الفصل 40: القرار لهم في البقاء أو الرحيل

بعد وقت قصير

تبع الغروبُ مجيءَ العتمة، وكان امتداد السماء قد تلون بوهج المساء الأحمر

قبل حلول الليل، وصلت عائلة جيانغ إلى جبل كانغوو بسلاسة

وحين نظر الجميع إلى مجمّع القصور أمامهم، لم يملكوا إلا أن أصابهم الذهول

ألم يقولوا إن جبل كانغوو تطوّقه الوحوش الشرسة طوال العام، ولا يقيم فيه أحياء

فماذا عن هذه القصور والأجنحة

من الذي شيّدها

ولما لاحظ زعيم العشيرة جيانغ حيرة الجميع لم يشرح، بل أمر الشيوخ بجمع أفراد العشيرة كلهم

وبعد أن قال بعض الترتيبات بشأن الموقع الجديد

قال بصوت عميق: من الآن فصاعدًا سيكون جبل كانغوو المعقل الجديد لعائلتي جيانغ

وإن كنتم خارجًا فبوسعكم أن تسمّوا أنفسكم أيضًا عائلة جيانغ في كانغوو

وما إن سمعوا ذلك حتى اضطربت قلوبهم، وانحنوا تحيةً بصوت واحد: أمرُك

تأمّل زعيم العشيرة جيانغ أداءهم، وأومأ راضيًا

ثم لوّح بيده معلنًا نهاية اجتماع العائلة، وطلب من الجميع الانصراف للراحة

في اليوم التالي

مدينة وودان

زار رجل في منتصف العمر يرتدي رداءً أخضر قصر حاكم المدينة فجأة

وكان دينغ شوان جالسًا في الفناء يتلذّذ بالسمك والشاي، فلما لمح الطارق لم يملك إلا أن دُهِش: أخي شو

عرف أن القادم هو صديقه القديم شو قو

غير أنه حينها، بعدما التحق الطرف الآخر بنجاح بطائفة الجبل الأخضر التي فيها السلف الأكبر من مرتبة عجلة القمر في ولاية تياندو، قلّ تواصلهما كثيرًا

لم يتوقع بعد هذه السنوات أن يأتيه ذاك بنفسه زائرًا

قال شو قو وهو يضم كفيه بتحية مبتسمًا لصديقه القديم أمامه: أخي دينغ، لقد مضى وقت طويل، آمل أنك بخير

نهض دينغ شوان سريعًا عن الكرسي الخشبي: أخي شو، ما الذي جاء بك بهذه العَجَلة هذه المرة، لم تُخبرني مسبقًا لأُعدّ لك مأدبة ترحيب، وقد وصلت أخيرًا إلى مدينتي وودان، فيجب أن أدّي واجب الضيافة، الليلة لنحتسِ بضعة كؤوس على مهل حتى الثمالة

هزّ شو قو رأسه: تقصيري أنني لم أخبرك سلفًا، ولو كان الأمر في السابق لجلستُ معك سُمرًا وشرابًا، لكن لديّ الآن أمور تخص الطائفة، فأخشى أنني لا أستطيع الاجتماع

أوه؟ ما الأمر

أدرك دينغ شوان فورًا أن صديقه القديم جاء لأمر جاد، فتماسك وسأل بصوت عميق

فكّر شو قو قليلًا: أظن أنك أيضًا تعلم بشأن المسابقة الكبرى لمئة طائفة بعد ثلاثة أشهر، أليس كذلك

لمعت عينا دينغ شوان: بالطبع أعلم

المسابقة الكبرى لمئة طائفة هي منافسة للطوائف تشرف عليها حاكميّة تياندو وتقام في عموم ولاية تياندو

وتشترط أن ترسل الطوائف شُبّانًا من التلاميذ لا يتجاوز عمر العظام لديهم 20 سنة للمشاركة

فإن نالوا ترتيبًا ضمن العشرة الأوائل، تأهّلوا لدخول أكاديمية تياندو لمواصلة الدراسة، كما تستفيد الطائفة الراعية فتحصل على مزيد من الموارد في ولاية تياندو

