مع انبثاق أول خيوط الفجر فوق «وادي الخرسانة»، لم تكن أرض الممر مجرد الميدان الذي شهد انكسار جيش التمرد الشمالي، بل تحولت إلى ورشة عمل عسكرية ضخمة تعج بالحركة والحياة. كانت أعمدة الدخان المتصاعدة من بقايا مخيمات العدو المحترقة تختلط ببرودة الصباح الجاف، بينما انهمك جنود «آل نايف» الأربعمائة—الذين أضحوا اليوم سادة الميدان—في إحصاء الغنائم، وتضميد الجراح، ودفن القتلى.
أقبل «سليم» متكئاً على رمحه الفولاذي، والدموع تحفر خطوطاً داكنة على وجه المغبر، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق لم يره سيف فيه من قبل. جثا سليم بجانب سيف الذي كان يجلس على حجر خرساني أملس، ينظف حد سيفه المزدوج بقطعة من القماش الخشن.
قال سليم بصوت يمتزج فيه الذهول بالفخر:
«القائد سيف.. النتائج تتجاوز كل حساباتنا. غنمنا أكثر من ثمانمائة درع مصفح، وألفاً وخمسعمائة رمح وقوس، إلى جانب حمولة أربعين جملاً من الحبوب واللحوم المجففة والمياه النقية. لكن الأهم من العتاد هو ما يحدث على أطراف الوادي الان.. أخبار انتصارنا في الممر انتشرت كالنار في الحطب الجاف. المئات من أبناء القبائل المشتتين، والفرسان الذين فروا سابقاً من بطش التمرد، يتدفقون نحو رايتنا. قوام جيشنا اليوم تجاوز ألفي مقاتل يطالبون بالانضمام إليك.»
رفع سيف رأسه، ينظر نحو أفق الصحراء الممتد حيث تتجمع جموع المقاتلين الجدد. لم تكن في ملامحه نشوة غرور، بل ثقل مسؤولية جديدة. أخرج من جيبه الداخلي جزءاً آخر من مخطوطة والده، وتفحص الخريطة الجغرافية المتربة للمنطقة الوسطى.
رد سيف بنبرة هادئة ورزينة:
«النصر في معركة واحدة يجمع الناس حولك يا سليم، لكن السيطرة الدائمة هي ما يحفظ أرواحهم. هؤلاء المقاتلون الجدد يحتاجون إلى إعادة تنظيم فورية؛ انزع الدروع الصدئة واستبدلها بالغنائم، وقسّم المشاة إلى فيالق خماسية يقودها جنودنا القدامى من ذوي الخبرة. لا نريد غوغاء تحارب، بل نريد جيشاً يأتمر بأمر تكتيكي واحد.»
على مدار يومين كاملين، لم يتوقف المعسكر عن الحركة. جرى دمج القوات الجديدة، وتدريبهم على تشكيلات امتصاص الصدمة وحركة الأجنحة التي ابتكرها سيف. وفي صباح اليوم الثالث، انطلقت الفيالق الموحدة لآل نايف، تتقدمها الرايات الداكنة، متجهة نحو الشمال الشرقي.
كان الهدف التالي يقع على بعد مسيرة يومين في عمق الأودية الصخرية: «منخفض الجسر المنهار».
كانت الطريق نحو العاصمة العتيقة تلتوي بين جرفين صخريين سحيقين ينتهيان بمنخفض عميق. وكان السبيل الوحيد لعبور هذا المنخفض هو شريان استراتيجي يعود للعصر القديم قبل السقوط التكنولوجي؛ جسر فولاذي عملاق، معلق على ارتفاع سبعين متراً فوق القاع الصخري، تتداخل فيه العوارض الشبكية الصدئة مع بقايا الخرسانة المسلحة التي تآكلت بفعل العوامل الجوية عبر القرون.
ولم يكن المعبر خالياً.
كان يتحصن فوق هيكل الجسر وفي أجزائه المتساقطة القائد المتمرد «ضرار»—وهو جنرال عسكري عُرف بصلابته وبطشه الشديد، وبأنه لا يخوض معركة إلا من خلف تحصينات صلبة. كان ضرار يقود قوة مكوّنة من ألفين وخمسعمائة جندي من نخبة المشاة الثقيلة ورماة القسي المركبة.
استقر موقع ضرار فوق أعلى نقطة في الجسر، موزعاً رماة سهامه خلف شبكات نسيجية من الفولاذ الصدئ التي تعمل كستائر واقية تمنع سهام المهاجمين من الوصول إليهم، بينما تمطر مجانيقهم الخفيفة وثقالات الحجارة أي قوة تحاول الاقتراب من قاعدة المنخفض.
أقام سيف معسكره على مسافة آمنة خلف ثنية الجبل، وصعد برفقة سليم وقادة الفيالق الجدد إلى قمة جرف صخري يطل على المنخفض من بعيد. أخرج سيف منظاراً بصرياً قديماً—أحدا القطع الأثرية النادرة التي نَجَت من العصر الغابر—وبدأ يتفحص بنية الجسر وهيكله.
