«كيف يعقل هذا؟ أهذا وهمٌ آخر؟»
حدق «كاشم» في الأرض الخالية أمامه، وقد تملكه ذهول مطبق. حتى هذه اللحظة، لم يستطع استيعاب كيف تم خداعه؛ فكل شيء في هذا الجسد — حضوره، طاقته الملعونة — كان يبدو مختلفاً تماماً عن النسخ السابقة. كيف يمكن أن يكون مجرد زيف؟!
من مسافة بعيدة، كان «قاسم» يراقب صراع «كاشم» مع عدم تصديقه للواقع، ولم يملك إلا أن يطلق ضحكة خافتة. لقد كان للقدر حس دعابة غريب؛ ففي الحكاية الأصلية، خُدع «كاشم» على يد «حكيم» بعد أن تحطمت دفاعاته أمام قدرة الشفاء اللانهائية، والآن، وبفضل «الدب»، سعى خلف «قاسم» ليقع في الفخ ذاته، تائهاً في دهاليز تقنية النسخ...
لكن إصرار هذا المهووس بالقتال كان مذهلاً. بزئير هادر، استحال «كاشم» إلى وميض من البرق، مطوياً المسافات في لمح البصر. اندفعت ضربته لتخترق جسد «قاسم» مباشرة، دون أن تجد أي مقاومة، ودون أن تترك أي أثر للاصطدام. اتسعت عينا «كاشم» وهو يحدق في يده بذهول. «لقد نفذتُ من خلاله مرة أخرى...»
بدأت فكرة تتشكل في ذهنه؛ ففي كل مرة تمر فيها هجماته عبر جسد «قاسم»، لم يكن الأخير يرد الهجوم في تلك اللحظة أبداً. أيعقل أن هذه التقنية الملعونة تتطلب وضعية دفاعية سلبية تماماً؟ أنه بمجرد أن يبدأ بالهجوم، سيفقد حالة اللا ملموسية هذه؟ ارتسمت ابتسامة باردة على وجه «كاشم». «كل تقنية ملعونة لها ثغرة، وبمجرد أن أفهم آلية عملها، ستفقد تهديدها تماماً».
لكن ما إن أتم كلماته حتى تلاشى «قاسم» من مكانه. وعلى الفور، بدأت الدوامات من حول «كاشم» تومض بشكل مضطرب. أطلق «كاشم» موجة عارمة من البرق الجامح، ضارباً نحو المركز بكل قوته. «اخرج! كفاك لعباً!»
فجأة، ظهرت دوامة أمام وجهه مباشرة. خطا «قاسم» خارجاً منها، ماداً يده نحوه. ضيق «كاشم» عينيه وهو يزمجر ساخراً: «ألا تزال تحاول الكرة ذاتها؟ لقد خدعتني مرتين، أتظن أنني سأقع في الشرك مجدداً؟» «دعني أحزر... أين يختبئ جسدك الحقيقي؟»
كان واثقاً من أن هذه النسخة ليست سوى وسيلة لتشتيت انتباهه، بينما يتربص «قاسم» الحقيقي في الظلال، منتظراً اللحظة المواتية للانقضاض. ولكن عندها— حل الظلام. انقبضت أصابع «قاسم» كالمخالب، مطبقةً على رأس «كاشم» بقبضة حديدية. قال «قاسم» بهدوء: «لسوء حظك، هذه المرة... أنا حقيقي».
من على الهامش، سخر «الدب» قائلاً: «مبارك لك! لقد اخترت الشخص الخطأ مرة أخرى!» تقلص بؤبؤ عين «كاشم». «ماذا؟! هذه النسخة حقيقية؟!» «لماذا... لماذا توجب أن تكون حقيقية هذه المرة؟! لقد خُدعت ثانية!»
تطاير البرق من كفه وهو يصارع بيأس للتحرر، لكن «قاسم» اكتفى بالتربيت على رأسه بخفة. «ألا تزال غاضباً يا أخي؟»
وقبل أن يتمكن «كاشم» من إبداء أي رد فعل، أحكم «قاسم» قبضته وسحبه بقوة إلى بُعد «الخلاء المكاني». ومع اختفاء الاثنين داخل الدوامة، انتفض «ياسين» واقفاً، يحدق في ذهول. «أهذا ممكن حقاً؟» «هل هذا... توسع إقليمي؟» «هل يمكنه حقاً سحب العدو إلى قلب الدوامة نفسها؟»
حك «الدب» رأسه وهو يشعر بالارتباك ذاته. في البداية، كان قلقاً، فـ «كاشم» كان الأقوى قبل أربعمائة عام، وتوقع أن يواجه «قاسم» صعوبة في الفوز، لكن النتيجة كانت غير متوقعة على الإطلاق. لم يكن هذا قتالاً حتى؛ بل كان أشبه ببالغ يضرب طفلاً في الثالثة. لم يلمس «كاشم» جسد «قاسم» الحقيقي قط، ولم يفلح إلا في تدمير النسخ. لكن مهما كان الأمر، كانت النتيجة واضحة. لقد سُحب «كاشم» إلى تلك الدوامة الغامضة. وبفضل تدخل «الدب»، استمتع «قاسم» بنصر سهل. إذن، وبالتبعية... «الدب» يساوي «قاسم». هكذا تكون الحسابات في رأسه.