أمّا إن حازوا المراتب الثلاث الأولى فذاك أعظم، إذ ينالون أهلية الذهاب إلى العاصمة الملكية لأسرة تشين العظمى، ويدخلون أكاديمية الأسود والأبيض لمواصلة الدراسة، ويتلقّون إرشاد ممارسين من مرتبة عجلة النجوم وعجلة القمر بل وحتى عجلة الشمس

وبعد أن سمع جواب دينغ شوان، واصل شو قو: ما دمتَ تدرك أهمية الأمر فسأكون صريحًا، فقد أرسلتني الطائفة هذه المرة لأستقطب بذور عباقرة يمكنهم المشاركة في المسابقة الكبرى لمئة طائفة

وبعد بحثٍ لعشرات الأيام بلا طائل، سمعتُ مصادفة في مدن أخرى صيت نجمي عائلة جيانغ التوأمين، وبعد تحرٍّ دقيق علمتُ أن موطن عائلة جيانغ هو المدينة التي تحكمها أنت، لذا جئت خصيصًا أرجو منك التعريف

وما إن انتهى صوته حتى تجمّد دينغ شوان لحظة، وأخذت ملامحه تميل إلى الغرابة شيئًا فشيئًا

لم يتوقع أنه في نهاية المطاف جاء صديقه القديم من أجل تلك العائلة الملعونة، عائلة جيانغ

ولما رأى شو قو صمت دينغ شوان بغتة قطّب حاجبيه وتابع: أخي دينغ، بيننا صداقة سنوات، فإن استطعت أن تُعرّفني حقًا فسأدين لك بجميل

وإن تمكّن نجما عائلة جيانغ مستقبلًا من دخول العشرة الأوائل في المسابقة الكبرى لمئة طائفة، فقد تتذكر الطائفة معروفك، وتمنحك فرصة كبرى

وما إن سمع ذلك حتى تحرك دينغ شوان في داخله

إذ الطائفة التي ينتمي إليها شو قو قوةٌ راسخة فيها ممارس من مرتبة عجلة القمر

فإن نال فرصةً من تلك الجهة كان ذلك أمرًا عظيمًا

وبينما فكّر في ذلك اختار أن ينسى انتقائيًا ذلك اللقاء المزعج في دار جيانغ يومها

لكن تذكّرًا لهيئة زعيم العشيرة جيانغ المتعجرفة آنذاك، نَبّه خاصةً: أستطيع أن أعرّفك، لكن طبع زعيم العشيرة جيانغ جموح متكبّر، وليس سهل الاستفزاز، فكن حذرًا حين تذهب إليه

لمعت عينا شو قو: زعيم العشيرة جيانغ؟ أهو ذاك جيانغ جيانتسونغ؟ سمعت عنه هذه الأيام، كيف تُقوّم قوته

وإذ تذكر دينغ شوان أن الطرف الآخر وقد بلغ مرتبة القصر الأرجواني قد أدرك مقصد السيف، لم يملك هو نفسه مع أنه في القصر الأرجواني المستوى التاسع إلا أن يُكنّ له بعض الإعجاب

فمثل هذا الشخص، حتى لو نظرت إلى عموم طائفة الجبل الأخضر، لكان كافيًا ليُرتّب تلميذًا حقيقيًا

وحين سمع شو قو سؤاله، استعاد دينغ شوان ذكرى الصفعة المُهينة على وجهه من جيانغ داوشوان، وكي لا يفقد وجهه أمام صديقه لم يُفصّل، بل تظاهَر بالعمق وقال أربع كلمات: عصيّ على السبر

تفاجأ شو قو قليلًا، لكنه لوّح بيده وقال بلهجة عابرة: لا بأس، جئت لأجد مستقبلًا جيدًا لتلاميذ عائلته، لا لأُصعّب الأمور على عائلته، فما الذي يُخيفني إذن، أيمكن أن يقتلني إن اختلفنا في كلمة

ثم إنه وإن أدرك مقصد السيف، فما يزال حديث عهد بمرتبة القصر الأرجواني، وأمام قوتي هذا لا يكفي أبدًا

هذه النسخة متوفرة عبر موقع مركز الروايات فقط. موقعنا بلا إعلانات وقراءتك هنا تشجع المترجمين على الاستمرار.

