لم يكن هذا المشهد غائبًا عن عينيّ «ليث الحجري»، الذي عاد لتوه إلى ساحة الوغى.
«أوه؟ أمرٌ مثير، ألقد نجا من تلك الضربة دون أن يمسه سوء؟»
حتى هو نفسه لم يكن واثقًا من قدرته على تلقي تلك الصدمة وجهًا لوجه. في تلك اللحظة، كان الجانب الأيسر من وجهه متورمًا ومحمرًا، وأنفُه قد مال قليلًا عن استقامته؛ بدا في حالة يُرثى لها، إلا أن تسريحة شعره الفريدة التي تشبه الصاروخ ظلت صامدة لم تتزحزح.
وضع «ليث الحجري» يديه في جيبيه بلا مبالاة، ثم وثب إلى قمة ناطحة السحاب، مشكّلاً مع «أثير النبيلة» فكَّيْ كماشة أطبقت على «حازم». استقرت نظرته الحادة على «حازم»، بينما كان عقله يحلل الموقف بسرعة خاطفة.
«هل يُعقل أن تقنية هذا الفتى تسمح له بتبادل المواقع مع سلاحه؟ وبلمح البصر؟»
كانت اللكمة السابقة أسرع مما ينبغي، فحتى شخصٌ بقوته لم يستطع تفاديها، وقد أخذته على حين غرة. ولحسن حظه، فإن غريزته القتالية استجابت في الوقت المناسب، مما مكنه من استنفار «طاقته الملعونة» للدفاع؛ ولولا ذلك، لما اقتصر الأمر على مجرد جروح سطحية. منذ أربعة قرون، كانت هذه هي المرة الأولى التي يجعله فيها أحدهم يشعر بهذا القدر من الضغط.
«إنكم تفتقرون إلى الحياء حقًا.» ألقى «حازم» نظرة خاطفة على «ليث الحجري» الواقف خلفه، ثم رفع بصره نحو «أثير النبيلة» المحلقة في السماء، وعلت وجهه ملامح الذهول.
رفعت هي غرتها بدلال، وتقوست شفتاها بابتسامة طفيفة وقالت: «إنك بارعٌ في استخدام القدرات المكانية، لكن لسوء حظك، يبدو أنني أمتلك الموهبة ذاتها.»
وما إن أتمت حديثها حتى...
دارت نقوش «البصيرة المتوهجة» في عين «حازم» اليسرى، لتنطبق على هدفها تمامًا.
«السطوة المكانية!»
خلف رأس «أثير النبيلة»، التوى الفضاء وتجعد، مشكلاً دوامة غريبة وموحشة. اتسعت عينا «أثير» بذعر، وقشعر لدنياها كل شعر في جسدها؛ فقد اجتاحها شعور عارم بالموت الوشيك. وفي تلك اللحظة الحرجة، رفعت يدها بسرعة، متلاعبة بالسطح الثنائي الأبعاد المحيط بها.
طاخ!
التوى الفضاء ثم انفجر. انطوت أذنا «أثير النبيلة» كقطع عجين ملتوية، قبل أن تقتلعهما قوة جبارة لا تُرد.
«ماذا؟!»
شعرت بالألم الحارق والدماء تنبثق من جراحها، فتراجعت على الفور مئات الأمتار، وهي تحدق في «حازم» بذهول مطلق.
«أهو أيضًا يتقن التقنيات المكانية؟!»
والأسوأ من ذلك، أن هجماته لم تسبقها أي علامة تحذيرية. لولا أنها حرفت مسار الهجوم قسرًا قبل قليل، لكانت الآن في عداد الموتى، ولأضحى جسدها جثة بلا رأس.
«الأمر غريب جدًا.. هجمات بلا سابق إنذار.. أيعقل.. أن تحكمه في الفضاء يتفوق على تحكمي؟!»
«مستحيل! هذا محال تمامًا!»
قد لا تكون «أثير النبيلة» الأقوى في عالم «السحر الملعون» بأسره، ولكن حين يتعلق الأمر بالفضاء، فلا أحد يفهمه أكثر منها.
وعلى الجانب الآخر، كان «نجم الثابت» و«عتمة الحشرية»، اللذان يقاتلان «جود الشجاع»، قد ذُهلا أيضًا بهذا المشهد. حتى هما كانا يرتعدان خوفًا من قدرات «أثير النبيلة»، خاصة تقنياتها المكانية الفتاكة! ولكن الآن، ها هي تخسر في معركة التلاعب بالفضاء؟!
وبينما كان الاثنان يترنحان من أثر الصدمة، هوى نصل «جود الشجاع». اخترق الضغط الهائل لـ«طاقته الملعونة» دفاعاتهما، فلعن «عتمة الحشرية» حظه في سره.
«من هما هذان الفتيان بحق الجحيم؟! كل واحد منهما أشد وحشية من الآخر!»
صاح «عتمة الحشرية» بغيظ: «يا "نجم الثابت"، هل ستظل ممسكًا بزمام قوتك ولا تخرجها كاملة؟»
فرد عليه «نجم الثابت» بحدة: «هس! لستُ بحاجة إلى روح ملعونة مثلك لتملي عليّ ما أفعل.»
ورغم قوله ذلك، إلا أنه عزز هجومه ببراعة ودهاء.