هووووش!
ظهرت الدوامة مجدداً، وخطا «قاسم» خارجاً منها وهو ينفض يديه بلا مبالاة. هرع «ياسين» و«الدب» نحوه فوراً، وعيونهما معلقة بالدوامة السوداء التي تتلاشى خلفه. «ما الوضع؟ أين كاشم؟ لا بد أن جسده قد بقي منه شيء، أليس كذلك؟» طقطق «الدب» مفاصل أصابعه، مستعداً للتحرك؛ فذلك الرجل ذو الشعر المعقود كان قد أشبعه ضرباً من قبل، وحان وقت الرد.
لوح «قاسم» بيده، و— ثامب! سقط «كاشم» على الأرض حطاماً، ووجهه شاحب كالأموات. «سعال...!» أمسك بحنجرته وهو يتلوى، قبل أن يتقيأ أحماضاً معدية، وصدره يعلو ويهبط وهو يمتص الهواء النقي بيأس. تبادل «ياسين» و«الدب» النظرات، واختلجت أفواههما دهشة. «مهلاً... ماذا حدث للتو؟» «في أقل من دقيقة، صار كاشم في هذه الحالة المزرية؟» «ماذا فعل به قاسم هناك في الداخل؟»
لم يستطع «ياسين» فهم الأمر، أما «الدب» —الذي لا يزال حذراً من «كاشم»— فقد اقترب وهمس: «أراهن أن قاسم قد أذاقه تقنية "وهم القمر" بضع مرات، وإلا لما كان في هذه الحالة المزرية».
«وهم القمر؟!» تجمدت تعابير وجه «ياسين». لقد سمع ذلك الاسم من قبل. أي نوع من التقنيات الملعونة تلك؟ وهل هي حقاً مرعبة كما يشاع؟ ابتسم «الدب» وقال: «أتريد تجربتها؟ يمكن لـ قاسم أن يريك إياها بنفسه». قال «ياسين» بسرعة: «فلننسَ الأمر... لا داعي لذلك».
أما «قاسم»، الذي كان يراقب الحوار، فقد لجمه الصمت؛ لم يتوقع أن يفهمه «الدب» إلى هذه الدرجة. لأنه في الحقيقة— لقد استخدم «وهم القمر» على «كاشم». ثلاث مرات متتالية. لقد صمد «كاشم» أمام ثلاث جولات من تعذيب «وهم القمر» قبل أن يستسلم في النهاية ويسلم نقاطه.
نظر «قاسم» الآن إلى «كاشم» الضعيف الذي لا يزال جاثياً على ركبتيه. قال «قاسم»: «هل صرت مطيعاً الآن؟ ألم يكن من الأسهل تسليم النقاط منذ البداية؟» صارع «كاشم» للوقوف على قدميه، وعيناه تملؤهما الريبة والذهول. سأل بصوت متهدج: «من الأقوى... أنت أم "سكن"؟»
لم يتخيل قط أن «قاسم» يمتلك ورقة رابحة بهذا الرعب؛ فلو استُخدمت ضده تقنية «وهم القمر» منذ البداية، لما كان هناك مجال للقتال أصلاً. وإذا كان «سكن» أقوى من «قاسم»... فربما لا جدوى من تحديه على الإطلاق؛ فعندما تكون الفجوة هائلة، لا يمكن لأي مهارة قتالية أن تردمها.
وقبل أن يجيب «قاسم»، تدخل «الدب» قائلاً: «سكن لا يساوي شيئاً!» «يمكن لـ قاسم قتله بمائة طريقة مختلفة. حتى هذا الفتى الذي بجانبي يمكنه القضاء عليه في دقائق!» اختلج فم «ياسين» وهو يفرك رأسه بابتسامة خجولة: «هل يمكنك التوقف عن جري إلى مبالغاتك، من فضلك؟» كان واثقاً من قوته، لكنه لم يقاتل «سكن» من قبل، و«ملك اللعنات» من قبل ألف عام ليس بالخصم الهين بالتأكيد.
نظر «كاشم» بسخرية إلى «الدب» وكأنه حثالة، فقد أدرك أخيراً أن «قاسم» و«ياسين» هما مشعوذان من الطراز الرفيع حقاً، أما الوحيد الذي يثرثر بلا فعل فهو هذا الدب اللعين. قال «كاشم»: «سأساعدكم في العثور على "الملاك"». «لكن إذا ظهر "سكن"، فأنا من سيقاتله».
تنهد «قاسم» وقال: «هل الناس حقاً في عجلة من أمرهم للموت؟» لمعت عينا «ياسين» وقال: «في هذه الحالة، لنفترق ونبحث عن "الملاك"!» وجود شخص بقوة «كاشم» في صفهم سيسرع الأمور بالتأكيد. لقد اقترب اليوم الذي سيُفك فيه القيد عن «جلال».