سقطت كلماته الواثقة وفيها نَفَس من طاقةٍ قوية

أضاءت عينا دينغ شوان: أخي شو، لقد اخترقتَ فعلًا إلى القصر الأرجواني المستوى التاسع، ما بينك وبين بحر اليوان خطوة، مبارك

وحين رأى ذلك هبط الحجر عن صدره أخيرًا

صحيح أن زعيم العشيرة جيانغ يمتلك مقصد السيف وقوته القتالية تكفي لتجاوز عدة مستويات صغيرة

لكن لا مجال لمقارنته بشو قو، ممارس القصر الأرجواني المستوى التاسع

فضلًا عن أن شو قو، وهو من طائفة الجبل الأخضر، يملك كثيرًا من الأساليب الرفيعة، وقوته القتالية تفوق بكثير ممارسًا عاديًا من القصر الأرجواني المستوى التاسع، ولا يُقاس بجيانغ داوشوان الذي تأخر نضجه

قال شو قو: حظيتُ بمكافأة من الطائفة فاخترقتُ قبل مدة غير بعيدة، أمّا الآن فهل اطمأننت

اطمأننت، اطمأننت، سأقودك بنفسي إذن

حسنًا

بعد وقت قصير

قاد دينغ شوان شو قو وطارا إلى جبل كانغوو

ولأنهما يستعدّان لاستقطاب تلاميذ لم يُقدما على اقتحام المكان

بل هبطا عند بوابة الجبل

وحين رأى حرّاس الجبل ذلك أوفدوا مباشرة من يُبلّغ الداخل

وما إن عرفوا أن حاكم المدينة زار المكان مجددًا حتى خرج شيخ من المرتبة الفطرية وقاد الاثنين إلى قاعة الاستقبال

سنُبلّغ الزعيم الآن، الرجاء الانتظار قليلًا يا حاكم المدينة

قال الشيخ من المرتبة الفطرية مُشيرًا لتلاميذ العشيرة أن يجلبوا بضعة أكواب من الشاي الساخن

وفي تلك اللحظة لم تكن لدى دينغ شوان نيّة للشرب، بل جلس مُعتدلًا على كرسيّه ينتظر قدوم صاحب الشأن

أمّا شو قو فأخذ يتفحّص المكان سرًا

ولما قاس قوّة هؤلاء من أبناء العشيرة

ارتسم على فم شو قو قوسٌ خفيف، وفيه لمحةُ سخرية

يبدو أن أساس عائلة جيانغ أضعف بكثير مما تخيلت

كيف لعائلة كهذه أن تُنجب ممارسًا من القصر الأرجواني قد أدرك مقصد السيف، كأن قبر الأجداد يُخرج دخانًا أخضر، أمر يصعب تصديقه

غير أن هذا حسنٌ أيضًا

فلعلّه يكفي حينها أن أذكر اسم طائفة الجبل الأخضر فيستبدّ بهم الفرح، فيتدافعون أو حتى يتوسّلون لإرسال أبناء عشيرتهم إلى يديّ، أليس كذلك

وبينما فكّر في ذلك اتّسعت ابتسامته

وبعد لحظات

عندما وصل زعيم العشيرة جيانغ إلى القاعة اجتاح المكانَ مقصدُ سيفٍ حادّ، فتخلّل الفضاء المحيط، فأربك شو قو قليلًا

ثم رفع شو قو فجأة رأسه إلى الرجل الأنيق ذي الطلعة غير العادية، كأنه من عالم سماوي منفيّ، فلم يستطع قلبه إلا أن يهتزّ دهشة