أما «أثير النبيلة»، المحاربة التي صقلتها المعارك منذ قرن من الزمان، فقد تكيفت بسرعة بعد تحليل الموقف. وفي غضون لحظة، ظهرت أمام «حازم»، بادئةً معركة التحام قريب، فقد كان القتال اليدوي هو تخصصها. وبصفتها أستاذة في الاغتيال، كانت كل ضربة من ضرباتها تستهدف النقاط الحيوية، وكل طعنة منها تعني الموت!
بقي «ليث الحجري» واقفًا بلا حراك على سطح المبنى، يراقب المعركة بكثب. تحولت تعابير وجهه من الاستخفاف الأولي إلى الجدية التامة، وتجمعت «الطاقة الملعونة» داخل جسده ببراعة عند قمة رأسه.
«انفجار!»
هوت قبضة «أثير النبيلة» نحو رأس «حازم». التوى الفضاء أمام «حازم» ثم انفجر فجأة، لكن هيئة «حازم» اهتزت لجزء من الثانية، وبقي سليمًا تمامًا لم يمسه ضرر.
«ماذا؟!»
وبينما كانت عينا «أثير النبيلة» تتسعان من الصدمة، كان هجوم «حازم» المضاد قد بدأ بالفعل.
«أصغي إليّ.. الفضاء أعقد بكثير من أن تستوعبيه.»
ولكن—
هجوم «السطوة المكانية» الذي شنه «حازم»، والذي كان ينبغي أن يصيب هدفه بدقة، أخطأ المسار. رفع حاجبه مستغربًا، وسرعان ما أدرك السبب؛ لقد قامت «أثير النبيلة» مرة أخرى بتغيير السطح ثنائي الأبعاد، فأدى ذلك الالتواء إلى زحزحة موقعها، مما خلق انحرافًا بصريًا. بدا الأمر وكأنه قد حدد رأسها، لكن في الواقع، كان هدفه قد انزاح بعيدًا.
وفي الثانية التالية—
افتر ثغر «أثير النبيلة» عن ابتسامة عريضة، وقبضت يديها بقوة مفرطة.
فِت!
سحبت الفضاء الذي أمامها نحو «حازم»، كأنما تسحب غطاء سرير بقوة.
«حين يتعلق الأمر بالفضاء.. لا أحد أقوى مني!»
شعر «حازم»، الذي سُحب فجأة إلى مسافة قريبة، بذراعه اليمنى وهي تلتوي بشكل بشع جراء تشوه الفضاء؛ فأصبح طرفه يشبه قطعة عجين ملتوية. ومع ذلك، ظل «حازم» هادئًا تمامًا، لأنه كان يعلم أنه يقبع في «بعد السطوة المكانية» وليس في العالم الحقيقي. أما ظهور ذراعه مشوهة، فما هو إلا خدعة بصرية ناتجة عن التواء الفضاء. وبفضل قدرته، طالما أنه لم يشن هجومًا فعليًا، فإنه يظل عصيًا على اللمس.
بيد أن «أثير النبيلة» لم تكن تنوي الهجوم مباشرة، بل صرخت فجأة:
«يا صاحب الرأس الصاروخي! إلى متى ستظل تنتظر؟!»
رغم كبريائهم، لم يكن أي من الأربعة أحمقًا. لقد تجاوزت قوة «حازم» و«جود» كل توقعاتهم، وإذا استمروا في القتال منفردين، فسيتم القضاء عليهم واحدًا تلو الآخر.
«آه، كم هذا مزعج.»
تردد صدى صوت هادئ من الخلف. لاحظ «حازم» تقلص بؤبؤي عين «أثير النبيلة»، وفجأة، انبثق ضوء أبيض باهر من خلفه.
«صاعقة الصخر العاتي!»
أطلق «ليث الحجري»، الذي كان يتحين الفرصة، هجومه؛ فرغم رفضه الاعتراف بقوة «حازم»، إلا أنه ومن أجل حسم المعركة، انتهز هذه الفرصة التي لا تتكرر. اندفعت موجة صادمة ومدمرة من «الطاقة الملعونة» من قمة رأسه.
بوم!
دوى انفجار يصم الآذان. اخترقت موجة صاعقة ومبهرة ساحة المعركة، كأنها سد قد انهار، فابتلعت كل ما في طريقها، ومحت مبانٍ بأكملها من الوجود. وفي رمشة عين، أصبحت الضربة خلف ظهر «حازم» مباشرة!
«حازم! انتبه خلفك!»
صاح «جود الشجاع»، الذي كان مشغولاً بصد «عتمة الحشرية» و«نجم الثابت»، حين شعر بتلك الهجمة الوحشية.
إلا أن «حازم» ظل ساكنًا لم يتزحزح. التفت نحو «أثير النبيلة» مبتسمًا وقال:
«السطوة المكانية.»
وما إن نطق بها، حتى اختفى «حازم» داخل دوامة فضاء ملتوية.
...؟؟؟
«إلى أين ذهب؟!»
تملك الذعر «أثير النبيلة»! لكن لم يكن لديها وقت للتفكير، لأن مدفع «الطاقة الملعونة» كان يندفع الآن نحوها مباشرة.
«سحقًا!»
مزقت قطعة من الفضاء نفسه، ورفعتها أمامها كدرع تحتمي به.