قال سليم وهو يشير بسيفه نحو العوارض الفولاذية:
«الموقع شبه مستحيل يا سيف. المعبر السطحي للجسر لا يتسع لأكثر من أربعة فرسان متجاورين، وضرار أقام سواتر حديدية على بوابته. إن هاجمنا من الأمام، سيتساقط جنودنا في القاع قبل أن نصل إلى منتصف الطريق. وإن حاولنا الالتفاف حول الجرف، سنحتاج لثلاثة أسابيع عبر الصحراء القاحلة، والمؤن لن تكفينا.»
أطال سيف النظر عبر عدسة المنظار، يتدقيق في التفاصيل الهندسية السفلية للجسر، حيث تلتقي القواعد الفولاذية الضخمة بالجدران الصخرية للجرف. كانت هناك فتحات أنبوبية دائرية هائلة مبنية من الخرسانة الصلبة، تغطيها الشجيرات الصحراوية الجافة والحديد المتآكل.
سحب سيف المنظار، وارتسمت على شفتيه ابتسامة حادة، ثم جثا على الركبتين وبدأ يرسم على التراب هيكل الجسر.
قال سيف بصوت يقطر بالثقة:
«ضرار يعتقد أن هيكل الجسر الفولاذي هو درعه المنيع، لكنه يرتكب خطأ القادة الذين يعتمدون على قوة الحصن المادية؛ إنه ينظر إلى الأعلى والآفاق، ويهمل ما تحت أقدامه. الجسور العملاقة في العصر القديم لم تكن تُبنى في الهواء فحسب، بل كانت تُربط بشبكات تصريف مائية وأنفاق صيانة سفلى تخترق بطن الجرف الصخري لتصريف سيل المطر حتى لا يتآكل السد الترابي للجسر.»
اقترب قادة الفيالق الجدد بحماسة يصغون إلى كل كلمة. واصل سيف الشرح وهو يشير بسيفه على الرسم الترابي:
«ضرار يركز كل قوته ورماة سهامه نحو السطح العلوي للممر. سننفذ بحقّه تكتيك (الخدعة المزدوجة والالتحام السفلي).»
قسم سيف الخطة إلى ثلاثة محاور متكاملة:
1 القوة الطاعمة والتمويه السطحي (300 جندي): تتقدم هذه القوة تحت قيادة «سليم» في منتصف النهار نحو بوابة الجسر السطحية، يحملون رايات متذبذبة ويتظاهرون بالإرهاق والتخبط، ويطلقون نداءات تطلب التفاوض، لاستدراج انتباه ضرار وقادته وتثبيت أعينهم على الشارع السطحي.
2 ستار الغبار والحجب البيئي (200 فارس): ينزل الفرسان إلى قاع المنخفض الصخري، ويسحبون أغصان الأشجار الجافة المربوطة بسلاسل خلف خيولهم، ليرفعوا سحابة كثيفة من الغبار الصحراوي تعمي أعين رماة ضرار المتمركزين على الحواف العلوية، وتمنعهم من رؤية الحركة في أسفل المنخفض.
3 كتيبة الاقتحام والتسلل السفلي (800 جندي): يقودها «سيف» بنفسه، حيث تتسلل عبر قناة تصريف المطر القديمة الممتدة في عمق الصخر تحت القواعد، ليصعدوا من خلال سلالم الصيانة الصدئة الفائتة، ويخرجوا مباشرة من الفتحات الخلفية الممتدة على سطح الجسر خلف خطوط رماة العدو ومجانيقهم.
مع حلول منتصف النهار، والشمس تصلى الصخور بلهيبها، بدأت الخطة في الدوران بدقة ساعية.
انطلق سليم على رأس الثلاثمائة جندي، يتقدمون بخطوات ثقيلة ومترددة نحو المدخل الشمالي للجسر. سارعت مجانيق ضرار إلى إطلاق القذائف الصخرية الخفيفة التي سقطت على مقربة منهم، فما كان من قوات سليم إلا أن تراجعت للخلف وهي تصرخ وتتظاهر بالفوضى، مما دفع جنود ضرار على الأبراج إلى التكبير والسخرية.
وقف القائد «ضرار» فوق البرج الرئيسي للجسر، يرتدي درعه الفولاذي الثقيل، ويمسك بقوسه المركب. قال لنظارته بكبرياء:
«أهؤلاء هم أبطال آل نايف الذين يتحدث عنهم الجميع؟ إنهم مجرد أطفال يتساقطون عند أول قذيفة مجنيق! اضبطوا القسي، ولنعدّ للنزول والإجهاز عليهم بالكامل.»
في تلك اللحظة، تحركت فرسان آل نايف في قاع المنخفض. خلال دقائق، ارتفعت سحابة هائلة من الغبار البرتقالي الداكن، ليتحول المنخفض إلى جدار من العماء المطلق. تعطلت رؤية رماة ضرار، ولم يعودوا قادرين على تمييز ما يحدث في الأسفل، واكتفوا بإطلاق السهام بشكل عشوائي نحو الغبار.
