقر للإنسانية إلى حد كبير، لكن من حسن الحظ أن "مها" لا تشبهه في شيء، فهي تملك قلباً إنسانياً».
ثم استطرد مفكراً، فبالنظر إلى الوقت الحالي، لا بد أن «مؤمن» و«ياسين» قد نجحا في إقناع «حكيم» بالانضمام إليهما. ولن يتمكن من معرفة موقع «مؤمن» بدقة إلا إذا أنفق مائة نقطة لإضافة قاعدة تظهر موقعه.
قال «عزّام»: «يا زيد، ذلك الهجوم المرعب قبل قليل، لا بد أنه صدر من ساحر ذي تصفيفة شعر تشبه المدفع، أليس كذلك؟».
أجاب «زيد» بدهشة: «هاه؟ كيف عرفت؟ على الرغم من أن إجمالي طاقته الروحية لا يضاهي طاقتي، إلا أن مخرجات طاقته تفوق مخرجاتي قليلاً!».
نظر «زيد» إلى الأفق بملامح جادة وأضاف: «علاوة على ذلك، هناك ثلاثة أعداء آخرين يضاهونه في القوة!».
أثلاثة؟ يبدو أنه وصل في الوقت المناسب، وأن العجوز «درويش» لم يُقتل على يد «زيد» بعد.
على الفور، تحرك ذهنه، فظهرت «الدودة الذهبية» الصغيرة أمام عينيه، وهي تعرض شاشة ضوئية:
«درويش»: 99 نقطة!
«رعد»: 77 نقطة!
«تقى»: 75 نقطة!
«الخافور»: 54 نقطة!
...
هذه هي الميزة التي يوفرها «الخادم الروحي» المتمثل في الدودة الذهبية؛ إذ يمكن لجميع اللاعبين المنخرطين في اللعبة استخدامه للتحقق بسرعة من ترتيب النقاط. ويتصدر القائمة حالياً أقوى ساحر من قبل أربعمائة عام، المدعو «حازم»، برصيد مائتي نقطة!
أما «عزّام»، فقد دخل لتوّه إلى «لعبة التصفية»، ورصيده من النقاط لا يزال صفراً.
إذن، فلنبدأ بهؤلاء الأربعة.
«احم، يا زيد، اذهب مع "ريانة" لحماية البشر العاديين في المبنى، واترك هؤلاء الأربعة لي».
«ماذا؟! أتريد مواجهة هؤلاء الأربعة بمفردك؟!».
هتف «زيد» بذهول، ونظر إلى «عزّام» بعدم تصديق قائلاً بنبرة حازمة: «عزّام، فكر ملياً، هؤلاء الأربعة كائنات فائقة القوة! وخصوصاً تلك الساحرة التي تتحكم في السماء، فمن المستحيل التحصن ضد هجماتها! وعلى الرغم من أن هذه في جوهرها لعبة، إلا أنك إن متّ بالخطأ، فستموت حقاً!».
إن المعارك بين أصحاب «المرتبة الخاصة» أشد رعباً مما يتخيل المرء، وأي خطأ طفيف قد يكون قاتلاً. فإذا كان هذا حال مواجهة شخص واحد، فما بالك بمواجهة أربعة في آن واحد؟
«التحكم في الفضاء؟».
«يا لها من مصادفة، فأنا أجيد هذا أيضاً. أتساءل من منا يتفوق على الآخر؟».
ارتسمت ابتسامة خفيفة على ثغر «عزّام»، ولمعت في عينيه شرارة من الحماس.
«ما رأيك بهذا: اذهب أنت وكبح جماح وحش الصراصير و"درويش"، واترك الاثنين الآخرين لي. سيكون لكل منا خصمان، وهذا تقسيم عادل».
تشنجت ملامح «زيد»، وصرخ في قلبه معترضاً: «هل سمع حقاً ما قلته عن التحكم في الفضاء؟ تقسيم عادل؟ أتظن أننا في لعبة لتجميع الرؤوس؟».
إن الخصم ساحر قوي من «المرتبة الخاصة»، وليس حملاً وديعاً ينتظر الذبح. ولكن، لا بأس بهذا، سيتعامل مع خصميه بأسرع ما يمكن، ثم يهرع لمساعدة «عزّام».
وبناءً على هذا التفكير، قال «زيد» بنبرة مثقلة بالمسؤولية: «حسناً، أرجوك أن تكبح جماح الاثنين الآخرين، وسأقضي على خصميّ في أسرع وقت ممكن».
«هممم».
فتح «عزّام» عينيه ببطء، وتحولت «عين التقمص» في عينه اليسرى إلى «عين المانجيكيو الأبدية». لم يستخدم القدرة الهجومية لـ «سلطان البعد» منذ أمد بعيد، وقد اشتاق لتلك الأيام التي كان يلوي فيها رؤوس أعدائه بتلك التقنية. والأهم من ذلك، أنه يريد منافسة «تقى» في قدرات التلاعب بالمكان.
...
أدى الضغط غير المرئي للطاقة الروحية إلى توقف العديد من السحرة الضعفاء والأرواح الملعونة عن القتال والاختباء في كل مكان.
وعلى قمة إحدى ناطحات السحاب:
«هيهي، مثير للاهتمام. لقد تلقى هجومي مباشرة ولم يمت؟».
كان «رعد» مستلقياً بكسل على حافة السطح، ونصف جسده يتدلى في الهواء تقريباً كأنه على وشك السقوط في أي لحظة. نظر إلى اللوحة التي عرضتها «الدودة الذهبية» أمامه، ونفض رماد سيجارته بخفة.
«إذا تجرأ ذلك الشقي على القدوم وإفساد الموقف ثانية، فسأفجره إلى أشلاء!».
وبينما كان يتحدث، التفت نحو المبنى الشاهق المقابل بنظرة جادة. هناك، كان يجلس بوضعية التربع عجوز يرتدي أسمالاً بالية، بوجهٍ شاحب كالموت وجسدٍ نحيل للغاية. كانت عيناه الكدرتان تشعان بضوء ذهبي خافت، وهو يراقب الموقف من حوله باستمرار.
وعلى الجانب الأيسر من ذلك المبنى، كانت امرأة شقراء رشيقة، ترتدي ثياباً كاشفة، تتدلى في الهواء رأساً على عقب وهي تضم ذراعيها إلى صدرها. كانت تنظر إلى الأفق باهتمام.
إنها «تقى»، قائدة «فريق الشمس والقمر والنجوم» سابقاً!
جعلتها حدسها الحاد للغاية تشعر بتهديد قوي جداً؛ تهديد لم يأتِ من ذلك الفتى الذي طار بعيداً قبل قليل، بل ظهر فجأة وبغتة.
وبمجرد فكرة عابرة، عرضت لها «الدودة الذهبية» شاشة ضوئية. وبعد أن تفحصتها، تقوس ثغرها قليلاً.
«عزّام؟ أهو الذي جلب هذا الشعور الخفي بالاضطهاد؟».
أثار هذا في نفسها مزيجاً من التوتر والحماس.
وفي غرفة مظلمة في المبنى الواقع على اليمين، فتحت روح ملعونة، مغلفة بهالة سوداء وتشبه الصرصور في هيئتها، عينيها ببطء.
إنه الوجود الأكثر تميزاً في «لعبة التصفية»، الذي أطلقه المدعو «كمال». وهذا التزامن الغريب جعلهم يشكون في أن كل هذا قد تم تدبيره عمداً من قبل «كمال».