كان صهيل الخيل المندفعة وهدير أقدام المشاة يرتجان بين جدران الخرسانة الجردة. ثلاثة آلاف مقاتل من جيش التمرد ينهمرون كالسيل في الممر الضيق، تتقدمهم الفرسان بدروعهم الخشبية الثقيلة، يظنون أن حسم المعركة لن يتطلب سوى القضاء على أربعمائة جندياً يائساً.
وقف «سيف آل نايف» خلف السواتر الخرسانية، سيفه المغمد في يده اليسرى، وعيناه تراقبان المسافة بدقة متناهية. كان يحسب سرعة اندفاعهم وحجم انحشارهم داخل المضيق.
نحس «سليم» بصلابة القادة، واقترب بيده الممسكة بمقبض السيف:
«القائد سيف.. لقد دخلوا النطاق! الفرسان على بعد مائة خطوة!»
رفع سيف يده اليمنى بثبات دون أن يرمش:
«انتظر... لا تجعل حماسهم ينكفيء قبل أن يحتبسوا بالكامل بين الجدران.»
عندما بلغت الطليعة نقطة الاختناق الشديد، حيث لا تتسع المساحة لأكثر من عشرين فارساً متجاورين، صرخ سيف بصوت كالرعد:
«الخط الخلفي.. أثبتوا كالطود!»
المرحلة الأولى: امتصاص الصدمة (الخط الخلفي)
ضربت موجة الفرسان الأولى سواتر الدروع الثقيلة. ارتطم الصلب بالصلب، وعلت صيحات الالتحام. مائة وخمسون جندياً من حماة الدروع الثقيلة المقسمين إلى أربع وحدات متماسكة ارتكؤوا بكل أوزانهم خلف السواتر الخرسانية الصدمية.
لم يستطع كبر عدد جيش التمرد نفعهم؛ التضاريس جعلت الكثافة العددية عبئاً عليهم. تكدست قوات العدو خلف بعضها البعض، وتحول اندفاعهم الهجومي إلى زحام خانق يفقد القوة زخمها.
«إن القوة المتدفقة في ممر ضيق تتحول إلى سجن لصاحبها إذا وجد حائطاً يمتص أول صدمة.»
— من المخطوطات التكتيكية للقائد نايف
المرحلة الثانية: ضبط الإيقاع والسهام القاتلة
مع انسداد أفق التقدم أمام فرسان التمرد واختناق حركة مشاتهم خلفهم، أومأ سيف لوحدات الوسط.
تقدمت الوحدتان المتوسطتان (80 جندياً من رماة القسي وحملة الرماح المتوسطة) خطوة إلى الأمام. أطلق الرماة طلقات مركزة ودقيقة فوق رؤوس حماة الدروع. لم تكن السهام تُطلق جزافاً، بل استهدفت الضباط وقادة الفصائل الأعداء المعلمين بالريش على خوذهم.
خلال دقائق معدودة، أُصيب القائد الميداني لفرسان التمرد بسهم في عنقه، فتخبطت الخيل وسادت الفوضى في خطهم الأمامي. بدأ القادة في الخلف يصرخون بأوامر متضاربة، وشل العجز قدرة العدو على التراجع أو التقدم.
نظَر سليم إلى سيف بدشهة؛ كان التكتيك يعمل بكفاءة ساعات الآلات القديمة:
«لقد فقدوا زمام التوجيه! الكتلة الأمامية تحتضر!»
ابتسم سيف ابتسامة حادة:
«الآن.. حان دور الأجنحة لقطع طريق العودة.»
المرحلة الثالثة: فكّ الفكين (هجوم الأجنحة)
أخرج سيف من حزامه بوقاً نحاسياً صغيراً ونفخ فيه نغمة حادة مرتفعة.
من قلب الأنفاق الخرسانية المظلمة على جانبي الممر—والتي طمرتها الرمال دهوراً—انطلقت الوحدتان الضاغطتان (100 فارس من خيالة آل نايف). انقضت الميمنة والميسرة كالفرسان الأشباح على ذيل الهجوم المزنوق داخل الممر.
ضرب خيالة آل نايف جوانب العدو المكشوفة، مما أدخل الرعب في نفوس المشاة المتقدمين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين جدار الدروع الثقيلة في الأمام، وخيالة آل نايف من الجوانب والخلف.
المرحلة الرابعة: الختم الخاطف (ضربة رأس الحربة)
استل سيف سيفه من غمده، ولمع حديده في ضوء الشمس الغاربة.
«يا بني آل نايف! اختتموا المعركة!»
اندفع سيف وسليم على رأس الوحدتين القتاليتين (70 جندياً من نخبة حراس الراية) لاقتحام قلب التشكيل المفكك للعدو. تم تطبيق هجوم خاطف ومكثف؛ اخترقت وحدة سيف ثغرة المنتصف التي خلفتها سهام الرماة، وسحقوا المقاومة المتبقية في مركز القيادة الميدانية للتمرد.
مع هبوط الليل على «وادي الخرسانة»، كانت أرض الممر غارقة في دمائهم، بينما انهارت معنويات جيش التمرد بالكامل. ألقى من تبقى منهم السلاح وفرّ الآلاف منهم في صحراء الفراغ، بعد أن تحطمت هيبتهم أمام تشكيل تكتيكي محكم أدارته أربعمائة يدٍ صلبة.
جلس سيف على حجر خرساني مائل، يمسح دماء المعركة عن حديد سيفه. أقبل سليم مرفوع الرأس، يحمل راية آل نايف التي لم تسقط.
قال سليم بصوت خاشع:
«العدو تشتت في الصحراء يا سيف.. غنمنا المؤن، والدروع، وفتحنا المنفذ الجنوبي بالكامل. ما خطوتنا التالية؟»
نظر سيف نحو الأفق الجنوبي حيث تمتد صحراء الجزيرة الشاسعة، وقال بنبرة ملؤها التحدي:
«هذه المعركة كانت مجرد تنظيف للدار.. العاصمة القديمة تفور بالخونة، وقبائل الجنوب تنتظر راية حقيقية تجمعها. حان الوقت لنزحف ونفرض الاستقرار المطلق على الجزيرة بأكملها.»