في ركنٍ قصي من ساحة المعركة، كان «الباندا» يعكف على تدليك كتفي «حازم» بهدوء. وبالتأكيد، كان البقاء بجوار «حازم» هو الخيار الأكثر أمانًا على الإطلاق.

مَن كان ليصدق أن «حازم»، وفي خضم معركة طاحنة، سيكون في مزاجٍ يسمح له بمشاهدة النزاع وكأنه واحد من الجمهور؟ كاد «الباندا» ينسى أنهما في جحيمٍ مستعر على الأرض، حيث المعارك المصيرية لا تهدأ والدمار يحيط بهما من كل جانب.

حتى «جود الشجاع»، الذي عُرف بجدتِه المفرطة، لم يتمكن من كبح ضحكة خفيفة وهو يرى هذا الموقف السريالي. لعل «باهر الرعدي» لم يكن ليتخيل، ولو في أجمح أحلامه، أن جسد «حازم» الحقيقي يستمتع الآن بتدليك مريح وهو يراقب القتال عن بُعد.

ذلك السفاح المهووس بالمعارك، الذي أفنى عمره في حصد الأرواح، كان الآن مجرد دمية يعبث بها «حازم». لكماته القاتلة، التي كان بإمكانها إزهاق الأرواح بسهولة، كانت تهوي كأنها تضرب قطنًا ناعمًا، عاجزة عن تسديد ضربة حاسمة واحدة.

«إن تقنية صنع النسخ هذه لأمرٌ يثير الحسد حقًا.»

هكذا فكر «جود». تخيل الأمر فقط! إحضار الطعام، التعامل مع الرؤساء المزعجين، حتى إعداد الإفطار لـ«ريما»؛ كان بإمكان نسخة واحدة أن تتولى كل ذلك. لقد كانت تقنية تغير موازين القوى في القتال وفي تفاصيل الحياة اليومية على حد سواء.

لم يكن لدى «حازم» أدنى فكرة عما يدور في خلد «جود» و«الباندا». كان يراقب «باهر الرعدي» وهو يتخبط في صراعه ضد النسخ، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. لقد أثبتت «تقنية النسخ الظلية المتعددة» فاعلية هائلة، خاصة ضد خصم مثل «باهر»، الذي رغم قوته الجبارة، كان يعتمد بشكل مفرط على الهجمات الفردية الموجهة. بالنسبة لأولئك الذين لا يملكون «توسيعًا للمجال» أو هجمات واسعة النطاق، كانت هذه التقنية هي الرد الصاعق.

وبمجرد فكرة من «حازم»، اندفع جيش النسخ العارم ليطبق الخناق على «باهر الرعدي» مرة أخرى، لتتحول الساحة إلى فوضى مطلقة. في البداية، وقف «باهر» شامخًا، صامدًا كإلهٍ للحرب في ميدانه، ولكن مع مرور الوقت، استمرت تلك النسخ التي لا تعرف الخوف ولا تتردد في الموت بالضغط عليه بلا هوادة.

سرعان ما وجد «باهر» نفسه في مأزق؛ فالهجمات كانت تنهال عليه من كل حدب وصوب، ومن اتجاهات لا تخطر على بال، حتى غدا جسده مغطى بالجراح.

«لهث.. لهث.. لهث..»

تلاحقت أنفاس «باهر» وهو يرتجف تعبًا، بينما كانت عيناه تتقدان غيظًا وهو يرمق جيش النسخ الذي يحاصره.

«أين الجسد الحقيقي؟! أين يختبئ ذلك الوغد؟!»

تعمد «باهر» كشف ثغراته عدة مرات، مخاطرًا بحياته في محاولة مستميتة لاستدراج جسد «حازم» الحقيقي، لكن ذلك «اللقيط» ظل محتفظًا بهدوئه التام، ولم يقع في الفخ أبدًا.

«إنه قوي.. ليس في قوته الجسدية فحسب، بل في ذهنه أيضًا.. لقد تجاوز بمراحل كل خصم واجهته من قبل.»

كلما فكر في الأمر، زاد استشاطته غضبًا. بهذا المعدل، سينهكه التعب ويسقط صريعًا. كان يملك خيارات للتحرر، لكنه كان يتردد في استخدامها. «جوهرة الوحش الأسطوري»؛ تلك الورقة الرابحة التي لا تُستخدم إلا مرة واحدة في العمر. لقد ادخرها لأربعمائة عام من أجل نزاله المنتظر ضد «عاصف اللعنات». ومع ذلك، بدأ الشك يتسلل إلى أعماقه.. مَن الأقوى يا ترى، «حازم» أم «عاصف اللعنات»؟

«سلمني ما تملك من نقاط، وسأبقي على حياتك.»

فجأة، توقفت النسخ عن الهجوم. تجمّد «باهر» في مكانه؛ وما أثار حيرته لم يكن الطلب بحد ذاته، بل المصدر الذي خرج منه الصوت. ميزت غريزته الحادة اتجاه الصوت بسرعة، ومن خلال فجوة صغيرة، أبصر ثلاثة أفراد يجلسون في الركن؛ شخصان وباندا.

كان «الباندا» يراقب العرض بزهوٍ وتسلية واضحة، ولكن ما جعل دماء «باهر» تغلي في عروقه هو رؤية «حازم». لم يكن هناك مجال للشك، هذا هو جسده الحقيقي، كان يشاهد كل شيء طوال الوقت! طوال ذلك الوقت الذي كان فيه «باهر» يقاتل بيأس، لم يكن «حازم» حتى بين النسخ.

