بالطبع، كان «صاعق» قد سمع بـ «الطاغية» و«سراج»؛ فأحدهما كان الأقوى قبل ألف عام، والآخر هو الأقوى في عصرنا الحالي. أما هو، فقد كان المتربع على عرش القوة قبل أربعة قرون، وكان يؤمن في قرارة نفسه أنه لا يقل شأناً عنهما أبداً.
كان ذلك هو الهدف المحوري من تجسده من جديد: أن يتحدى أقوى السحرة من مختلف العصور. فهل يظن هذا «الدب» المنتن الواقف أمامه أن التشدق باسمي «الطاغية» و«سراج» سيثير الرعب في قلبه؟
الأمر الوحيد الذي لم يستوعبه هو هوية المدعو «حازم». أهو بتلك القوة حقاً؟ ولماذا لم يسمع به من قبل؟
بمجرد ذكر «الطاغية» و«سراج»، لم يملك «صاعق» إلا أن يشعر بدمائه تغلي في عروقه، فمجرد فكرة قتال الأقوى جعلت قلبه يخفق حماساً. أما عن هذا «الدب»؟ فقد كان مجرد طرفة ساخرة، وسرعان ما انطفأ وهج اهتمامه به.
«يا هذا، سأمنحك فرصة أخيرة. أين يختبئ "الطاغية" و"سراج"؟ أي منهما سيفي بالغرض. لا يهم من كان الأقوى في الماضي، فمنذ هذه اللحظة، أنا هو الأقوى على الإطلاق!!»
تركت هذه الكلمات المتغطرسة «الدب» المرتبك في حالة من الذهول. ماذا؟ هل يريد هذا الجاهل حقاً تحدي «الطاغية»؟! من ذا الذي منحه هذه الشجاعة الانتحارية؟ هل وقع ضحية لخداع ذلك «الخبيث»؟
ومع ذلك، أدرك «الدب» أنه إذا لم يحصل هذا الرجل على الإجابة التي يرجوها، فسيكون هو في خطر محدق. ماذا عساه أن يفعل؟
فرك «الدب» الذكي ذقنه، وعقله يسابق الزمن. «الطاغية» لا يزال كامناً داخل جسد الفتى «جود»، ولا يمكن السماح له بالاستيقاظ. أما «سراج»، فلا يزال حبيس «نطاق الحبس».
وبينما بدأ الذعر يتسلل إلى قلب «الدب»، صدح بلاغ مفاجئ في أرجاء المكان: [المستعمرة الأولى في العاصمة - مدينة السنديان: المشارك "حازم" قد أطاح بالروح الملعونة من المرتبة الفائقة "صرصار الجحيم" والساحر من المرتبة الفائقة "درويش"!]
«حازم؟» عندما سمع «صاعق» هذا الإعلان، اعتلت وجهه ملامح مزيج من الحيرة والإثارة. أليس هذا هو الاسم الذي ذكره «الدب» قبل قليل؟ لم يتوقع أن يمتلك ذلك الرجل قوة حقيقية؛ فإسقاط اثنين من مقاتلي المرتبة الفائقة بمفرده أمر كفيل بجعله خصماً يستحق الالتفات إليه.
مهلاً! فجأة، تحول بصر «صاعق» إلى لوحة النتائج التي يعرضها الكائن الذهبي الصغير. كما توقع تماماً! لقد كان هو في المركز الأول، لكن الآن تجاوزه هذا المدعو «حازم».
«هذا اللعين!» لو أنه واجه أحداً من المرتبة الفائقة، لما استقر في المركز الثاني أبداً. «صاعق»، الذي لم يقهر قبل أربعة قرون، لم يكن ليقبل بأن يكون وصيفاً لأحد، حتى في ترتيب النقاط.
«يا للهول، "حازم" مذهل حقاً!» لمعت عينا «الدب» وهو يراقب غضب «صاعق» العارم. هذه هي فرصته! وضع يديه على خصره، ورفع ذقنه قليلاً ناظراً إلى «صاعق» بنظرة ملؤها الغرور والاعتداد.
«اسمع يا ذو الكعكتين، ألا تبتغي قتال الأقوياء؟ أخي الأكبر "حازم" نشأ معي، نحن كالأشقاء تماماً! يمكنني أن أقودك إليه، أما عن قوته فلا تقلق، فهو قادر تماماً على سحقك وتلقينك درساً لن تنساه».
ثم استرسل «الدب» في حياكة قصة خيالية مطولة عن كيفية قتال «حازم» لـ «الطاغية» وهو بكامل قوته، وكيف كان يبارز «سراج» نداً لند؛ خليط من الحقائق والمبالغات الفجة. لكن هذا كان المطلوب تماماً؛ فطالما استطاع جذب اهتمام هذا الرجل بالكامل، فسيضمن النجاة بحياته.
أما عن استخدام «حازم» كطعم؟ حسناً، في أسوأ الأحوال سيعتذر له لاحقاً. فضلاً عن أن هذا سيساعد «حازم» في حصد المزيد من النقاط، أليس كذلك؟ فهذا القاتل يهاجم كل من يقع في مرماه، ولا بد أنه جمع رصيداً ضخماً. وقوة «حازم» لا تُسبر أغوارها، لذا فهو يملك فرصة أكبر بكثير ضد هذا الوحش. ناهيك عن أن «يزيد» كان أيضاً في «مدينة السنديان»، إذا لم تخنه الذاكرة.
