«من يكون هذا الرجل؟ لا يظهر عليه أي أثر لتموجات الطاقة المشؤومة، ومع ذلك يمكنه بلوغ سرعة الصوت بمجرد قوته البدنية المحضة؟»
نظر «لظى» إلى ظهر «جسّار» بفضول جارف؛ فكل حركة يصدرها ذلك الرجل كانت تنضح بهيبة خفية تفرض سيطرتها على المكان.
تصارعت الأفكار في رأس «لظى»: لو تقاتلتُ معه، أيمكنني الفوز؟ وأي نوع من الوحوش هذا الذي استدعاه «حازم»؟
في تلك اللحظة، غطت أربع موجات مرعبة من الطاقة المشؤومة عنان السماء فوق هذا الحاجز. ومن بعيد، انطلقت فجأة قذيفة من الطاقة الصافية، وكأنها مدفع من الجحيم.
دويٌّ هائل!
سحق الانفجار المدمر كل المباني التي اعترضت طريقه، وحولها إلى ركام وصعيد جلف. وفي اللحظة الأخيرة، تراجع «لظى» والآخرون، ليفلتوا بأعجوبة من الفناء المحتوم.
وبينما كان «لظى» يتأمل الخندق العظيم الذي حفره الانفجار في الأرض، لمعت عيناه بوميض من الحماس. «يا له من تدفق جبار للطاقة المشؤومة! لم أتوقع وجود خصم بهذه القوة هنا!»
وفجأة، اندفع جسد من الهواء متراجعاً بسرعة البرق. كان «يزيد»، الذي غرس سيفه في الأرض لتتطاير الشرارات وهو ينزلق للخلف، بصعوبة بالغة تمكن من كبح اندفاعه.
«يا فتى، أتحتاج إلى يد العون؟» سأل «لظى» وهو يبتسم ابتسامة عريضة، تظهر تعطشه للقتال.
«آه، إنه روح اللعنة.. اعتذر عن هذه الجلبة». حك «يزيد» رأسه بارتباك؛ ففي أي وقت آخر، كان سيقطع هذه اللعنات من المرتبة الفائقة دون تردد، لكنهم الآن حلفاء مؤقتون.
«ابقوا في الخلف، هؤلاء الثلاثة أقوياء بشكل لا يصدق!» مد «يزيد» كتفيه وهو يحدق للأمام بتعبير واجم. فحتى من مسافة أميال، كان يشعر بحضورهم الطاغي، وقد نجا بالفعل من الموت عدة مرات خلال اللحظات الماضية.
كان هؤلاء السحرة الثلاثة المنتمون لقرون خلت، يثبتون أنهم أشرس خصوم واجههم على الإطلاق، وكل هذا كان يحدث دون استدعاء قوة «ريم». ففي كنيسة ليست بعيدة عن ساحة المعركة، وجد مجموعة من المدنيين، وكانت «ريم» تفرغ جهدها لحمايتهم، وإلا لكانت تبعات هذه المعركة وحدها كفيلة بمحوهم من الوجود.
في تلك اللحظة، صدح صوت مألوف من خلفه: «اترك الأمر لي».
التفت الجميع ليجدوا «حازم» يقترب، وهو يتلاعب بـ «نطاق الحبس» الذي يسجن «سراج» في يده، وكأنه يداعب قطعة من النرد.
ارتجفت شفتا «يزيد» وهو يقول: «يا حازم، إذا استمررت في قذفه هكذا كأنه لعبة، ألن يصاب "سراج" بالدوار في الداخل؟»
«لن يصاب». أجاب «حازم» وهو يصل إلى المجموعة ببرود تام. ففي النهاية، كان «نطاق الحبس» فضاءً معزولاً بذاته؛ حيث الزمان والمكان يتجمدان، مما يعني أن «سراج» لن يشعر بشيء.
«يا لظى، لقد أبليتم بلاءً حسناً. عودوا الآن إلى "أضرحة رواق النجوم"، وذكروا "سديم" ألا تستمع إلى ذلك العجوز الأحمق، "العليم الأزلي"!»
ما زال «حازم» لا يدرك نفعاً حقيقياً لـ «العليم الأزلي» سوى الحفاظ على الحاجز؛ فمساهمته الحقيقية الوحيدة بدت وكأنها التسبب في مقتل «سديم». وبصفتها ساحرة من المرتبة الفائقة، كانت «سديم» تمتلك طاقة تكفي لتجسيد ثقب أسود وهمي، قادر على محو دولة بأكملها في لحظة. ومع عدم وجود حد أقصى لتقنيتها، كان من المفترض أن تكون قوة لا تقهر، ومع ذلك، اتبعت استراتيجية «العليم الأزلي»، مما أدى إلى سقطة قاتلة. لم تتمكن حتى من استخدام «توسعة النطاق» قبل أن يذبحها «الخبيث».
كانت أول من يموت.. وكل ذلك بفضل "حكمة" «العليم الأزلي». وماذا عن «صخر»؟ لقد أرسله «العليم الأزلي» لاختبار قدرات «الخبيث» في البداية، مما أدى لتعرضه لضرب مبرح كاد ينهي حياته دون الحصول على معلومة مفيدة واحدة، ليضيع بذلك حليف قوي هباءً.
صحيح أن «الخبيث» كان قوياً بلا أدنى شك، لكن «العليم الأزلي» كان جباناً أكثر مما ينبغي. لم يكتفِ بتضخيم قدر «الخبيث»، بل استهان بقدر «سديم» أيضاً. فلو تعاونت هي و«صخر» منذ البداية، لربما تغيرت نتيجة المعركة تماماً، أو على الأقل لتمكنا من الفرار. أما عن «العليم الأزلي»؟ فقد كان مصيره الاستيعاب والدمج على أي حال. ولم يصمد «الخبيث» طويلاً بعدها، إذ باغته «يزيد» بهجوم مفاجئ قضى عليه. يا له من هدر للوقت!