أكان مجرد أضحوكة لتسليته؟!

نزلت عليه الحقيقة كالصاعقة، وبرزت العروق في جبهته مع ثوران غضبه.

«سحقًا لك! أيها الوغد! سأمزقك إربًا!»

التوت ملامح «باهر» بفيض من الحنق، وتحطم وقاره تمامًا. تنقلت نظراته بين «حازم» و«الباندا» و«جود»، وعيناه تشتعلان برغبة عارمة في الانتقام.

«سأتذكركم أيها الثلاثة. إذا سنحت لي الفرصة..»

رمش «جود الشجاع» بعينيه في حيرة، مشيرًا إلى نفسه: «ولماذا أقحمتني أنا في هذا الأمر؟» كان يحاول جاهدًا كتم ضحكته! ولكن إذا أراد هذا الرجل المتاعب، فإن «جود» لن يتراجع عن التحدي أبدًا.

كاد «حازم» أن يجيب، حين انفجر «باهر» فجأة في ضحك هستيري مجنون.

ما الخطب؟ أأصابه الجنون من شدة الغيظ؟

«هاهاها! لا بد أنكم من "أكاديمية طرد اللعنات"، أليس كذلك؟ أتريدون نقاطي؟ لن أعطيكم إياها! أفضل أن أسلمها لذلك اللقيط ذي الغرز والجروح على أن تظفروا أنتم بها!»

استدعى «باهر» حشرة ذهبية صغيرة، مستعدًا لنقل نقاطه. إذا لم يستطع هزم «حازم»، فبإمكانه على الأقل إفساد خطته، ولعل هذا يستدرج طرفًا آخر للقتال، مما يمنحه فرصة ذهبية للهجوم المضاد. لم يصبح الأقوى قبل أربعمائة عام بالتهور والاندفاع فحسب، بل كان ضحكه الجنوني مجرد جزء من مسرحيته.

وبالفعل، في اللحظة التالية، قبضت يد قوية على معصمه، وهمس صوت «حازم» في أذنه:

«لقد وصلت إلى طريق مسدود.»

اتسعت ابتسامة «باهر» بخبث وقال: «أحقًا؟»

«مُت!!»

فحيح!

انفجرت موجة عنيفة من البرق الصاعق، لتطرح «حازم» أرضًا بقوة جبارة.

«هاه! الخبرة هي التي تنتصر دائمًا!»

سخر «باهر»، وابتسامته تمتد من الأذن إلى الأذن، منتشيًا بلذة الانتقام.

باخ! باخ! باخ!

انهالت قبضتاه على «حازم» كعاصفة لا تهدأ، والبرق الأرجواني يضيء عتمة السماء.

في الركن البعيد، رمش «الباندا» بعينيه وقال: «...أبدأ للتو بضرب نسخة مزيفة أخرى؟»

«ألم يكن الأقوى قبل أربعمائة عام؟ هل ضعف بصره لهذه الدرجة؟»

مرتان متتاليتان، ويقع في فخ تقنية الاستبدال. حتى عجوزٌ تعبر الطريق كانت لتمتلك وعيًا أفضل منه! هكذا تذمر «الباندا» في سره.

لكن «جود الشجاع»، بلمحه الثاقب، لاحظ شيئًا مختلفًا؛ فحدت نظرته وهو يراقب ساحة المعركة. كانت هذه النسخة مختلفة عن سابقاتها؛ فالنسخة العادية كان ينبغي أن تتلاشى فورًا تحت وطأة هجمات «باهر»، لكن هذه النسخة.. كانت صامدة. لم تكن أقوى فحسب، بل كان لها حضور يكاد يطابق الأصل، حتى «الطاقة الملعونة» المنبعثة منها لا يمكن تمييزها عن طاقة «حازم» الحقيقية.

«لو كنت مكان "باهر"، لانخدعت أنا أيضًا! يا لها من قدرة مرعبة.»

وتذكر «جود» ما ذكره «ياسين» سابقًا عن امتلاك «حازم» لتقنية وهمية تسمى «سجن الأطياف»؛ فهل يمكن لهذه القدرة أن تؤثر حتى على شخص بقوة «جلال المنور»؟

ازداد إعجاب «جود» بـ«حازم»؛ فقد كانت رؤية «حازم» ثاقبة للغاية، وحتى في ضحك «باهر» الزائف، استطاع كشف الخديعة. وتحسبًا للأمر، استخدم «النسخة الخشبية»، وهي نسخة تفوق النسخ الظلية العادية بمراحل؛ فهي تحمل قوة أكبر ويستحيل تمييزها عن الجسد الأصلي.

ابتسم «حازم» بسخرية وهو يشاهد «باهر» يصب جام غضبه على النسخة المزيفة، ثم رفع إصبعًا واحدًا و..

طاخ!

بصوتٍ حاد، تلاشت كل نسخة في ساحة المعركة وتحولت إلى دخان أبيض.. بما في ذلك النسخة التي كان «باهر» يوسعها ضربًا.

تصلب «باهر» في مكانه، يحدق في الفراغ بذهولٍ لا يوصف.

2026/01/18 · 10 مشاهدة · 1042 كلمة
MrSlawi
نادي الروايات - 2026