ابتسم «الدب» ضاحكاً في سره: «انتظر موتك أيها القاتل ذو الكعكتين».
أما «صاعق»، الواقف فوق الحاوية، فلم يبدِ أي غضب، بل أظهر صبراً نادراً وهو يكتف ذراعيه ويستمع باهتمام. «إذاً، هذا المدعو "حازم".. هل "شقيقك" هذا دب أيضاً؟»
تشنجت ملامح «الدب» ولم يعرف بمَ يجيب للحظة. لوى «صاعق» شفتيه بنفاد صبر وقال: «تقدم أمامي ودُلني على الطريق. إذا تجرأت على الكذب، فسأمزقك إرباً».
كانت نظراته حادة كالشفرة. ورغم علمه الآن بوجود «حازم» في «مدينة السنديان» -وهي ليست ببعيدة- إلا أن كل مستعمرة كانت شاسعة المساحة، وبدون موقع محدد، سيكون البحث كمن يتحسس طريقه في الظلام الدامس.
في هذه الأثناء.. مركز مدينة السنديان بالمستعمرة الأولى. ساحة المعركة التي ضجت بالقتال الوحشي سادها الآن صمت مريب. كان «جسّار» قوة لا تُصد؛ بيده سيف طويل يفتك بخصومه بدقة متناهية، وهو يتمتم بكلمات غريبة مثل: «سأكتفي بضرب الرأس هذه المرة».
كان ثمة فتى نحيل يتقدم عبر الحطام، تتبعه لعنة مرعبة من المرتبة الفائقة. وهناك أيضاً ذلك الوميض الأصفر الذي يومض في أرجاء المدينة كالشبح. في هذه اللحظة، كان السحرة المتجسدون والأرواح الملعونة -أولئك الذين أذاقوا الآخرين صنوف العذاب- يختبئون الآن في الظلال، ترتعد فرائصهم خوفاً.
طرقعة!
انغرز خنجر في سطح مبنى إداري. ظهر «حازم» في لمح البصر، ومسح المكان بنظراته الثاقبة. لقد فتش كل شبر في هذا الحاجز، ولم يجد أثراً لـ «صاعق». والأسوأ من ذلك أن ذاكرته كانت مشوشة؛ أين كان من المفترض أن يتواجد «صاعق» وفقاً للجدول الزمني الأصلي؟
لم يتذكر بدقة، لكنه استرجع أمراً واحداً: «الدب» قد يكون في مأزق، وقريباً سيتحرك المقامر «غانم». سيخدع القدر داخل تقنيته «مقامرة الموت العاطلة» ويهزم «صاعق»، الذي سيرفض إطلاق تقنيته النهائية؛ فـ «عنبر الوحش الأسطوري» حركة لا يمكن تفعيلها إلا مرة واحدة في العمر، وهي الورقة الرابحة التي كان «صاعق» يدخرها.. لـ «الطاغية».
وبالنظر إلى الخط الزمني، يفترض أن «مها» بصدد مواجهة «منير»، الذي تحول إلى روح انتقامية ملعونة. لكن ذلك لم يكن يثير قلقه؛ فـ «مها» ستقتل «منير» لا محالة، تماماً كما حدث سابقاً، بل لربما تفعل ذلك بيسر أكبر هذه المرة بفضل «البوابات الثمانية الداخلية».
وعند التفكير في الأمر، لم يملك «حازم» إلا أن يشفق على «منير». من بين كل الناس، لماذا اختار العبث مع مستخدم «قيد سماوي»؟ لقد حُسم مصيره في اللحظة التي اختار فيها ذلك النزال؛ سيموت مرتين، وفي كلتيهما على يد «مها»، وعيناه شاخصتان بذهول وعدم تصديق.
بينما كان «حازم» يفكر فيما إذا كان عليه إنفاق مائة نقطة للعبور إلى مستعمرة أخرى.. انطلق إعلان مفاجئ: [«المشارك "صاعق" قد أنفق مائة نقطة لعبور الحاجز والوصول إلى "مدينة السنديان"!»]
انتشر الخبر كالنار في الهشيم عبر ساحة المعركة. في الأسفل، مسح «جسّار» الملطخ بالدماء نصل سيفه، ورفع رأسه بكسل. «صاعق؟ أهذا قادم من مستعمرة أخرى؟ هل يدري أين يختبئ "الفتى الصغير"؟»
وعلى الجانب الآخر، توقف «يزيد» في منتصف قتاله، واكتست ملامحه بالجدية. «إنه هو. لقد أخبرني "شهاب" أن هذا الرجل كان أقوى ساحر قبل أربعة قرون. هل جاء إلى هنا لأنه أباد جميع المشاركين في مستعمرته؟ وهل يعرف مكان "الملاك"؟»
في كلتا الحالتين، الأمر يستحق التحقيق. لمعت عينا «يزيد» بالترقب وقال: «يا ريم، لننطلق!» ابتسمت ملكة اللعنات، وأومأت برأسها بطاعة ومحبة: «سأذهب أينما ذهب "يزيد"!»