في هذه الأثناء، كان سيف يقود ثماني مائة جندي داخل الظلمة الدامسة لقناة التصريف المائية. كانت الرائحة داخل الأنفاق الخرسانية مزيجاً من الرطوبة القديمة والحديد الصدئ. تسللت القوة بصمت مطلق، يسترشدون بالمشاعل المكتومة وبإرشادات المخطوطة القديمة التي حددت مواقع أنابيب العمود الصاعد.
بعد مسيرة أربعمائة متر داخل بطن الجرف الصخري، وصل سيف إلى قاعدة السلم الفولاذي الممتد رأسياً نحو الأعلى. أشار سيف بيده لرجاله بالثبات، وصعد السلم بحذر، حتى بلغت يده الفتحة الحديدية المسدودة التي تؤدي إلى سطح الجسر.
أصغى سيف بدقة؛ كان يستطيع سماع صراخ ضرار وهو يعطي أوامره لرماة المجانيق، وأصوات وقع أقدام جنوده وهم يتحركون على الصفائح الفولاذية مباشرة فوق رأسه.
وضع سيف كتفه تحت الغطاء الحديدي، وبدعم من ثلاثة من أشد رجاله بأسًا، دفعوا الغطاء بكل قوتهم!
انشق السطح الخلفي للجسر بدويٍّ معدني هائل!
قفز سيف أولاً كالصاعقة، مستلاً سيفه المزدوج، يتبعه المئات من جنود الاقتحام الذين انهمروا من فتحات الصيانة القديمة كالأشباح التي خرجت من جوف الأرض.
خيمت الصدمة والذهول المطبق على قوات ضرار. كان الرماة والمجانيق يوجهون أنظارهم بالكامل نحو الغبار في الأسفل ونحو الممر السطحي الأمامي، وفجأة وجدوا أنفسهم يواجهون مئات السيوف والمشاة المصفحة التي تضربهم من الخلف والقلب!
صرخ سيف بصوت هز العوارض الفولاذية:
«يا أبناء آل نايف! احسموا المعركة! الأرض لكم والحديد لنا!»
اندفعت كتيبة الاقتحام بحرمانه التكتيكية؛ حطموا منصات المجانيق، وقطعوا أوتار القسي، ومزقوا الخطوط الخلفية لجيش التمرد. تحول الجسر المعلق المرتفع—الذي كان حصناً منيعاً لضرار—إلى مصيدة مرتفعة ضيقة لا منفذ منها للفرار.
أدرك سليم من موقع الأمامي انطلاق عملية التسلل عبر صوت الاشتباكات في الأعلى، فصرف قواته للاندفاع الخاطف عبر المعبر السطحي، ليلتقي بالجيش المهاجم من الخلف ويزيد من خنق قوات ضرار.
حاول «ضرار» جمع نخبة حراسه لخوض مواجهة أخيرة، لكن الفوضى كانت قد أكلت أركان جيشه. انهار التشكيل العسكري تماماً، وألقى المئات من جنوده أسلحتهم ممتنعين عن القتال، بينما تحصر ضرار في زاوية أحد الأعمدة الرئيسية للجسر، وسيف وقواته يحيطون به من كل جانب.
استل ضرار سيفه بيدين ترتجفان من الصدمة، وقال بصوت يخنقه الغبار والدم:
«من أين أتيتم؟! كيف عبرتم الجرف المستحيل؟!»
خطا سيف خطوات ثابتة نحو ضرار، وسيفه المزدوج يقطر من دماء المعركة، وقال بنبرة صارمة ينبض بها الوقار العسكري:
«الجبال والجسور لا تحمي من يتجاهل تاريخ الهندسة يا ضرار. السلاح الفتاك الذي يبني الإمبراطوريات ليس الحديد الصلب المحمّى.. بل العقل الذي يعرف كيف يفكك الحصون من أساساتها.»
أومأ سيف لرجاله، فاندفع سليم وحراس الراية ونزعوا السلاح من يد ضرار وقيدوه بحبال الصلب، ليُعلن انتهاء معركة «منخفض الجسر المنهار» بانتصار مطلق وناجز لآل نايف.
وقف سيف على حافة الجسر العالية، تنشر الرياح الصحراوية عباءته الجلدية، وينظر إلى امتداد الطريق الشمالي المفتوح نحو القلاع والعاصمة العتيقة. غنم الجيش أطنانًا جديدة من العتاد، وانضم إليهم أكثر من ألف جندي من أسرى ضرار الذين أعلنوا ولاءهم للقيادة الجديدة.
التفت سيف إلى سليم وقال:
«أصلحوا أجزاء الجسر وأمنوا المعبر لفيالقنا.. المعركة القادمة ستكون ضد (قلعة الصخر)، وحان الوقت لنثبت للعالم أن الأسوار الخرسانية تتهاوى أمام فيزياء الأرض.»