أمّا دينغ شوان فخفض رأسه ولم يجرؤ أن يُحدّق بزعيم العشيرة جيانغ

ومن الواضح أن التجربة السابقة تركت في نفسه ظلًا ثقيلًا

حتى إنه رغم وجود شو قو إلى جانبه لم يستطع دفع شعور الخوف والقلق

رمق زعيم العشيرة جيانغ الاثنين بنظرة عابرة

وبأثر عين البصيرة القوي أدرك على الفور مرتبة شو قو

مرتبة القصر الأرجواني، المستوى التاسع

وما إن حصل على هذه النتيجة حتى لم يُعِرها كبيرَ اهتمام

ثم صرف بصره ومشى إلى الأمام وجلس على المقعد الكبير في صدر القاعة، وقال بلامبالاة لدينغ شوان: يا حاكم المدينة، مرّت أيام وهيئتك كما هي، لكن لِمَ جئتَ بغريب إلى هنا

لم يجرؤ دينغ شوان على الجواب، واكتفى بأن رمى شو قو بنظرة

وعندها، وقد شعر شو قو بجوٍّ ثقيلٍ ضاغط في القاعة، أدرك، ولو كان بليدًا، أن بين الاثنين ضغينةً ما

ولعلمه أن صديقه القديم غيرُ معوّلٍ عليه، بادر شو قو ليتسلّم الحديث: يا جيانغ جيانتسونغ، طالما سمعتُ بسمعتك، ويُقال إن الرؤية تصدّق السماع، وقد رأيتك الآن، فتبين لي أن طلعتك تفوق الشائعات كثيرًا

لم يُبدِ زعيم العشيرة جيانغ رأيًا وقال ببرود: كفّ عن المجاملات، لا يهمّني سماعها

ارتفع حاجبا شو قو وشعر بضيق، لكنه تذكّر غاية رحلته فكظم انفعاله وابتسم ابتسامة حرجة: هاهاها، حقًا إن جيانغ جيانتسونغ صريح، لن أطيل اللفات وسأدخل في الموضوع مباشرة

أنا شو قو، شيخ في طائفة الجبل الأخضر، وقد سمعتُ عن المَلَكة الاستثنائية لنجمي عائلتكم التوأمين، فسررتُ بذلك وأودّ أخذَهما إلى طائفتنا، فهل يوافق جيانغ جيانتسونغ

إن وافقتَ يا جيانغ جيانتسونغ، فإثباتًا لصدق الشائعات ادعُ جيانغ يان وجيانغ تشن، لأفحص مسبقًا مَلَكتهما وبنية العظام لديهما

فإن اجتازا الفحص وأثبتا أن الشائعات ليست مُبالَغة، فلن أعدَ بالكثير، لكن فرصتهما كبيرة في أن يصيرا تلميذين حقيقيين للطائفة، وإذا أصبحا تلميذين حقيقيين معًا، هيه، فستستطيع عائلتكم جيانغ أن تقفز فوق بوابة التنين، وتغادر هذا المكان النائي لتنهض في عالم أوسع

وأنت يا جيانغ جيانتسونغ قد تنال أيضًا فرصةً تبني بها اختراقًا عظيمًا، إنها مناسبةٌ بمئة فائدة بلا ضرر، ما رأيك

حدّق شو قو بزعيم العشيرة جيانغ وهو يتكلّم ببطء ويراقب ردّ فعله

وتحت نظرات شو قو ظلّ زعيم العشيرة جيانغ هادئًا، تناول بتمهّل فنجان شايٍ ساخن عن الطاولة، وارتشف رشفة صغيرة، ثم ابتسم بخفة: لا يهمّني إطلاقًا كيف تمضي أمور طائفتكم الجبل الأخضر

لكن لكلٍّ طريقه، ولن أعيق مستقبل أبناء عشيرتي، فإن رغب تلاميذ عائلة جيانغ في التطور في مكان آخر، فالبقاء أو الرحيل قرارٌ يعود إليهم تمامًا

2026/02/19 · 32 مشاهدة · 1577 كلمة
bilal
نادي الروايات - 2026