ولكن، إذا عادت لعنات الكوارث الأربع إلى «أضرحة رواق النجوم» الآن، فقد يملكون فرصة ضد «الخبيث»، وربما يدفنونه هناك إلى الأبد.
«هاه؟ ولماذا نعود؟ لم أشبع غليلي من القتل بعد». اشتكى «لظى» متذمراً؛ فقد كان يتوق لتبادل الضربات مع أولئك الخصوم الأقوياء، فمن بين اللعنات الأربع، كان هو الأكثر عطشاً للقتال.
ابتسم «حازم» بمكر وقال: «اذهبوا فقط. ثمة مفاجأة بانتظاركم في "أضرحة رواق النجوم". ألن يكون ضرب "الخبيث" وتحطيم كبريائه أكثر متعة من قتال شخص في مستواك؟ هذه فرصة نادرة، إذا ضاعت فلن تعود».
تسمر الجميع في مكانهم بذهول، باستثناء «جسّار» الذي ظل غير مبالٍ. واتسعت عينا «يزيد» وهو يقول: «تمهل، أتقصد أن "الخبيث" ذاهب إلى "أضرحة رواق النجوم"؟ هل يجرؤ حقاً على مهاجمة "العليم الأزلي"؟!»
سرعان ما ربط «يزيد» خيوط الأمر؛ فـ «الخبيث» كان طموحاً لدرجة الجنون. هل يطمع حقاً في «العليم الأزلي»؟ وبما أن الأضرحة كانت تحت حراسة «سديم» و«صخر».. فلماذا يرسل «حازم» اللعنات الأربع إلى هناك؟ لم يكن «يزيد» متيقناً من كامل قوة «صخر»، لكنه كان يعلم علم اليقين مدى قوة «سديم»؛ فهي ساحرة مخضرمة من المرتبة الفائقة، ولم تكشف عن كامل طاقتها حتى الآن.
وقف «لظى» والآخرون كأن على رؤوسهم الطير. «ضرب الخبيث؟» كانت الفكرة مغرية بحق، لكن «لظى» زفر بكبرياء وعناد: «لا تظن أنك تستطيع التلاعب بنا. نحن لعنات الكوارث الأربع، لن نخون حلفاءنا السابقين أبداً!»
أومأ «نماء» و«طوفان» و«صخر» برؤوسهم تأكيداً على كلامه.
ضحك «حازم» بتهكم وقال: «حلفاء؟ لقد كنتم مجرد قطع شطرنج يضحي بها في سبيله. هل تعتقدون حقاً أنه كان يراكم كشركاء؟ أم أنكم تفضلون التعامي عن الحقيقة؟ خذوا "نماء" على سبيل المثال، عندما سحقه "سراج" في محطة القطار، هل رف لـ "الخبيث" جفن؟ كان يشاهد ما يحدث من مسافة قريبة جداً، ولو أراد لتدخل في أي لحظة لإنقاذه».
ثم التفت «حازم» إلى «مسخ» وقال: «وأنت.. ألم يكن "الخبيث" يضع عينيه على تقنيتك "تحوير الأرواح" منذ زمن بعيد؟ لو كنت على شفا الموت، هل تعتقد حقاً أنه سينقذك؟ أم أنه سيقوم بحصادك واستيعابك؟»
خيم صمت ثقيل على المكان. تشنجت أجساد «لظى» والآخرين واكفهرت وجوههم. كرهوا الاعتراف بذلك، لكن كلمات «حازم» أصابت كبد الحقيقة. فـ «الخبيث» كان يختلق الأعذار دوماً؛ تارة بأن «سراج» يراقب، وتارة بأن التوقيت غير مناسب، بينما كانوا هم من يخاطرون بحياتهم في كل مرة.
كانت لعنات الكوارث تعتز بولائها، لكنهم لم يكونوا حمقى. و«حازم» كان يعرف عنهم أكثر مما ينبغي. وبالعودة بذاكرتهم إلى "حادثة الشيبويا".. كانت كل حركة تحت سيطرته. «نائل» كاد يموت، و«نور» كادت تُسحق، ومع ذلك تدخل «حازم» في اللحظة الأخيرة في كل مرة. هل كانت حادثة الشيبويا بأكملها من تدبيره؟ ولكن كيف؟
بينما كانوا يواجهون نظرات «حازم» العارفة، سرت قشعريرة باردة في أوصالهم. بدا وكأنه كان يتلاعب بالعالم بأسره طوال الوقت. هل يعقل ذلك؟
استنشق «لظى» نفساً عميقاً وقال بصوت منخفض ومتهدج: «أهذه هي الألاعيب النفسية التي يستخدمها البشر للتلاعب بالآخرين؟»
لم يحاول «حازم» الإنكار، بل قال: «بالطبع. لكن فكروا في الأمر؛ لقد استُخدمتم كأحجار شطرنج في حياتكم، فهل تريدون أن تظلوا كذلك في مماتكم؟ هل ستقبل لعنات الكوارث الأربع أن يصبح تاريخها مجرد أضحية في خطة غيرهم؟»
«كفى! نحن مغادرون!»
لم تعد لعنات الكوارث قادرة على كبت غيظها أكثر. اندلعت نيران «لظى» بعنف وهو يزأر: «لقد أردتُ تحطيم وجه ذلك النذل المغرور ذي العينين الضيقتين منذ وقت طويل جداً!!»